يحتفل مسلمو ومسيحيو جنوب لبنان بأعيادهم هذا العام بلا احتلال اسرائيلي لارضهم للمرة الاولى منذ اكثر من عقدين لكنهم يقولون ان فرحتهم منقوصة ببقاء العديد من ابنائهم في السجون وبازمة اقتصادية خانقة. ويحل الاسبوع المقبل عيد الميلاد الذي تحتفل به الطوائف المسيحية وعيد الفطر الذي يحتفل به المسلمون وعيد رأس السنة الميلادية. ففي بلدة القليعة التي كانت سابقا اهم معاقل جيش لبنان الجنوبي الموالي لاسرائيل في عمق الشريط الحدودي الذي احتلته الدولة اليهودية في جنوب لبنان على مدى 22 عاما وانسحبت منه في 24 مايو الماضي بدت زينة الاعياد المنتشرة على طول شارعها الرئيسي الخالي من المارة باردة كطقس البلدة في الشتاء القارس بالرغم من حرارة الانوار المنبعثة من مجسمات الصليب والارزة وحمامات السلام. وبدت البلدة ذات الغالبية المسيحية شبه مهجورة بعد ان غادرها اكثر من نصف سكانها الى اسرائيل عقب انسحاب الجيش الاسرائيلي خوفا من هجمات انتقامية ضدهم من قبل حزب الله الذي شكلت هجماته عاملا اساسيا في قرار الانسحاب الاسرائيلي. لكن بالرغم من عدم تجسد تلك المخاوف لم يعد من الراحلين الا القليل. في كنيسة البلدة الرئيسية التي مر عليها هذا العام قرن كامل قالت احدى الراهبات لرويترز وهي تحبس دموعها امام المذبح وهي تقف على مقربة من مجسم لم يكتمل بعد للمغارة التي ولد فيها السيد المسيح (نستقبل الاعياد بالحزن والدموع وفي جو من القهر وعدم الراحة بالرغم من فرحتنا الكبيرة بتحرير منطقتنا من الاحتلال الاسرائيلي). قالت الراهبة التي طلبت عدم الكشف عن اسمها (اننا نعيش شعورين متناقضين في الوقت نفسه فمن جهة هناك فرحة الاحتفال بالاعياد للمرة الاولى منذ قرابة ربع قرن من دون الاحتلال فوق ارضنا ومن جهة اخرى هناك قهرنا وحزننا على مفارقة الاحبة من ابنائنا الذين غادروا الى اسرائيل او بسبب وجود البعض في السجون). ومنذ الانسحاب الاسرائيلي احتجزت السلطات اللبنانية اكثر من 2300 تجري محاكمتهم على دفعات بتهمة التعامل مع دولة عدوة او دخول ارض الكيان دون اذن مسبق فيما يقدر عدد اللبنانيين الذين لا يزالون في اسرائيل بنحو خمسة آلاف. وقدرت الراهبة عدد ابناء البلدة الذين غادروها بنحو 2500 هم نصف عدد قاطنيها فيما قدرت عدد المحتجزين بحوالي 75 شخصا. وقالت جاكلين ابو حمد التي عادت من اسرائيل مع اولادها الاربعة قبل ثلاثة اشهر فيما بقي زوجها هناك تهربا من المحاكمة (لقد وضعنا شجرة الميلاد واضأناها ليس احتفالا بالعيد ولكن ابعادا للفأل السيء عن بيتي فتقاليدنا هي ان الاسرة الفاقدة لعزيز هي التي لا تضيء شجرة عيد ميلاد في منزلها). واضافت جاكلين ان زوجها عمل في سلاح الاشارة في ميليشيا جيش لبنان الجنوبي على مدى 12 عاما (ولم يؤذ نملة في حياته وهو يخاف ان يأتي الى هنا ويتعرض للتعذيب في السجن كما حصل مع اخي وابنه). وفيما اغرورقت عيناها بدموع بقيت محبوسة وتحشرج صوتها بغصة منعتها من متابعة حديثها قالت ابنتها ديالا (اي عيد هذا وابي بعيد عنا. لقد هربنا من المعاملة السيئة والذل الذي عشناه على مدى اشهر في اسرائيل حيث كان اليهود ينادوننا بالقول يا لاجيء فيما كان الفلسطينيون يضعون لافتات على الكنائس تقول (ممنوع دخول الكلاب والعملاء) فاتينا الى بلدنا لنعيش ذل البعد عن الاب والحسرة على الاقارب المسجونين). استعادت الوالدة انفاسها فقالت (هذا جزء من مأساتنا اما الجزء الاخر فهو في الوضع الاقتصادي المزري الذي وصلنا اليه مع غياب المعيل ومصدر العيش في ظل ازمة عامة في البلاد). وفي شرحه لتأثير الازمة الاقتصادية على حركة الشراء في المنطقة قال صاحب متجر لبيع الملابس في البلدة (انظر لقد وضعت عرضا بتقديم بذلة مجانا لكل من يشتري بذلة ولكن حتى الان لم ابع اي شيء). في بلدة كفر كلا ذات الغالبية الشيعية المجاورة لبلدة القليعة لم تختلف اجواء الاحباط السائدة قبل ايام قليلة من الاحتفال بالاعياد. جلس يوسف شيت واخوه ديب بعد حلول الافطار على فراش اسفنجي ينفخان دخان نرجيلتهما قرب موقد متوهج الجمر فيما تحلق اولادهما حولهما يرتشفون الشاي. قال يوسف الذي يعمل بناءا لرويترز (طبعا فرحنا بالتحرير ولكن الان بدأنا نشعر بالتعب من الوضع فهناك اكثر من 500 موقوف لدى الدولة من ابناء البلدة وهناك عدد اخر ينتظر دوره للاستدعاء الى التحقيق لان اوضاع اسرته لا تسمح باعتقال كل من فيها فجرى استدعاؤهم على دفعات). واضاف (الناس في زمن الاحتلال لم تشعر بالضيقة المادية التي نعيشها اليوم ولم نعاني البطالة لكن البحبوحة كان ثمنها حريتنا وكرامتنا الوطنية الا يمكن ان نحصل على هذه الحرية والكرامة من دون الفقر والبطالة). كان المئات من الاسر في كفر كلا كما في غيرها من قرى المنطقة المحتلة تعيش خلال فترة الاحتلال من خلال عمل احد افرادها في اسرائيل او من خلال انخراطه في ميليشيا جيش لبنان الجنوبي او احدى المؤسسات المدنية التابعة لهذه الميليشيا مما كان يؤمن دخلا لا بأس به بالاضافة الى ان معظم المواد الاستهلاكية في المنطقة كانت تأتي اليها مهربة من اسرائيل اي دون رسوم جمركية. وكانت اسرائيل فتحت في نهاية السبعينيات معبرا الى لبنان عبر حدودها الواقعة عند اطراف بلدة كفر كلا اسمته (الجدار الطيب) سمحت من خلاله لعمال لبنانيين بدخول اراضيها من اجل العمل وفي وقت لاحق اصبحت البوابة التي يدخل منها العمال تسمى (بوابة فاطمة) التي باتت بعد الانسحاب معلما وطنيا يرمي عبره الزوار الجنود الاسرائيليين بالحجارة. وقال شيت انه عاد الى البلدة بعد الانسحاب الاسرائيلي لكنه لا يملك بيتا فيها وليس بمقدوره الان ان يبني منزلا او العيش مع اخيه في نفس المنزل فقفل عائدا بعائلته الى ضاحية بيروت الجنوبية حيث يعيش عشرات الالاف من الجنوبيين الشيعة الذين نزحوا من قراهم خلال فترة الاحتلال الاسرائيلي لارضهم ولم يعد منهم الا عدد قليل بعد ان استقرت اوضاعهم المعيشية حيث هم على مدى العقدين المنصرمين وعدم توفر البدائل الضرورية للعودة. لكن احزان اهالي القليعة وكفر كلا بدت ترفا لدى زكي ابو فرحات في مزرعة سردا الواقعة في سهل الخيام حيث يعتاش مع عائلته من تربية المواشي. قال ابو فرحات لرويترز وقد اشتعلت خصل الشعر الخارجة من تحت قبعته الصوفية شيبا وابيضت لحيته غير المشذبة فيما تناثرت الوحول على حذائه بعد ان رعى قطيع ابقاره (العيد مصدر تعاسة وحزن بالنسبة الي فقد نسيت ما تسميه اعياد منذ ثلاث سنوات حين قتل ابني وصهري في وقت واحد بانفجار عبوة ناسفة). واتهم ابو فرحات الجيش الاسرائيلي بقتل ابنه وصهره بالرغم من ان كلاهما كان يعمل في صفوف ميليشيا جيش لبنان. واوضح ابو فرحات قائلا الفقير هو الخاسر دوما فمع اسرائيل (خسرت فلذة كبدي وصهري ومع التحرير خسرت تسعة عجول بسبب اهمالي لقطيعي الناجم عن اهتمامي بما تبقى من العائلة في ظل المداهمات المتكررة للمنزل من قبل مسلحين لا اعرفهم). رويترز