الملف السياسي: في يناير عام 1998 اجرت المفوضية الاوروبية لاول مرة في تاريخها تقييما مفصلا لسياسات الاتحاد الاوروبي في الشرق الاوسط. وجاءت نتيجته غير مرضية. فتقرير المفوضية الذي اقره جميع اعضائها العشرين ووزع على عواصم الاتحاد الخمس عشرة, توصل الى خلاصة مفادها ان الاتحاد الاوروبي ليس سوى شريك ثانوي في عملية السلام ولا صوت له امام الهيمنة الامريكية المسيطرة على زمام المفاوضات وان دوره الهامشي هذا لا يتناسب مع حجم الدعم المالي الذي يقدمه لطرفي النزاع لا سيما للجانب الفلسطيني. ولذا اوصى التقرير بضرورة تولي الاتحاد مسئوليات اكبر في المسار السلمي وترجمة ورقته المالية الى ثقل سياسي مواز. لهجة التقرير كانت قوية. خاصة وأنه ألقى بعد ذلك باللوم على اسرائيل ورئيس حكومتها آنذاك نتانياهو في خنق الاقتصاد الفلسطيني وتدميره بالرغم من الاستثمارات التنموية الاوروبية في الاراضي المحتلة التي بلغت في الفترة بين عامي 1993 ــ 1997 نحو مليار ومئتي مليون دولار. لكن المفوضية الاوروبية لم تجد بدا من ان تخفف من وقع هذه النبرة بالتأكيد على عدم امكانية مواصلة عملية السلام دون قيادة الولايات المتحدة. والتشديد على ان مطلبها لا يزيد على المشاركة بموقف اوروبي داعم لواشنطن في المفاوضات بين الجانبين الاسرائيلي والفلسطيني لم يحد تقييم المفوضية عن الصواب. فقد عبر تعبيرا صادقا عن واقع الدور الاوروبي في الشرق الاوسط: دور متردد يلقي بالكثير من البيانات. ويغيب في ظلال الولايات المتحدة ويقدم الكثير من الدعم المالي. صفة التردد التي تضم هذا الدور تنبع من تكوين الاتحاد الاوروبي نفسه ومصالح دوله المتضاربة بل ومواقفها المختلفة تجاه ازمة الشرق الاوسط, ففرنسا على سبيل المثال لم تخف رغبتها مرارا وتكرارا في تفعيل الدور الاوروبي ومواجهة السيطرة الامريكية المطلقة كند كفء له ثقله: على حين تقف المانيا في المقابل حذرة, خشية من ماضيها على ما يبدو, مكتفية بضخ الدولارات لاطراف النزاع والصمت عما يدور ويدار: بينما تشد بريطانيا على اذيال الولايات المتحدة مؤيدة في معظم الاوقات, رغم صراع الكواليس الخلفية بين توني بلير المعروف بميله الشديد لاسرائيل ووزير خارجيته روبين كوك الداعي الى تبنى بريطانيا لسياسة خارجية قائمة على مفاهيم اخلاقية. وبطبيعة الحال. فإن حصيلة هذه التناقضات بين الدول الاوروبية هو التذبذب, فلا يكاد الاتحاد يقدم على خطوة في اتجاه حتى يتراجع في الاتجاه المضاد. وفي مقابل خاصية التردد تلك. فإن الاتحاد الاوروبي والمجموعة الاوروبية من قبله, دأب على اصدار الكثير من البيانات والاعلانات ساعيا الى تحديد موقفه من النزاع العربي الاسرائيلي. لكنه ظل يدور في دائرة الكلمات دون افعال ومواقف حازمة تدعمه. فكأنه بذلك يبدو شبيها بالجامعة العربية وبياناتها بشأن القضية الفلسطينية ويكفي للدلالة على ذلك إلقاء نظرة سريعة على تاريخ العلاقات الاوروبية العربية. فقد اظهرت دراسة صدرت عن مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية للباحث عبدالفتاح الرشدان (العرب والجماعة الاوروبية في عالم متغير) انه اذا كانت العلاقات العربية الاوروبية. مع استثناء فرنسا الديجولية تميزت في الفترة بين منتصف القرن العشرين وحرب 1967 بالعداء والتوتر نتيجة للدور الاوروبي الاستعماري في المنطقة العربية وعدوانها الثلاثي على مصر. فإن حرب 1973 مثلت نقطة تحول جوهرية في العلاقات بين الجانبين لبروز عامل النفط كعنصر حيوي تسعى اوروبا للحصول عليه بأسعار معقولة وبكميات متواصلة. ومنذ ذلك الحين بدأت المجموعة الاوروبية في اصدار بيانات متعددة عبرت فيها عن موقف متفهم الى حد كبير للقضية الفلسطينية. ويبدو هذا التغير واضحا عند مقارنة ما ورد في اول وثيقة تصدر عن الجماعة الاوروبية تجاه النزاع العربي الاسرائيلي ــ وثيقة شومان لعام 1970 ــ بالوثائق وبالبيانات التي صدرت بعد عام 1973 فإذا كانت وثيقة شومان قد دعت الى ضرورة تعديل حدود ما قبل يونيو 1967 لحماية الامن الاسرائيلي فإن بيان الجماعة في الثالث عشر من اكتوبر 1973 اتخذ موقفا جماعيا مستقلا عن الموقف الامريكي ايد فيه للمرة الاولى حقوق الشعب الفلسطيني وشدد على اهمية احترام قرارات الامم المتحدة بشأن النزاع العربي الاسرائيلي لاسيما القرار رقم 242. وتتالت بعد ذلك بيانات الجماعة الاوروبية المؤيدة للحقوق الفلسطينية والرافضة لمبدأ اكتساب الارض بالقوة والمطالبة بانسحاب اسرائيل من الاراضي التي احتلتها عام 1967 والداعية الى حق كل دول المنطقة في العيش بسلام ضمن حدود معترف بها. لا بل ان موقف الجماعة الاوروبية ظل مستقلا الى حد بعيد عن سياسة واشنطن بالرغم من انكسار الموقف العربي بسبب توقيع مصر على اتفاقية كامب ديفيد تجلى ذلك بقوة في اعلان البندقية لعام 1980 الذي دعا للمرة الاولى الى قيام وطن للشعب الفلسطيني واشتراك ممثلين عن فلسطين في مفاوضات السلام: وبيان بروكسل لعام 1987 الذي أيد عقد مؤتمر دولي للسلام باشراف وتنظيم الامم المتحدة وتحسين الاوضاع المعيشية لسكان الاراضي العربية المحتلة. رغم كل ذلك يتوجب على العقل العربي توخي الحذر من تأويل هذه البيانات بأكثر مما تستحق, اذ من الملاحظ ان مواقف الجماعة الاوروبية وإن بدت مؤيدة للمطالب العربية. لم تسع ابدا الى تجاوز الدور الامريكي في المنطقة. فقد اعتبرته دائما دورا رئيسيا لا مجال لتجاوزه. والاهم انها لم تدعو الى فرض عقوبات او تضييق الخناق على اسرائيل للقبول بتسوية سلمية مشروعة كما تطالب: بل على العكس. استمرت دول المجموعة الاوروبية في تعاملها التجاري والاقتصادي مع اسرائيل وبصورة دعمت اقتصاد الدولة العبرية لا بل وساهمت في ازدهاره. وفي هذين العاملين ما يشير الى ان موقف المجموعة الاوروبية انما انبعث من رغبة في ارضاء الطرف العربي بصورة او بأخرى دون تعريض مصالحها الحيوية مع الولايات المتحدة واسرائيل للخطر. ولعل الملفت ان واشنطن رغم ادراكها لخطوط الموقف الاوروبي الحمراء ظلت تثير الزوابع في كل مرة تصدر الجماعة بيانا من بياناتها ونجحت في تحجيم الدور الاوروبي في المنطقة مؤكدة ان الولايات المتحدة هي وحدها القادرة على ايجاد حل للصراع كونها الطرف الوحيد القادر على التعامل مع الجانبين الاسرائيلي والعربي. وما دام الطرف العربي قد ابتلع هذه المقولة لقمة سائغة خاصة بعد حرب الخليج الثانية. لم يجد الطرف الاوروبي بدا من ان يقبل بالدور الذي حددته له الولايات المتحدة منذ مؤتمر مدريد للسلام 1991. دور الممول لمسار السلام الذي تأصل بعد عقد مؤتمر لشبونه للشراكة المتوسطية عام 1995. ودور فني اساسي يتعلق بإدارة المباحثات متعددة الاطراف المتصلة باللاجئين والبيئة والمياه ونزع اسلحة الدمار الشامل. بقي ان نشير الى ان طبيعة الدور الاوروبي في عملية السلام كان يمكن ان تأخذ طابعا مغايرا تجعله طرفا رئيسيا مهما مواز للولايات المتحدة وتحيزها الساطع لاسرائيل. لو ان الدول العربية تمكنت من التنسيق بين مواقفها واستثمار ورقتها الاقتصادية بصورة عقلانية مخطط لها. ولهذا حديث آخر.