الملف السياسي : وضعت الانتفاضة الفلسطينية وتصاعد العنف الاسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني السياسة الاوروبية في الشرق الاوسط امام لحظة من الارباك والتململ ان لم نقل اصابتها بنوع من الضيق, الطبيعة المفاجئة للحدث بتفاعلاته الاقليمية والدولية وضعت استراتيجية الدبلوماسية الاوروبية في مفترق طرق تكشفت عن مفارقات ومتغيرات في لعبة المصالح الدولية والنفوذ العالمي للدول الكبرى في هذه المنطقة التي دخلت عمليا مرحلة تاريخية شديدة الدقة والاهمية بالنسبة لمستقبل التوازن والشراكة في حل جوانب الصراع وتأسيس قواعد تعايش بين اطراف الصراع الطويل والمرير وبالغ التعقيد وكشف لأوروبا حقيقة افتقارها الى خطة قادرة على مواكبة الصراع وتطوره وتعبر عن تطلع اوروبا بدور منسق ودائم يعكس قوتها الاقتصادية ونفوذها ومصالحها كمكون اساسي لتحركها في المنطقة. تدرك اوروبا حقيقة التباين بين قدراتها ومواردها التي تستطيع استخدامها وبين نوع النفوذ والمركز الذي تحتله في قضايا وسياسات الشرق الاوسط. فالتنافس بينها وامريكا حالة دائمة حول طائفة واسعة من القضايا ومنها الصراع العربي الاسرائيلي إلا انه تنافس تهيمن عليه منهجية الاندفاع المتعقل في هذه المرحلة التي تمد المتغيرات الدولية المحتملة بعناصر ضرورية تؤهل العالم للدخول نحو حقبة التبلور لقسمات واعضاء النادي الدولي لسد فراغ التوازن الدولي الناتج عن انهيار المعسكر الاشتراكي وهذا الامل يلاحق اهداف السياسة الخارجية الاوروبية والى ان يحين ذلك الوقت فإن اوروبا تتجنب اتخاذ قرار المواجهة الفاصلة مع امريكا في الشرق الاوسط مثل هذا التوجه لا يندرج ضمن اولويات التنافس لاحتلال مركز قوي وذلك لاعتبارات وجيهة ومنطقية تحكم تفكير راسمي السياسة الاوروبية الدولية وتفرضها معطيات واقعية داخلية نجملها في الابعاد التالية: * فكرة بناء البيت الاوروبي الواحد الجذابة بدأت تكشف عن جوانبها المرهقة والجهد الكبير المطلوب بذله قبل ان تتبلور في صورة سياسة دولية فاعلة ويبرز هنا اثر الانقسامات الداخلية والتنافس بين قطبي اوروبا, فرنسا ــ ألمانيا حول النفوذ والاختلاف حول التضحيات المطلوب تقديمها لصالح اوروبا موحدة وهذا يمنع التحرك الاوروبي من امتلاك الوضوح والجرأة والاستمرارية في لعب دور اوروبي واحد ومتناسق وقابل للتطور, وهذا البعد يجعل اوروبا على المسرح الدولي تبدو كقوة مؤرقة بهمومها وتطلعاتها الداخلية ومشغولة بالبناء الاقتصادي والبناء المؤسسي مخلفة فراغا في المواجهات اليومية للتحرك الدبلوماسي الذي يبدو مشدودا بقوة الى جذور تقليدية حكمت السياسة الاوروبية مجملا بنزعة التمييز الذي يستمد حوافزه من فكرة اوروبا واحدة خالقة نوعا من الغموض والتعقيد في تفسير السلوك الاوروبي النازع الى التحرر ولكنه غير قادر على الانتفاع من المساحات والهوامش المتاحة بسياسات جريئة. صعوبات البناء للذات الاوروبية وعدم اكتمال هذا البناء انعكس على الاداء الاوروبي في كل مناطق الاحداث العالمية بآثار سلبية ناتجة عن منهجية الجمع بين الخيارات المتناقضة في التعامل مع امريكا فهي في جانب تحافظ على علاقات التابع او الممول للقرارات والعمليات الامريكية وفي جانب اخر تندفع الى مواقف هجومية تتخذ صور التحدي الوجل الا ان ميزة هاتين السياستين تكمن في نقطة تحقيق هدف واحد في جانبي الحدود سواء بسواء وعلى الرغم من ان هذه السياسة (المزدوجة) لم تصمم لخارطة الصراع الشرق اوسطي لكنها حققت قدرا من الشراكة الاوروبية كما مكنت هدف السعي الى التمييز والتحرر من التبعية الامريكية ان يكون جزءا من تاريخ اوروبا الذي تجري صياغته اليوم. * ان العلاقة (المحتدمة بتكتم) بين اقطاب العالم ما بعد مرحلة انهيار الكتلة الاشتراكية تجد في الصراع العربي الاسرائيلي مساحة مريحة للتنفيس عن تمايز واختلاف يمتد الى عناصر الصراع الدولي المختلفة التي تحدد مستقبل الاعضاء المرشحين لتبوؤ مركز القطب في مواجهة الولايات المتحدة أو معها. ولا شك بأن عوامل تشكيل الاقطاب الدولية لا يمكن قياسها من خلال فعالية الدور ازاء قضية الشرق الاوسط الا انها دون شك واحدة من العوامل الاكثر كلفة فالتورط والانغماس فيه ليس فقط بسبب التعقيد الذي يطبع هذا الصراع وحساسية منطقة الشرق الاوسط كنتيجة مستهدفة من قبل الاقوياء القادمين الى التاريخ ولكن في الحذر الذي يرقى الى مستوى الشك في جدوى دفع كلفة باهظة قد تضعف امريكا ولكنها ايضا ستضعف اوروبا وتحول دون تحقيق هدف البقاء في رصيف اقوياء المستقبل فالانتظار حتى يتشكل المسرح الدولي الجذر الحاكم لرغبة عدم استخدام اوروبا لقوتها وطاقاتها الكامنة في هذا الصراع الذي سيظل يمتلك بالنسبة لها مقدرة جذب واقناع للبحث عن دور فيه كما انها تدرك انها غير قادرة على خوض مواجهة التأثير الجوهري على طبيعة الدور الامريكي دون مجازفة. لذلك تطيع الدبلوماسية الاوروبية حكمة الحفاظ على عوامل التنافس ومساحات الشراكة (المحدودة) كونها تتوافق مع طاقاتها الراهنة وتخدم استراتيجيتها المستقبلية. الموقف الاوروبي المحكوم باستراتيجية التوازن الدولي قد وضع فكرة اعتماد اوروبا الامني والتبعية الدولية لامريكا ضمن التاريخ. فالخطوات الاوروبية نحو ايجاد امنها وسياساتها بعيدا عن الوصاية الامريكية حقيقة على الرغم من طابعها المتردد ونتائجها الضئيلة وسياقها الانتقائي المتناقض. منذ مؤتمر مدريد ثم اوسلو وحجم الالتزامات الاوروبية تجاه السلطة الفلسطينية والتعاطي الممنهج مع فكرة الدولة الفلسطينية والاستعداد للاعتراف بها خطوات تشير الى حالة الفصل والانفصال عن الاعتبارات الامريكية وتعكس الحاجات الاوروبية للتقدم الى العالم كقوة تكرس بعد (نحن وهم) كمبدأ يتبلور ببطء وخمول ويظل رغم محدودية اثره نواة المستقبل الاوروبي نحو دور استراتيجي في النزاعات الدولية ومنها قضية الشرق الاوسط التي ستتحول الى مركز تناقض ظاهري ونقطة توتر سوف يستقر عليها اقطاب العالم والنظام الدولي الجديد.