يبدو واضحا الان ان هناك تيارين بارزين في سوريا يتصارعان لرسم وبلورة صورة الوضع الداخلي, وتحديد آفاق المستقبل: المتمثلين في تياري التحديث والمحافظ, والاتجاه الاول اخذ يفرض نفسه على اكثر من صعيد, حتى تحول إلى قوة جارفة, تسعى إلى تغيير كل شيء دفعة واحدة, واعادة بناء الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بطريقة سريعة وشاملة, ويستمد هذا التيار قوته وحضوره وزخمه من سياسة الاصلاح والانفتاح التي يقودها الرئيس السوري بشار الاسد, وهي السياسة التي فاجأت الكثيرين, نظرا لسرعتها من جهة وشموليتها من جهة اخرى, حتى ان سوريا بدت حاليا, وكأنها قد انتقلت ـ بصورة كلية ـ من حالة سابقة اتسمت بنوع من الجمود والركود إلى حالة جديدة تتسم بالحركة والديناميكية والسعى الحثيث نحو الاتيان بكل جيد ومن كل الاتجاهات, ويجد انصار ومؤيدو هذا التيار في القرارات والخطوات الاصلاحية التي تتم على اكثر من صعيد, والتي كان اخرها تباعا: السماح لاحزاب الجبهة الوطنية الحاكمة باصدار الصحف والمجلات الخاصة بها, وفتح مراكز وفروع علنية لها في كل المدن والمحافظات, ومن ثم السماح بانشاء مصارف خاصة وفتح سوق لتداول الاسهم (بورصة) وتوحيد سعر الصرف, وفتح البلاد كلها امام الاستثمار العربي والاجنبي, يجد هؤلاء في هذه الخطوات المتلاحقة والنوعية, قوة دعم ودفع لموقفهم ودعوتهم المباشرة إلى اعادة النظر في كل الاوضاع القائمة, وعدم الوقوف عند حد معين في اطار عملية التغيير والانفتاح, بل البحث والعمل على ايجاد واستنباط الآليات والوسائل القادرة على تسريع هذه العملية, وجعلها تحقق غاياتها في غضون اشهر اذا امكن, ويجادل انصار ومؤيدو تيار التغيير والتحديث بأن بشار الاسد مصمم على ادخال سوريا في غضون سنوات قليلة في حلبة المنافسة الاقليمية والدولية, على الصعيد التجاري والاقتصادي, وان لجهة لعب دور جديد ومركزي في جذب الاستثمارات الخارجية وتحديث وتطوير النظام المصرفي والمالي, وتحويل البلاد كلها إلى دائرة مفتوحة على كل الرياح والمسارات, ويتوقع هؤلاء ان تقدم قيادة الحزب الحاكم بزعامة الرئيس السوري على اتخاذ المزيد من القرارات والخطوات المؤدية إلى توسيع حركة الانفتاح والتغيير ويؤكدون بأن هذه العملية ستطال الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العمق, وهي ستعيد تشكيل سوريا من جديد, وفق اسس ومنطلقات مغايرة تماما لما اتسمت به المرحلة السابقة والتي تمتد من العام 1963 وحتى العام الحالي, ولا تستبعد المصادر القريبة من تيار التحديث والتغيير ان يصدر قانون جديد للاحزاب في سوريا, يتم بموجبه السماح بانشاء وتأسيس الاحزاب السياسية والجمعيات والنوادي والمنظمات الاهلية وغير الحكومية والتي لم تقتصر على الجانب السياسي, بل تستعمل كل جوانب الحياة الاخرى بما في ذلك حقوق الانسان والحريات العامة وشئون الصحة والبيئة وسلامة المستهلك, لتصب جميعا في بوتقة السعي إلى اقامة مجتمع مدني, تمارس في اطاره كل انواع النشاطات الفكرية والسياسية والثقافية, عبر لغة الحوار المفتوح, ومبدأ الرأي والرأي الآخر, ومنظومة التلاقي والتجاذب الشاملين والمطلعين على ادق التفاصيل واصغرها, ولا تلوح في الافق اية سقوف محددة لهذه الحملة التي يقودها الاسد, فهو يريد ان يطبق سياسة (حرق المراحل) على صعيد التغيير والتحديث حتى يعوض عن الجمود الذي عاشته البلاد خلال العقود الماضية, ولكي تتمكن البلاد من اللحاق بركب التطور العالمي والتغيرات الدولية, في ظل (العولمة) التي اخذت تفرض وجودها على كل الدول والشعوب. ومقابل هذا التيار الجارف, هناك تيار اخر يمكن ان يسمى بالمحافظ, يبدي معارضة, وصلت إلى حد مقاومة حركة التغيير والتحديث, وفق ما جاء على لسان الدكتور حسان نوري وزير الدولة السوري لشئون التنمية الادارية, وقد حدد الدكتور النوري اسباب هذا الموقف بأمرين لا ثالث لهما: اما لجهل وعدم دراية كافة بأبعاد ما يجري, الامر الذي يدفع ببعض الفئات إلى ابداء معارضة ومقاومة لعملية الاصلاح والتحديث والتغيير, وذلك على قاعدة المثل القائل (الانسان عدو ما يجهله), وإما لوجود مصالح شخصية وذاتية, تتعارض مع حملة الانفتاح والتغيير, وبالتالي فان اصحاب هذه المصالح, يعمدون إلى مقاومة أى تغيير, لانه في نظرهم سيحرمهم من نفوذهم ومواقعهم التقليدية على الساحتين السياسية والاقتصادية, ويرى الدكتور النوري ان معارضة التغير ومقاومته هي ظاهرة طبيعية ومعروفة في الكثير من بلدان العالم, ولكن في المحصلة, لابد ان يكون الحسم لمصلحة تيار التطوير والتحديث, وردا على ما اثاره بعض انصار وممثلي هذا التيار من ان القدرات الاقتصادية التي تصدر تباعا عن الحكومة السورية, تستهدف بالنهاية الوصول إلى موضوع الخصخصة اي بيع مؤسسات القطاع العام وشركاته إلى القطاع الخاص, سواء كان محليا أو عربيا أو اجنبيا, اكد الدكتور خالد رعد نائب رئيس الوزراء السوري للشئون الاقتصادية انه لا توجد لدى القيادة والحكومة اية خطط تطبق نظرية الخصخصة, متهما مروجي مثل هذه الدعايات والافكار بأنهم يسعون إلى خلط الاوراق على ساحة العمل الوطني في سوريا, وسترد على انه ليس من الخطأ ان يكون هناك قطاعان عام وخاص في اطار التعددية الاقتصادية, لاسيما وان سوريا بحاجة خلال هذه المرحلة إلى تضافر كل الجهود للدخول في القرن الجديد, وبطريقة تمكنها من تحقيق الحضور الفاعل والمميز على الساحتين الاقليمية والدولية, ويجادل العديد من مؤيدي تيار المحافظة والثبات بان الخصخصة لابد ان تفرض نفسها في نهاية المطاف, ويشيرون إلى ان الحكومة السورية, تقوم حاليا بتطبيق الوصفة التي وصفها البنك الدولي, والتي تهدف إلى اعادة هيكلة البنى الاقتصادية والاجتماعية, للوصول إلى اقتصاد السوق, ويرى هؤلاء ان الحكومة بدأت بالتراجع عن كل ما يمت إلى الاشتراكية بصلة, مشيرين إلى قرارات احداث مصارف خاصة, منهم يرون ان هذه الخطوة, تعد تراجعا واضحا عن قرارات التأميم التي كانت المرتكز الاساسي الذي قامت عليه ثورة الثامن من مارس عام 1963. ويقول عضو مجلس الشعب السوري منذر موصللي: ان الغاء قرارات التأميم وكذلك جميع الخطوات والمراسيم التي تمت في اطار النظام الاشتراكي في سوريا, قد تكون فرضته التطورات والتغييرات الخارجية, ولكن لابد من الاشارة إلى مخاطر التسرع والاستعجال في هذا المجال, مشيرا إلى ان هناك الكثير من دول العالم قد دفعت ثمنا غاليا, جراء دخولها في سياسة الانفتاح السريع دون وجود افق أو سقف لذلك, ولا يبدو موصللي الوحيد الذي يبدي تحفظا وتخوفا ازاء حملة التغيير والانفتاح التي تشهدها البلاد الان, فالمصادر تؤكد وجود العشرات من اعضاء الجلس الذين يثيرون الكثير من التساؤلات المشروعة حول آفاق هذه الحملة وابعادها وإلى اين ستقود الشعب السوري في نهاية المطاف وما هي الاهداف الموضوعة لها والمتوخاة منها, وهل ان التغيير يجب ان يطال كل شىء, ولم يعد الامر خفيا على احد, أو مجرد حديث الصالونات السياسية في سوريا, بعد ان انتقلت القضية إلى الصحف الخاضعة لاشراف الدولة, فجريدة (تشرين) الرسمية اتهمت في عددها الصادر من الخامس من الشهر الجاري بعض اعضاء مجلس الشعب بتعمد عرقلة وابطاء اصدار القوانين والتشريعات التي تخص عملية الانفتاح الاقتصادي والتحديث ووصل الحد بها إلى درجة تحميل هؤلاء الاعضاء مسئولية تأخير ابراز عمل وطني مشيرة في الوقت نفسه إلى ان هؤلاء ومن منطلق مصالحهم الضيقة والشخصية, يحاولون وقف عجلة التطور والتغيير التي يقودها الاسد, وهذه هي المرة الاولى التي تتناول فيها جريدة رسمية سورية المؤسسة التشريعية (البرلمان) بالنقد الجارح وحتى توجيه اصابع الاتهام إلى عدد من اعضائها وذلك في مؤشر واضح على ان الحكومة السورية باتت قلقة ومنزعجة جدا من عملية العرقلة التي يمارسها مجلس الشعب ازاء خطوات التغيير والانفتاح الجارية الان, وقد اثار مقال صحيفة (تشرين) ردود فعل غاضبة لدى اوساط البرلمان, التي عبرت عن استغرابها ودهشتها لهذه الحملة من جانب الحكومة, مؤكدة ان عملية التغيير والتحديث لا يمكن لها ان تتم بين عشية وضحاها, بل هي بحاجة ماسة إلى الكثير من التأني والمعالجة الموضوعية والهادئة وذلك حتى تحقق الاهداف والغايات المرجوة منها, ان تتحول إلى ويلات على الشعب السوري, وفي معرض رده على الملاحظات التي ابدتها صحيفة (تشرين) الحكومية تساءل احد اعضاء البرلمان بقوله: هل يريدون منا ان نمر مرور الكرام على العشرات من مشاريع القوانين التي تعرض علينا والتي تلامس مصير البلاد ومستقبلها؟ وهل ان المطلوب من مجلس الشعب ان يطلع من باب العلم على هذه المشاريع والقوانين التي تحال اليه من قبل الحكومة تباعا وان تتم المصادقة عليها بصورة تلقائية, ودون ابداء اية ملاحظات أو اراء ووجهات نظر يمكن ان تسد بعض الثغرات الموجودة فيها والتي تحتاج إلى الكثير من الحوار والنقاش حتى تكون شاملة ومحققة لاهداف الشعب ومصالحه العليا؟ وبالفعل فان اعضاء مجلس الشعب السوري يشكون من كثرة مشاريع القوانين المعروضة عليهم من قبل الحكومة والتي يراد المصادقة عليها بسرعة زمنية قياسية, ويؤكد هؤلاء ان مجرد قراءة هذه المشاريع والاطلاع عليها, تحتاج إلى اسابيع, فما بالك اذا ما اخضعت لنقاش والحوار والرأي والرأي الاخر؟ وينفي هؤلاء الاتهامات الموجهة لهم بأنهم يعارضون عملية الاصلاح والتحديث التي تجري الان, ويؤكدون انهم مع حرصهم الشديد على تفعيل هذه العملية, الا انهم يرون ان هناك خطورة كبيرة في جانب العجلة والاستعجال, وانه لابد من تطبيق خطوات التحديث والتغيير بالكثير من الرؤية والمعالجة الموضوعية, وذلك حتى لا تكون هناك نتائج وتفاعلات سلبية, وحتى لا تصبح سوريا (نموذجا) جديدا للتجارب الفاشلة في العالم الثالث, وثمة محاولات تجري الان للتقريب بين هذين التيارين, وبلورة توجه ثالث, يأخذ بعين الاعتبار بعض وجهات نظر وتوجهات كل تيار, من اجل اطلاق اوسع عملية حوار يمكن ان تشهدها سوريا في تاريخها الحديث ولعقود خلت, ومن خلال انشغال وتفاعل الرأي العام المحلي مع تطورات الوضع الاقتصادي والتي تشهد حركة متغيرات سريعة وكثيفة فان بعض الاوساط تطالب اجراء نوع من (الفرملة) الآنية, من اجل مراجعة كل ما جرى حتى الان, ورصد النتائج والآثار والتفاعلات, سواء كانت ايجابية أو سلبية ومن ثم الانطلاق من جديد لاكمال مسيرة التحديث والتطوير, وتؤكد المصادر المطلعة ان هذا ما سيحدث بالفعل, خلال المرحلة المقبلة, لان استمرار وتيرة التغيير والتطوير بهذه السرعة, قد يؤدي إلى حدوث صدمة غير ايجابية لدى الاوساط والمؤسسات والدوائر المعنية مباشرة بهذه العملية, الامر الذي يتطلب افساح المجال امام هذه الاوساط لكي تتمكن من التقاط انفاسها, وهضم خطوات التغيير التي تمت حتى الان وبطريقة تمكنها من استكمال دورها اللاحق.