عندما يتحدث طبيب فلسطيني هذه الأيام عن الاحوال الصحية في الاراضي الفلسطينية, لا يمكنه أن يفصل في كلامه بين مهنته والتزامه السياسي الذي يقفز فوق الجانب المهني إلى النضال السياسي. الكلام على المبضع والجراحات الصعبة التي تُجرى في زمن الانتفاضة والتحذير من النقص الكبير الذي تعانيه المستشفيات الفلسطينية, لا يمكن إلا أن يقترن بكلام على وجوب استمرار هذه الحال الثورية في حياة الفلسطينيين التي يعتبرها كثيرون من الأطباء الفلسطينيين الملاذ الأخير لشعبهم كي يسترجع حقوقه. أليست الثورة في النتيجة كالجراحة, آخر الحلول؟ ماذا يقول الأطباء الفلسطينيون اليوم؟ أحد هؤلاء الأطباء, الدكتور زياد سليم, جرّاح في مستشفى المقاصد الإسلامية في القدس, يزور فرنسا ضمن بعثة طبية للتنسيق مع لجنة تقصي الحقائق الصحية التي تغادر فرنسا إلى الأراضي الفلسطينية, مع أطباء متطوعين (منهم فرنسيون من أصل فلسطينيي وعربي) وتصطحب معها بعض المعدات الطبية التي تساعد في إنشاء مستشفيات ميدانية. وتحاول فرنسا تنشيط مساعيها الدبلوماسية لإحياء الحوار الفلسطيني الإسرائيلي, بمبادرات ومساعدات إنسانية في الأراضي الفلسطينية. وفي هذا الإطار جاءت المساعدة الأوروبية بقيمة 70 مليون يورو, إلى جانب النشاطات التي تقوم بها جمعيات غير حكومية كإرسال بعثات طبية, إضافة الى لجنة تقصي حقائق صحية من فرنسا تزور الأراضي الفلسطينية. ومع تواصل الانتفاضة وتزايد حدة العنف الإسرائيلي بالرد عليها, يتزايد عدد الجرحى يوماً بعد يوم, بحيث تجد المستشفيات الفلسطينية نفسها في حال عجز نظراً إلى أوضاعها التقنية المتواضعة و النقص الحاد في المعدات والمستلزمات الطبية. يقول الدكتور سليم: (في هذه المرحلة تعاني المستشفيات الفلسطينية كثيرا من العوز, فالاستهلاك يفوق التزود بالإمكانات. المستشفيات كثيرة سواء في شمال الأراضي المحتلة, في جنين وطولكرم ونابلس والخليل وبيت لحم وبيت ساحور, لكنها متواضعة الحال. على سبيل المثال مستشفى المقاصد الذي يستقبل الجرحى من أنحاء الأراضي وتصل إليه الحالات شديدة الصعوبة, لا يحتوي سوى على أربع غرف عمليات, وهذه نسبة ضئيلة نظراً إلى عدد الحالات التي تصل إلينا. وتجهيز غرف إضافية يتطلب معدات لا نملكها. تلزمنا أجهزة رقابة حديثة, وأجهزة لسحب الغاز من الدم, نحن في حاجة لثلاجات لحفظ الدم, وتنقصنا أيضاً أسرّة هيدرولية لمعالجة الإصابات في العمود الفقري وهي كثيرة, وهناك كثير من المعوّقين الفلسطينيين بسبب هذه الحرب). المستشفيات التي تواجه إصابات خطيرة في مجملها يتعين عليها أيضاً معالجة الحالات العادية كالمرضى العاديين والمسنين والنساء الحوامل. ويقول الدكتور سليم: (اعتدنا على معاينة الجريح الفلسطيني المصاب في أنحاء حساسة من جسمه, فالجندي الإسرائيلي مدرب على حرب الشوارع وحرب المدن, وهو قناص ماهر, الإصابات التي نواجهها هي في أغلب الأحيان في الرأس والعنق والصدر, وهي المناطق القاتلة, هذا إضافة إلى استخدام عدد من الأسلحة الفتاكة). ويشدد الطبيب الفلسطيني على الوضع التقني الذي يصيب الأطباء بنوع من العجز المهني أمام الإصابات. فالنقص لا يطاول الكوادر الطبية التي هي على درجة مهنية جيدة وإنما المعدات والتجهيزات, ويقول: (لدينا جراحون من ذوي الكفاءة في مختلف الاختصاصات سواء في مجال جراحة الشرايين أو الأعصاب أو القلب أو الصدر أو العظام أو الجراحة العامة. لكن المشكلة التي تواجهنا هي النقص في الإمكانات). (خدمة وورلد نيوزلينك)