الملف السياسي : في الوقت الذي تصاعدت فيه, وبشكل كبير حرارة الشرق الاوسط, سياسيا بل وعسكريا بفعل تصاعد الانتفاضة الفلسطينية ضد الارهاب الاسرائيلي, وقفت اوروبا عاجزة عن ممارسة ، اي دور سياسي يليق بوزنها وبمكانتها الدولية تجاه واحد من اهم الاحداث على الساحة الدولية لا سيما اذا كان مشروعا مقارنة الدور الاوروبي بالدور الامريكي. ولم يكن حال اوروبا احسن من حال عملتها الموحدة (اليورو) امام الدولار الامريكي. فالتزامن مع التراجع الحاد لليورو امام الدولار في اسواق المال والصرف العالمية, كانت اوروبا ممثلة بمؤسساتها السياسية الكبرى: الاتحاد الاوروبي تنسحب وتتراجع بل وتتلاشى كلية امام الدور الامريكي على ساحة الشرق الاوسط. وقد جاء هذا التراجع الاوروبي في وقت كان يمثل فرصة ذهبية لا تعوض للاوروبيين كي يلعبوا دورا بارزا في حدث ساخن كهذا لا سيما ان امريكا كانت غارقة حتى اذنيها, بداية في الاستعداد لانتخابات الرئاسة, وتاليا في فرز واعادة فرز الاصوات وما نجم عنه من لجوء الى المحاكم المحلية والعليا لتقرير الفائز الجديد في تلك الانتخابات والرئيس الجديد للبيت الابيض. فلم كان هذا الغياب الاوروبي ولم قبل الاوروبيون دولا ومؤسسات هذا الدور الكاريكاتوري او الصوري. وهل لذلك علاقة بالعجز الاوروبي ام ان سببه صعوبة التدخل في صراع معقد او بالاحرى بالغ التعقيد كصراع الشرق الاوسط؟! بداية لابد من القول ان الدور الاوروبي هو دور محاصر او يتعرض للحصار ليس فقط في ساحة الشرق الاوسط بل في ساحات اخرى لا تقل سخونة ظاهرية عن ساحة الشرق الاوسط. والحصار او محاولة الحصار التي تمارسها الولايات المتحدة علانية ضد اوروبا تتسع في الواقع لتشمل عملية رسم وتنفيذ النظام العالمي الجديد بعد انهيار نظام القطبين. ان امريكا التي قاتلت طيلة عقود من الزمن وخاضت معركة شرسة ضد الكتلة الاشتراكية منذ مطلع اعوام الخمسينيات من القرن العشرين, لكي تنفرد بالقرار على الساحة الدولية وبالتالي على الساحات الاقليمية لن تسمح بسهولة لقوة اخرى بأن تكون منافسة وندا لها على هاتين الساحتين. ولا يروق لصناع السياسة الامريكيين ان تلعب اوروبا دورا شبيها بالدور الذي لعبته الكتلة الشيوعية بقيادة الاتحاد السوفييتي السابق حتى ولو كان هذا الدور آت من جانب صديق ايديولوجي وليس من جانب عدو ايديولوجي كما كان الحال ابان الحرب الباردة. لقد ترك القادة الاوروبيون وعلى رأسهم الرئيس الفرنسي جاك شيراك ومن بعده رئيس الوزراء البريطاني توني بلير والمستشار الالماني جيرهارد شرويدر مناشدات الدول العربية وبخاصة مصر وسوريا بلعب دور فاعل على ساحة الشرق الاوسط خصوصا وفي القضايا العربية عموما, تذهب ادراج الرياح. لا بل ان الدول الاوروبية التي لم تتصرف ككتلة ازاء الارتفاع الكبير في حرارة الشرق الاوسط اكتفت بدور المتفرج المحايد على دماء الفلسطينيين وهي تراق بكل انواع الاسلحة الاسرائيلية. وفيما كان الفلسطينيون يوارون شهداءهم الثرى يوما بعد يوم كانت العواصم الاوروبية تستقبل بفتور لا مثيل له جنازات الشهداء الفلسطينيين وايضا دعوات الفلسطينيين المتكررة للتدخل ومناشدات الرئيس ياسر عرفات التي اطلقها لدى توقفه وزيارته لعدد من تلك العواصم. وأكثر من ذلك.. فإن اي دولة اوروبية لم تعترف او تقر بعدوانية الموقف الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني ولم يصدر وزراء الخارجية الاوروبيون اي بيان يندد بالاعتداءات الاسرائيلية على الفلسطينيين. وهم اي الاوروبيون تمترسوا وراء عبارات مطاطية مثل (الاستخدام المفرط للقوة) ودعوة الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي على قدم المساواة لوقف دورة العنف ومناشدة الرئيس عرفات ورئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود باراك للعمل معا كل من جانبه لوقف العنف. لقد لاحظ الفلسطينيون وأولهم الدكتور نبيل شعث وزير التخطيط والتعاون الدولي الفلسطيني الموقف الاوروبي (المحايد) ظاهريا والمنحاز حقيقة الى اسرائيل عن مساواة الضحية بالجلاد.. ووصف شعث الحياد الاوروبي بأنه (حياد خبيث). وعلى الرغم من ان هناك مواقف اوروبية معلنة من الصراع العربي الاسرائيلي ومن سبل حله فإن الدول الاوروبية فرادى ام مجتمعة لم تحاول التقدم بأية مبادرة جديدة في اعقاب الانفجار الجديد لحمام الدم الفلسطيني رغم ان بعضها انتقد مواربة جولة الارهابي ارييل شارون الى الحرم القدسي الشريف والتي كانت بمثابة الصاعق الذي اشعل فتيل الانتفاضة الراهنية رغم ان كل مبررات اشتعالها كانت موجودة منذ عودة الرئيس عرفات خالي الوفاض من كامب ديفيد ـ 2 . واذا كانت الانتفاضة قد اسقطت الكثير من المفاهيم وغيرت مفاهيم اخرى اولها صعوبة ان لم يكن استحالة التعايش بين الفلسطينيين والاسرائيليين وايضا بين العرب والاسرائيليين فإن الذي سقط في الامتحان ايضا هو مراهنة الدول العربية على الدور الاوروبي في سلام الشرق الاوسط وجعل ذلك بالمبادرة وطرح الحلول وايضا بغرض الاقناع تلويحا او تلميحا اذا دعت الضرورة لذلك. وعلى الرغم من نفور الاوروبيين من الانفراد السياسي الامريكي بالساحة العالمية فإن هذا النفور بقى على حاله ولم يتحول الى موقف جماعي او موحد.. لا بل ان قادة اوروبيين اعلنوا صراحة ان اوروبا لن تكون بديلا عن امريكا. ولربما يتراجع قادة اوروبيون بارزون ان لم يكن قد تراجعوا فعلا عن فكرة الدولة الاوروبية العظمى التي تضم حاليا ما يزيد على ثلاثمئة مليون نسمة وربما تتسع قريبا لتضم اربعمئة مليون نسمة هم مجموع سكان دول الاتحاد حاليا ومستقبلا حيث ان الاتحاد يضم 15 دولة الآن فيما تقف 13 دولة اخرى على قائمة الانتظار. كل ذلك جعل اوروبا السياسية ذات الدور العالمي او الشرق اوسطي, تراوح مكانها تاركة للضفة الاخرى من المحيط الاطلسي حرية الحركة على حسابها.. رغم ان المصالح الاوروبية في الشرق الاوسط لا تقل ابدا عن المصالح الامريكية ان لم تكن مساوية لها.. يضاف اليها القرب الجغرافي الاوروبي من المنطقة وتقاسم ضفتي البحر الابيض المتوسط اضافة الى العوامل التاريخية المعروفة.