في السابقة الأولى من نوعها عالمياً ، الموساد تشهد إضراباً بعد أسابيع من انشائها في أحد أيام صيف عام 1948 ولم يكن قد مضى على اعلان قيام إسرائيل سوى بضعة أسابيع تلقى دافيد بن جوريون رسالة لم يستطع أن يتجاهل ما قرأه فيها, هذه الرسالة كانت من زوجة الكابتن مائير توبيانسكي أحد العملاء البارزين لجهاز الشاي (جهاز مخابرات منظمة الهاجاناه), الذي تم اعدامه قبلها بعدة أيام لادانته من قبل محكمة عسكرية بتهمة الخيانة وتسريب معلومات للجيش الأردني تسببت في ضرب عدد من وحدات الجيش الاسرائيلي أثناء حرب 1948. كانت الزوجة تؤكد في رسالتها براءة زوجها من اتهام الخيانة وتناشد رئيس الوزراء الاسرائيلي برفع هذا (الظلم الفظيع) عن أسرتها. وقد رد عليها بن جوريون برسالة كتبها بخط يده قال فيها: (إني لا أستطيع أن أقول إذا كان الكابتن مائير مذنبا أم لا, ولكن هناك شيء في هذه القضة ليس على ما يرام, ولا أقره. وسوف يتم اجراء تحقيق رسمي في هذا الموضوع). كما وعدها برعايتها هي وابنتها رسميا. ونفذ بن جوريون بالفعل وعده, وتم اجراء تحقيق في الموضوع لم يستغرق سوى أسابيع قليلة, انتهى بالقاء القبض على عيزرا بيري رئيس جهاز الشاي وأحد الخمسة الكبار وقتها في الجهاز الاستخباري الاسرائيلي الذي تم تشكيله بعد ستة أسابيع فقط من اعلان قيام دولة إسرائيل, بل ربما كان أهمهم, فقد تولى بجانب رئاسة الشاي مسئولية المخابرات العسكرية (آمان) أيضا. وعلى الرغم من ان عيزرا بيري أكد أثناء محاكمته براءته من الاتهام الموجه إليه, وهو السلوك غير السليم, فقد انتهت المحكمة إلى ادانته لان المحاكمة العسكرية التي قام بها لعميل الشاي مائير توبيانسكي كانت غير قانونية. فالمتهم لم يحظ بمحام يدافع عنه, كما لم تصدق أية سلطة عليا على قرار المحكمة العسكرية, ولم يسمح له بتقديم التماس يتظلم فيه من الحكم الذي صدر باعدامه, ولذلك صدر الحكم بسجن رئيس الشاي وآمان عيزرا بيري من شروق الشمس إلى غروبها. ومع ان الرئيس الاسرائيلي حاييم وايزمان عفا عن عيزرا الا انه اعتزل الحياة العامة ليتجنب نظرات المهانة التي أحاطته لاعدامه جاسوسا من جواسيسه, وفقد منصبه في رئاسة (الشاي) و(آمان), ومات بعدها بعشر سنوات. وإدانة عيزرا بيري لم ترد الاعتبار لعميل الشاي مائير توبيانسكي, أو تريح نفسيا زوجته وابنته فقط, ولكنها كانت لها أهمية خاصة بالنسبة لرئاسة جهاز الموساد الذي تشكل بعدها بقرابة عامين. فإن سقوط عيزرا بيري مهد الطريق لظهور رجل آخر هو عيزرا هاريل, أو (عيزرا الصغير) كما كانوا يلقبونه نظرا لقصر قامته وأيضا تمييزا له عن عيزرا بيري فكلاهما كانا يعملان في مجال واحد هو المخابرات وقد أخذ عيزرا هاريل في الصعود سريعا. وعلى الرغم من انه لم يظفر برئاسة جهاز الموساد عندما تم الاعلان عن انشائه في أول مارس 1951, إلا انه تمكن في أقل من عام أن يجبر رئيس الموساد على الاستقالة من منصبه وبعدها بخمسة أشهر تمكن أن يجلس في مقعده ليصير ثاني رئيس للموساد. وظل في هذا المقعد عشر سنوات كاملة حاز فيها شهرة واسعة وهيمن خلالها على كل أجهزة المخابرات الأخرى الاسرائيلية.. (آمان) و(الشاباك).. (وشعبة وزارة الخارجية). أول اضراب من نوعه أما أول رئيس للموساد فهو روبين شيلواح. وقد اختاره بن جوريون لهذا الموقع بعد أن قدم له دراسة خاصة عن ضرورة تنظيم عمل أجهزة المخابرات في إسرائيل في ضوء تقنيات جهاز (سي. اي. ايه) الأمريكي وهي الدراسة التي كانت سببا لانشاء جهاز مخابرات اسرائيلي خاص سمي بالموساد. فقد كان روبين شيلواح يعمل وقتها وزيرا مفوضا في سفارة اسرائيل في واشنطن, وكان مكلفا وقتها باجراء اتصالات مع المخابرات الأمريكية والتنسيق معها ودراسة الاستفادة من خبرتها. وروبين شيلواح لم يكن غريبا عن العمل المخابراتي. فهو مؤسس ورئيس جهاز (شيروت إسرائيل) أو (في خدمة إسرائيل), وهو الجهاز الذي أنشئ عام 1937 لتنسيق أنشطة المخابرات الصهيونية, ولديه خبرة واسعة في العمل المخابراتي من خلال عمله في (انتيلجينتس سرفيس) البريطانية. وقبل أن يتم تعيينه وزيرا مفوضا في سفارة إسرائيل في واشنطن كان يتولى عام 1949 هو وليفي إبراهام ويعقوب شمعوني رئاسة القسم السياسي بوزارة الخارجية الذي كان يتولى وقتها التنسيق مع أجهزة المخابرات العالمية. ثم تولى الإشراف بمفرده على عمل الشعبة بفرعيها الداخلي والخارجي فيما بعد. وهو كان مقربا من رئيس الوزراء الاسرائيلي بن جوريون. فقد كان عضوا بارزا في منظمة الهاجاناه, وعرف العرب عن قرب, وأجاد اللغة العربية والعادات العربية لانه من مواليد يافا عام 1903. وأرسلته المنظمة إلى بغداد ليعمل ثلاث سنوات مدرسا ثم صحافيا في (نشرة فلسطين) التي كانت تصدر بالانجليزية. ثم عاد إلى القدس ليعين كضابط اتصال مع البريطانيين في عام 1936, واختاره بن جوريون في 1948 ليتولى رئاسة لجنة شئون الهدنة. وقبلها عينه عضوا في اللجنة الخاصة المكلفة برصد وجمع الممتلكات العربية في المدن والقرى الفلسطينية التي تركها ورحل منها الفلسطينيون بسبب المجازر التي قام بها ضدهم أفراد العصابات الصهيونية. وقد واجه شيلواح فور توليه مسئولية رئاسة الموساد أول عصيان أو اضراب من نوعه في جهاز مخابرات, حينما قدم بوريس جورييل استقالته احتجاجا على الغاء الشعبة السياسية بوزارة الخارجية لتحل محلها الموساد الوليدة. وانشاء شعبة أخرى بديلة وتبع جورييل في الاستقالة ضباط الشعبة. ولم يقتصر الأمر على ذلك فقط بل قام ناتان, بعد اقالته من منصبه الجديد كرئيس للعمليات الخارجية للموساد, ومعه أعوانه بحرق ملفات العملاء في مصر, وامتنعوا عن تسليم ما لديهم عن عمليات المخابرات والتجسس التي كانت قائمة للموساد. ومع ذلك استمر شيلواح يتولى رئاسة جهاز الموساد الوليد أكثر من عام, عندما أجبره عيزرا هاريل في 18 سبتمبر عام 1952 على تقديم استقالته, وذلك بعد أن شن عيزرا هاريل الذي كان يتولى رئاسة الشاباك ويطمع في رئاسة الموساد, حملة واسعة ضد شيلواح استغل فيها أول فشل لحق بالموساد بعد تسعة أشهر فقط من انشائه عندما سقطت عام 1952 في أيدي السلطات العراقية شبكة تجسس يهودية كانت تابعة للقسم السياسي في وزارة الخارجية ثم تولى جهاز الموساد مسئوليتها بعد انشائه وكانت الشبكة تسعى لاختراق التشكيلات العليا للقوات العسكرية العراقية, ودفع يهود العراق للهجرة إلى اسرائيل بعد القيام بعمليات ارهابية ضدهم. وفقدت الموساد أول اثنين من عملائها صدر حكم من محكمة عراقية باعدامهما, بالاضافة إلى سجن 17 يهوديا عراقيا مدى الحياة. غير ان الضربة الأخرى التي وجهها عيزرا هاريل لشيلواح كانت أقوى وأكثر تأثيرا. فقد جمع معلومات تثبت ان أحد عملاء الموساد (تيودور جروس) الذي انتقل للعمل إلى الموساد من الشعبة السياسية لوزارة الخارجية أيضا, صار جاسوسا مزدوجا وانه يتجسس لصالح مصر أيضا. وسافر عيزرا هاريل إلى روما حيث يوجد جروس وأقنعه بالعودة إلى اسرائيل على وعد بأن يتولى منصبا رفيعا في الشاباك. وعندما عاد ألقى القبض عليه وقدمه للمحاكمة (السرية) وأدين وحكم عليه بالسجن خمسة عشر عاما. ازاء ذلك لم يجد روبين شيلواح أمامه سبيلا سوى الاستقالة من رئاسة الموساد. وبعدها بسبع سنوات لقى شيلواح مصرعه في حادث سيارة! عيزرا الصغير يسيطر وكانت استقالة شيلواح هي الفرصة التي جاءت لعيزرا هاريل (الصغير) ليقفز إلى مقعد رئيس الموساد, ليعوضه ذلك عن الفرصة التي أفلتت منه قبلها بأربع سنوات تقريبا عندما أدين عيزرا بيري وأطيح به من منصب رئيس جهاز الشاي لكن بن جوريون, الذي كانت تربطه به علاقة وثيقة, لم يعينه مكان بيري كما كان يتوقع هاريل, وإنما ذهب المنصب إلى ضابط آخر يدعى حاييم هيرتزوج البولندي الأصل. أما عيزرا الصغير فقد أسندت إليه رئاسة الفرع الثاني من فروع مؤسسات المخابرات والأمن وهو (الشاباك) المسئول عن الأمن الداخلي. ولم يمض وقت طويل منذ أن اعتلى عيزرا هاريل منصب رئيس الموساد خلفا لسلفه شيلواح حتى تمكن من أن يصبح رئيسا للجنة أجهزة الأمن المسئولة عن الإشراف على جميع أنشطة فروع أجهزة الأمن والمخابرات في اسرائيل, بل لقد صار هو الرئيس الأعلى لكل أجهزة المخابرات في اسرائيل, بما فيها جهاز المخابرات العسكرية. وظل قابضا بمفرده على ناصية المواد وبقية أجهزة الأمن والمخبرات عقدان من الزمان, اكتسب خلالها الموساد شهرة واسعة, خاصة بعد أن نجح في اختطاف النازي ايخمان واعادته إلى اسرائيل لمحاكمته. وخلال هذه السنوات العشر أيضا لمع نجم عيزرا الصغير داخل اسرائيل حتى صار هو الرجل الثاني القوي بعد بن جوريون الذي منحه كل ثقة, وحاز على شهرة كبيرة بين أقرانه من رؤساء أجهزة المخابرات الغربية خاصة بعد أن تمكن من الحصول على خطاب الرئيس خرشوف الذي ألقاه أمام مؤتمر الحزب الشيوعي في فبراير عام 1956, وقايض عليه المخابرات الأمريكية مقابل نسخ من تقاريرها عن الشرق الأوسط. ولانه كان مولعا بالعمل السري قال بعض الاسرائيليين عن عيزرا هاريل انه ولد ليكون جاسوسا. ربما لانهم كانوا يتذكرون نجاحه في تهريب مسدس وبضع طلقات عند دخوله فلسطين عام 1930, وهو مازال صبيا لم يتجاوز من العمر السابعة عشر عاما, ولا يتجاوز طوله مترا ونصف المتر بالكاد (155سم), وذلك على الرغم من الاجراءات الجمركية والأمنية الصارمة للسلطات البريطانية. جاء عيزرا إلى فلسطين قادما من ليتوانيا في الاتحاد السوفييتي السابق, ليلحق بعائلته التي سبقته في الهجرة إلى فلسطين. والتحق بالعمل في إحدى الكيبوتزات القريبة من تل أبيب. وسرعان ما تعلم العبرية, والعربية أيضا لاتصاله بالعرب خلال عمله. غير انه ظل محافظا على لغته الروسية. وفي هذه المستعمرة تعرف على فتاة بولندية الأصل تدعى زبيكا. وعلى الرغم من ان شخصيتها كانت تتسم بالمرح والحيوية, على عكس عيزرا الصارم المتجهم, إلا انهما قررا الزواج. وقبل أن ينتقلا من المستعمرة عام 1943 إلى تل أبيب كان عيزرا قد انضم إلى منظمة الهجاناه. وفي غضون أشهر قليلة بعد انضمامه لها انتقل للعمل في إحدى وحدات (الشاي) (جهاز مخابرات الهاجاناه) وبعد أن انتهت الحرب العالمية الثانية كان عيزرا قد تولى مسئولية قيادة (الشاي) في منظمة تل أبيب. وخلال عمله استطاع أن يكسب ثقة بن جوريون لانه كان شديد الاخلاص له ولانه كان غارقا في السرية وكان يؤدي عمله خلال الاحتلال الانجليزي لفلسطين باتقان شديد, حتى انه أقام في شقته بتل أبيب حائطا وهميا له مدخل سري يقوده إلى خزانة احتفظ فيها بأرشيف خاص يضم معلومات أمنية شديدة السرية. وعلى الرغم من قيام القوات البريطانية بتفتيش شقته عدة مرات إلا انها لم تكتشف مكان هذا الأرشيف. وظل يحتفظ به حتى قامت إسرائيل واعتلى عرش الموساد. وقيل عنه انه لم يكن يتلقى الأوامر إلا من اثنين فقط, رئيس الوزراء بن جوريون وزوجته ربيكا, ولكنها مع ذلك لم تكن تعرف شيئا عن تفاصيل وأسرار عمله. فقد كان متحفظا كتوما معها خاصة بما يتعلق بعمله, وهي من جانبها لم تجرؤ على سؤاله عن أية عملية كان يبدو منشغلا بها, بل حتى بن جوريون نفسه كان أحيانا لا يعلن أين يوجد رئيس جهاز مخابراته الكتوم. أما جيرانه فقد ظلوا لفترة طويلة لا يعلمون عن أمره شيئا سوى انه ضابط برتبة عقيد يبدو منشغلا دائما, وان كان انشغاله لا يمنعه من التسوق وشراء احتياجات منزله. وإذا كان عيزرا الصغير يتلقى الأوامر من زوجته ربيكا, فإنه على العكس مع مرؤسيه وعملائه, كان شديد الصرامة والقسوة والعنف معهم, ولا يعرف التباسط أو المزاح معهم, ولذلك كانوا يهابونه ويخشوه حتى ان بعضهم قال عنه ان (له عينان زرقاوان تنفذان إلى أعماق من ينظر إليه مثل الخنجر الحاد, وكلما أطال النظر إلى أحد بدا وكأنه يتوعد). وقال عنه آخرون انه: (عندما ينظر عيزرا إلى شخص فإنه يشعر بأنه قد دخل السجن فعلا). وعلى الرغم من قسوة عيزرا مع مرؤسيه وعملائه الا انه حرص في الوقت نفسه على مساندتهم إذا ما وقع أحدهم في مأزق. وكان دائما يبذل جهودا مستميتة من أجل الافراج عمن يقع في أيدي سلطات أمن دول أجنبية, ولا يبخل عن دفع أي ثمن في سبيل ذلك. وطوال فترة اعتلائه عرش الموساد لم يكتف عيزرا بادارة عمله من خلف مكتبه فقط, يصدر الأوامر والتعليمات, أو حتى يخطط لعمليات التجسس والقتل والخطف والتخريب والتفجير التي نشط عملاء الموساد في تنفيذها, وإنما كثيرا ما كان يشارك بنفسه في هذه العمليات أيضا. بل انه قضى نحو 33 يوما في الأرجنتين متنكرا ليقود بنفسه طاقم تنفيذ العملية التي أكسبته شهرة واسعة داخل اسرائيل, وهي عملية خطف ايخمان, فقد كان عيزرا يجد متعة في ممارسة ذلك. الا انه اضطر لحرمان نفسه من هذه المتعة بعد عشر سنوات وأربعة أشهر من توليه مسئولية الموساد, حينما قدم لبن جوريون استقالته ليهجر قيادة الموساد في مارس عام 1963. وجاء ذلك في أعقاب الخلاف الذي نشب بينه وبين صديقه القديم ورئيسه بن جوريون.