الملف السياسي : في عددها 2575 للأسبوع الثاني من شهر نوفمبر 2000م وفي صفحات البريد قالت مجلة (الإكسبريس) Lexpress الفرنسية أن دول الشرق الأوسط هي (الأبناء المدللون) للدبلوماسية العالمية, كون حالة التأزم التي تشهدها المنطقة استطاعت استقطاب مساعي الدول الكبرى وبدون استثناء, وذكرت المجلة وهي تتحدث عن التعايش العربي الإسرائيلي ذكرت المثال (الفرنسي الألماني) الذي وصل إلى التعايش بعد حرب مدمرة, لذلك فقد تكون الحرب هي بداية السلام بين إسرائيل والعرب.. وفي الأخير تطرقت المجلة إلى (رهبة الاستقلال), عبر مثال الجنرال شارل ديجول الذي اقتنع في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات بحق الشعب الجزائري في تقرير مصيره.. وختمت المجلة مقالها بالقول: (أمنيتنا أن يظهر شارل ديجول إسرائيلي وفي أقرب وقت لتعود إلى الفلسطينيين حقوقهم).. والمتأمل في المواقف الأوروبية تجاه القضايا العربية, ثم بصفة خاصة تجاه الانتفاضة الأخيرة, لا يجد الفرق كبيراً بين ما تقوله (الإكسبريس) وما يقوله أصحاب القرار الأوروبيون بداية (بالإليزيه) وانتهاء (بباكنجهام).. إذ أن الموقف الأوروبي ما فتئ يراوح في نقطة الصمت إزاء ما يحدث رغم حدته وخطره. الموقف الأوروبي.. الواقع المنطقي تنطلق الدول في تحديد مواقعها, ومواقفها في القضايا العالمية الحساسة من منطلقات دقيقة ومدروسة, تحكمها المصلحة والواقع, لذلك قال تشرتشل: (ليس بين الدول صداقات, هناك فقط مصالح), لذلك يكون الحديث عن موقف تمليه القناعة أو الحق أو العاطفة (حديثاً عن اللاسياسة إذ السياسة لا تبنى على الحق ولا العواطف ومحمد الدرة مثلا لا يمثل عبر اطلالته الرهيبة منطلقا لموقف سياسي أوروبي جاد بقدر ما يمثل لحظة تعاطف شعبية أوروبية إنسانية غير مسيسة. فما هو المنتظر أن تفعله فرنسا أو ألمانيا مثلاً تجاه ما يحدث في فلسطين, غير أن المصلحة ليست هي العنصر الوحيد الذي يعدد المواقف بل إن هناك عنصراً آخر لا يقل خطراً وهو: (الواقع). لقد كان الاتحاد السوفييتي طوال عقود الحرب الباردة يبني مواقفه مع وازاء الدول الأخرى من منطق التدافع الذي يعيشه ضد الولايات المتحدة الأمريكية, وهو منطق محكوم بالمصلحة وبشيء آخر هو واقع الأرقام والقوة, وهو أمر لا تملكه أوروبا اليوم, لذلك يظهر الضعف الأوروبي حتى فيما يتعلق بالمصلحة الأوروبية ذاتها, وقد ظهر ذلك جلياً في مشروع القوة الدفاعية الاوروبية المشتركة وهو المشروع الذي بقيت أوروبا لمدة طويلة تنظر إلى وجه أمريكا حين ذكره أو الاشارة اليه.. والواقع الحالي إزاء الانتفاضة لا يحكمه عنصر واحد, بل عناصر عدة أهمها: الواقع العربي (أن تكون ملكياً أكثر من الملك).. هذه القاعدة هي أساس مساندة الآخر في قضاياه, لذلك فالموقف الأوروبي مثلاً, لن يكون في قضية الانتفاضة, ومساندة الشعب الفلسطيني, أقوى من الموقف العربي لذلك يجب أن نفهم أن الموقف العربي يعد المؤشر الحقيقي والأساسي لما يمكن أن يكون هناك من مواقف غربية لأن الزمن ليس زمن أيديولوجيا, الزمن الآن زمن حسابات دقيقة, وكلما ازداد الموقف العربي ثباتا وقوة فعلاً لا قولاً, كلما استطاع أن يبلور من حوله مواقف عالمية مساندة وقوية وبعكس ذلك فكلما كان الموقف العربي إزاء الانتفاضة ضعيفا ومستهلكاً بقدر ما تقاعس الآخرون تجاهه. إن تحريك ورقة المقاطعة الاقتصادية الفعلية, ومنها قضية النفط مثلما حدث في حرب رمضان, من شأنه أن يخلق مواقف جادة يحركها الخوف على المصلحة في عالم يمثل فيه العرب مصدراً نفطياً هاماً, وسوقاً استهلاكية كبرى. إن الحديث عن الصمت الأوروبي لا يجب أن يناقش بعيداً عن ظل الصمت العربي, ذلك لأن السياسة تحتكم إلى لغة الإشارات التي ترسلها الجهات القوية أو الجهات المعنية وهي لغة لاتتجاوز اطار اللعبة العالمية في ظل موازين القوى والضغط عالميا اي خارجياً وداخلياً.. لقد كانت القمة العربية وبعدها قمة قطر النواة الرسمية التي ستتبلور حولها المواقف الأخرى. لقد كشفت قمة مدريد المعقدة في الفترة (8 ـ 9) يوليو 1997م عن توجه أوروبي استراتيجي وهام نحو ما يسمى بدول جنوب البحر المتوسط, وكذا الشرق الأوسط باعتبار آلية الأمن والاقتصاد يحكمها بالدرجة الأولى الصراع العربي ـ الإسرائيلي, غير أن هذه القمة وإن كانت قد تصدت للعلاقات الأوروبية المتوسطية إلاّ أنها اصطدمت بالواقع الأمريكي المهيمن في إطار ما يسمى بالنظام العالمي الجديد, وهو ما يجعل مواقف أوروبا نحو العرب خاصة فيما تعلق منها بإسرائيل ومن ثم أمريكا مواقف باهتة متراوحة بين الصمت والصوت الخافت أو الإنكار المحتشم وهو الأمر الذي دعا أصواتاً عربية كثيرة ترتفع مطالبة أوروبا باتخاذ موقف قوي تجاه ما يحدث في فلسطين وقد تسعى اوروبا إلى امتصاص هزات الواقع بالتحرك عبر جمعيات ومنظمات ومؤسسات المجتمع المدني الأوروبي جمعيات ومنظمات حقوق الإنسان مثلا وشجب التعنت والصلف الإسرائيلي. فهل تملك الدول الأوروبية اليوم من المحفزات عربياً ما يجعلها تقف ضد إسرائيل وأمريكا؟.. أم أن الواقع العربي سيجعل الشعار الوحيد الذي يرفعه الأوروبيون هو (لن نكون أكثر ملكية من الملك)؟.