عم الاستياء الأوساط الصحفية والطبقة السياسية على السواء في الجزائر جراء قبول القضاء دعوى رفعها قائد جيش الانقاذ سابقا بمناطق غرب الجزائر أحمد بن عيشة ضد مدير يومية (الخبر) أكبر الصحف الجزائرية لنقلها شهادات حية ممن مستهم جرائم الجيش قبل وقفه العمل المسلح في الفاتح من أكتوبر 1997م. واعتبر بن عيشة الذي تصفه الصحافة عادة بـ (الإرهابي التائب) ما نشرته (الخبر) مساسا بشخصيته وخدشا لكرام ته. وهذه أول مرة يرفع فيها إرهابي دعوى قضائية ضد صحيفة, فقد كانت علاقة العداء قائمة منذ اندلاع المواجهات عام 1992م حيث وقفت الصحافة موقفا مضادا للإرهاب بجميع فصائله. وكان بن عيشة أول من أصدر الفتاوى بقتل الصحفيين فشنت هذه الفصائل حربا حقيقية عليهم فاغتالت منهم أكثر من سبعين ونحو ثلاثين من العمال المساعدين في قطاع الاعلام وفجرت دار الصحافة التي تأوي أهم العناوين بسيارة مفخخة في فبراير 1996. وأنشأ جيش الانقاذ منظمة خاصة باغتيال المثقفين عموما والصحفيين خصوصا باسم (الفداء) وكان من بين ضحاياها رئيس تحرير جريدة (الخبر) عمر ورتلان في أكتوبر عام 1995م. واعتبرت أوساط سياسية وإعلامية واسعة ما نشرته الجريدة حول الأعمال الإجرامية التي قادها أحمد بن عيشة قبل استسلامه عملا صحفيا, وأنه (من غير المعقول تصور محو صورة مجرم تسبب في قتل آلاف من الأبرياء لمجرد أنه عاد الى ذويه وصدر في حقه عفو سياسي بالدرجة الأولى (كما جاء في تعليق جريدة (الوطن) (على الحدث. وكتبت (الخبر): (إن هؤلاء الذين كانوا يغتالون الصحفيين, أصبحوا اليوم يقاضونهم في المحاكم ويطلبون القصاص مع أنهم المجرمون) وخصصت الصحف مساحات واسعة للحدث, وتناولته عدد من المقالات بأسلوب ساخر لا سيما وأن الجيش الاسلامي للانقاذ المحظور مثله مثل الفصائل الارهابية الأخرى يرى في القضاء ألد أعدائه فكيف يلجأ اليوم إليه لطلب حكم عادل؟ واستغرب رضا مالك رئيس الحكومة الأسبق ورئيس التحالف الوطني الجمهوري المشارك في حكومة علي بن فليس قبول القضاء دعوى من سفاح, على حد قوله ــ ضد صحيفة كانت من ضحايا فتواه وكانت طيلة الأزمة تؤدي عملا تعبويا رائدا لتشجيع الجزائريين على مقاومة المحنة, وقال مالك: (من المفارقات العجيبة أن الذين حاربوا الإرهاب يوجدون اليوم في قفص الاتهام) أما محمد يزيد وهو دي بلوماسي قدير كان يمثل الحكومة الجزائرية المؤقتة أثناء ثورة التحرير في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات بواشنطن وملاحظا والأمم المتحدة فأكد أن رفع إرهابي دعوى ضد صحيفة في جزائر هذه الأيام لم يفاجئه تماما. وقال: (إن أحمد بن عيشة يقاضي (الخبر) لأنه يعتبر نفسه من تحالف السلطة وبالتالي يرى أنه مؤهل لدلك, كيف لا وقد دخل دار الصحافة وهو يحمل سلاحا تحصل عليه من هذه السلطة نفسها), وعبر مجيد سيدي سعيد زعيم المركزية النقابية ذات المليون ونصف مليون منخرط عن تعاطفه مع (الخبر) ومع الصحافة عموما أمام ما اعتبره (استفزا زا يثير مشاعر جميع من مستهم همجية الارهاب في السنوات الحمراء التي عاشتها الجزائر), وقال (إن الذي يقاضي (الخبر) اليوم مسئول عن آلاف الضحايا وعن تخريب المصانع التي أبقت آلاف العائلات بلا موارد وتسبب في تشريد الأطفال من جراء حرق المدارس وتحويلها الى ساحات للقتل اليومي). ولم يستبعد عبد العزيز رحابي وزير الاعلام السابق أن تندرج مبادرة زعيم جيش الانقاذ سابقا ضد الخبر في إطار واسع تشارك فيه أطراف عديدة لتقليص حرية التعبير وتكميم الأفواه ونشر الخوف في أوساط الصحفيين, في إشارة الى الاستعدادات الجارية لإصدار قوانين جديدة مقيدة للحريات. أما خليدة مسعودي وهي نائبة بالبرلمان عن التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية المشارك في الحكومة بوزيرين, فقالت: (مهما كان ما نشرته الخبر, فإنه لن يكون أخطر من الجرائم التي ارتكبها الإرهابيون بمن فيهم من توقفوا عن حرفة القتل), واستغربت (كيف يحتج أناس حملوا السلاح ضد الجزائريين وعاثوا في الأرض فسادا على كتابات تحكي عن أفعالهم). ووصف رئيس الحكومة الأسبق سيد أحمد غزالي الذي جرى بالخطر الداهم وقال: (إن الأوضاع انقلبت حيث أصبح المعتدي هو الذي يقاضى المعتدى عليه ,وأن مجرمين أعفي عنهم بلا محاكمات تمكنوا في ظل السياسة المتبعة اليوم من تجنيد القضاء لمحاكمة الأبرياء... في وقت تصاعدت فيه حدة المجازر في كل مكان). واعتبر غزالي ما يجري نتيجة منطقية لممارسات سياسوية تختفي وراء ستار الوئام المدني. وقال: (عوض تجريم الصحفيين لأنهم كتبوا عن جرائم فعلية اقترفتها الجماعات الارهابية كان من الأجدر على الأقل التنديد بمجازر هذه الأيام لفضح هذه الجماعات أمام الرأي العام العالمي), وعبر عدد كبير من النواب البرلمانيين من مختلف الانتماءات الحزبية عن استيائهم وأسفهم أمام الوضع المقلوب الذي جعل القضاء يقبل دعاوى من مجرمين ضد الصحافة ووعدوا بحملة واسعة لتصحيح المفاهيم ووضع (الوئام المدني) في سياقه كمسار نعمة وسلام لا نقمة على الديمقراطية والحريات.