الملف السياسي : اعتبر جميل شحادة مستشار الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ان تغيرا ايجابيا طرأ على الموقف الاوروبي تجاه الحقوق الوطنية الفلسطينية في السنوات الاخيرة لكن اكد وجود حالة من التذبذب في هذا الموقف ، وأرجع ذلك الى عدة عوامل متعلقة بالتبعية للولايات المتحدة اللوبي الصهيوني والمصالح المشتركة بينهم من ناحية والى حالة العداء التي كانت تسود في السنوات الماضية بسبب ميل الفلسطينيين كحلفاء للاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية التي كانت تعيش حالة عداء مع الغرب الامريكي ايضا. وأعرب شحادة في حديث خاص لـ (الملف) عن اعتقاده بأن صدق نوايا (م. ت. ف) في التوجه للسلام كاستراتيجية كانت من العوامل التي ساعدت على جذب الموقف الاوروبي الذي بدأ حاليا في تأييد الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني التي اقرتها الامم المتحدة ودعا الى تكتلات عربية مؤثرة. قال مستشار الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات, جميل شحادة ان الدور الاوروبي او حتى اي حالة دولية نتعاطى معها من خلال قضيتنا الوطنية الفلسطينية وتأثيراتها علينا وانعكاساتها والعوامل المؤثرة في هذا التكوين وأضاف ان اوروبا تاريخيا كانت اسيرة للموقف الاسرائيلي والسياسي التي تؤثر فيها الحركة الصهيونية بشكل او بآخر واوضح شحادة انه بعد دخول منظمة التحرير الفلسطينية في مسيرة السلام كانت تدرك اهمية احداث تحول في الموقف الاوروبي خاصة ان هذه الاهمية قد تضاعفت بعد ما فقدت (م. ت. ف) الحلفاء اي المعسكر الاشتراكي اثر انهيار الاتحاد السوفييتي والتغيرات التي حدثت في الواقع العربي والاسلامي ومن ثم برزت اهمية التركيز على الدور الاوروبي, وعندما بدأنا في مسيرة السلام غدت الاهمية اكبر للدور الاوروبي بحكم العوامل التي تؤثر على مسيرة السلام هي الاطراف الدولية الحية وهي اوروبا وأمريكا. وأشار الى ان هناك تحولا في التعاطي والتركيز على المواقف الاوروبية بالنسبة لنا نحن الفلسطينيين ولذلك فإن التغيير الذي حصل في اوروبا قياسا للمدى الزمني الذي انشغل فيه عليه هو تغيير كبير مهم لأن اوروبا كانت هي الساحة التي تعمل فيها الحركة الصهيونية واللوبي اليهودي في كل دولة من هذه الدول مع ارتباط مصالحها مع الاسرائيليين والامريكان مما جعلها تحت تأثيرها وبدون تردد تسلك الموقف الملائم للمصلحة الاسرائيلية والامريكية معا. واضاف شحادة انه بعد غياب الاطراف الدولية الحليفة لمنظمة التحرير واتخاذ الاخيرة لقرار خيار السلام اصبح هناك قبول واختراق لأوروبا من قبل منظمة التحرير وهذا جاء على ارضية عزم الفلسطينيين ان يثبتوا لأوروبا انهم اصحاب حق وأن الشعب الفلسطيني موجود وحي اضافة الى مجموعة من المسائل البديهية والاولية وحول الافكار والتوجيهات بشأن القضية الفلسطينية المطلوب الغاؤها من العقلية الاوروبية. وأكد شحادة انه مع بدء مسيرة السلام بدأ الفلسطينيون في اظهار مرونة كبيرة جدا في التعاطي مع كل محطات مسيرة السلام بدءا من واشنطن مرورا في اوسلو والاتفاقات التي تمت مع الطرف الاسرائيلي. ومع بدء تنفيذ استحقاقات مهمة عن اتفاقات السلام اقصد اتفاق الخليل وطابا وشرم الشيخ الاول والتي تبينت بشكل قطعي ان الطرف الاسرائيلي هو الذي يعطل هذه الاتفاقات وباتت المسألة بدون جدال حتى لدرجة انه في بعض المواقف وخاصة في رفض حكومة نتانياهو اعلن الاخير عدم الرغبة في تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في اوسلو. وقال مستشار الرئيس عرفات هذا كله صار يدخل الى العقل الاوروبي واصبحنا نحقق (نوع من التقدم) في تفهم الاوروبيين لقضيتنا وبعد انتهاء فترة المرحلة الانتقالية في الاتفاقات الموقعة مع الجانب الاسرائيلي في عام 99 وأمام عدم التزام اسرائيل تنفيذ هذه الاتفاقات او تلبية المطالب الفلسطينية في الوفاء بكل استحقاقات المرحلة وأمام اعلان حكومة نتانياهو عدم تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في المرحلة الانتقالية واقتراب هذه الحكومة من السقوط كل ذلك من العوامل جعلت اوروبا تتخذ موقفاً اكثر عقلانية وهدوءا وجاء بعده اعلان الاتحاد الاوروبي بحق الشعب الفلسطيني في اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة واستعداد دول اوروبا للاعتراف بهذه الدولة في حال قيامها وفي المقابل ــ كما جاء في بيان برلين ــ طلبوا منا تأجيل اعلان بسط السباق على الاراضي الفلسطينية مقابل هذا الاعتراف. واعتبر شحادة ان ذلك هو اهم تحول قد طرأ في الموقف الاوروبي اي سباق برلين ونوه الى انه عندما سقطت حكومة بنيامين نتانياهو ونجح رئيس الوزراء الاسرائيلي الحالي ايهود باراك ادرك الاسرائيليون حجم التحرك في الموقف الاوروبي تجاه القضية الوطنية الفلسطينية والحقوق التي اقرتها الشرعية الدولية وبدأ باراك تحركا مكثفا مستندا الى قضيتين الاولى هي تحميل نتانياهو وحكومة حزب الليكود مسئولية الفشل والتعثر في مسيرة السلام من اجل التخفيف من حدة التحول في اوروبا وان حكومة باراك جاءت ومعها برنامج للسلام ومستعدة لتقديم كل المتطلبات في هذا الصدد ونوه شحادة الى ان التغيير في الموقف الاوروبي لم يغير شيئا من منطلقاته في ضرورة تقديم كل الدعم للطرف الاسرائيلي حتى ان التحول الاوروبي الذي نتحدث عنه لم يلغ موقفهم الاستراتيجي في دعم اسرائيل او يؤثر عليها على الاقل. وبين شحادة انه مع وجود حكومة باراك وتحميل حكومة اسرائيل السابقة اسباب ومسئولية التحول الحادث في الموقف الاوروبي تمكن الاسرائيليون من امتصاص جزء وامتصوا الجزء الثاني من خلال اعلان استعداد باراك وحكومته للتوصل الى اتفاقية سلام نهائي مع الفلسطينيين وعليه فإن الانجاز (الكبير) الذي تحقق لنا كفلسطينيين في اتفاق برلين بدأ يخف تدريجيا مع وصول باراك الى سدة الحكم. وذكر شحادة ان حكومة باراك حتى تستفيد من تلك الفترة ترددت في فتح ملف القضية الفلسطينية حيث انه اجل لفترة زمنية طويلة موضوع الملف الفلسطيني (ابتداء من عام 99) بهدف الحفاظ على الموقف الاوروبي ونسيان التحول الذي طرأ مع خلق ارضية جديدة في العلاقات الاسرائيلية الاوروبية وعندما فتح باراك ملف السلام مع الفلسطينيين لم يقدم فعليا شيئا ملموسا, وكان يشترط طرح الحلول في المرحلة الانتقالية مع قضايا المرحلة النهائية ما امضى زمنا طويلا حتى يلغي مسألة الاستحقاقات المطلوبة وطبقا للاتفاقات الموقعة مع الفلسطينيين واستمرت المماطلة الاسرائيلية في هذا الى ان تم فتح ملف قضايا الحل النهائي والتي كانت تدور في حلقة مفرغة والكل في اوروبا والعالم ينتظر, ما هو الجديد حتى يأخذ على اساسه الموقف وألمح شحادة الى ان التفكير الجدي في اوروبا بخصوص القضية الوطنية الفلسطينية تكرس عندما بدأت مباحثات المرحلة النهائية بقيادة احمد قريع رئيس المجلس التشريعي الذي جاء بديلا لياسر عبدربه على اعتبار ان قريع هو الشخص الاكثر عقلانية في الفلسطينيين وهو مهندس اوسلو فلما بدأت تلك المفاوضات دون ان يصل الطرفان الفلسطيني والاسرائيلي لأي اتفاق بدأت الصحوة في اوروبا من جديد وعندما وصلوا الى مفاوضات كامب ديفيد كان الموقف الاوروبي يتوقع استثناء جديدا وقال شحادة: من الواضح تماما ان خلال المرحلة السابقة بدءا من العام 94 كان هناك حرص كبير من قبل الاسرائيليين تبناه الامريكان على ان لا يكون للاوروبيين شريك ودور فاعل في عملية السلام لأنه اذا بقي الاوروبيون مراقبون سيظل موقفهم مرهون بالحدث الجديد لكن اذا كانوا شركاء فعليهم ان يحكموا من خلال دورهم المطلوب منهم واضاف ان عدم وجود دور لأوروبا جعلها تتذبذب في الموقف فمرة يكون موقفهم لمصلحة الفلسطينيين ومرة ثانية لمصلحة الاسرائيليين كما تؤثر على هذا كله المصالح الاوروبية لدى الامريكان والاسرائيليين. وتابع: عندما اتضحت الرؤية في كامب ديفيد قام الاسرائيليون بحملة فورية وكبيرة جدا بأنهم قدموا للفلسطينيين تنازلات غير معهودة منها في موضوع القدس والاستيطان واللاجئين. وأشار الى ان الحملة الاسرائيلية تبعتها حملة فلسطينية هدفت التوضيح للعالم الموقف الفلسطيني مما اعاد حالة الارباك في الموقف الاوروبي وخفت مستوى التأييد الذي تقدمه للقضية الفلسطينية عما كان عليه الموقف في بيان برلين. وقال: في اعتقادي ان كل المحاولات التي جرت بعد كامب ديفيد هي على اساس ان يكون الاوروبيون شركاء في عملية السلام وليسوا مجرد مراقبين وذلك لعدة اسباب منها انه ثبت خلال مفاوضات كامب ديفيد وقبلها وبعدها ان الامريكان ليسوا وسطاء لكنهم طرف منحاز بشكل كامل للاسرائيليين ولذلك يطالب الفلسطينيون ان يكون الاوروبيون وروسيا شركاء في عملية السلام ومنها اقتراب انتهاء فترة حكم الرئيس الامريكي بيل كلينتون والفراغ المنتظر في الموقف الامريكي ولابد ان يكون هناك بدائل كالموقف الاوروبي والروسي ومنها وجود الاوروبيين والروس وبعض الاطراف الاخرى ترى بأن الملف الفلسطيني لابد ان يكون في يد الامم المتحدة بدلا من كونه تحت الرعاية المنفردة للطرف الامريكي وقال شحادة ان هناك جهداً كبيراً على ان يكون الاوروبيون والروس شركاء في عملية السلام. وشدد على ان الانتفاضة الحالية ادت الى وضع حد نهائي لمسألة حيادية الموقف الاوروبي وأصبح الوضع يحتم على الاوروبيين ان يكونوا شركاء وبدأوا في الاقتراب في هذا السبيل ومن ذلك لقاء باريس. واضاف وحتى الآن رغم وجود اصدقاء في مقدمتهم فرنسا يتبنون الموقف الفلسطيني الا ان هناك اطرافاً اوروبية لا تزال تنهج الموقف الاسرائيلي نفسه. ودعا شحادة الى التعامل مع الموقف الاوروبي بما اسماه (بالنفس الطويل) ومسئولية بغية تطوير الموقف المذكور باتجاه ان يكون اكثر قربا في الحدث السياسي وان يكون شريك حقيقي ومطلع على الوضع الجاري في الساحة الفلسطينية وخاصة ان الموقف الاوروبي الذي تفهم لطبيعة انتفاضة الاقصى وتجسد ذلك من خلال التصويت الى جانب قرار مجلس الامن رقم (1322) وكذلك موقفهم في منظمة حقوق الانسان وتقرير المفوضية الاوروبية ماري روبنسون. وقال هذا كله يعتبر من العوامل المؤثرة في التغيير في الموقف الاوروبي لكن المدى الزمني سيكون اطول لاحداث التغيير المطلوب, وايضا الاقتراب اكثر من الحدث حتى يكون الاوروبيون متفهمين لحقيقة ما يجرى في الساحة الفلسطينية. واضاف لكننا نقول طالما نحن ما زلنا مستعدون للسلام كاستراتيجية, وانه بعد هذا النزيف من الدم الفلسطيني والتضحيات الكبيرة التي يقدمها الشعب الفلسطيني يجب ان يكون من اهم اهداف الانتفاضة هو الغاء التفرد الامريكي في رعاية مسيرة السلام وهذا يعني حكما ان يكون الاوروبيون والروس شركاء وكذلك الامم المتحدة. واضاف ان هذا يتطلب المزيد من الجهد والعمل من اجل جذب الموقف الاوروبي لمصلحة القضية الفلسطينية ولا يجب ان يغيب عن بالنا ولو للحظة واحدة اننا نتعامل مع اوروبا التي كانت مع بداية مسيرة السلام تمثل التأييد الكامل للطرف الاسرائيلي ونحن نرى ان حجم التغيير الذي حصل في الموقف الاوروبي هو تحول كبير اذا ما قيس في المدى الزمني لهذا التحول ذلك ان اوروبا كانت ليس فقط تؤيد اسرائيل بل كانت تقدم الدعم والمساندة والرعاية الكاملة للطرف الاسرائيلي خلال مسيرة الصراع ثم التسوية, وأوضح شحادة نحن اليوم بدأنا نسمع اصوات تتفهم حقيقة الصراع وتؤيد المطالب الشرعية للفلسطينيين واعطى شحادة عدة امثلة منها موضوع القدس واللاجئين والمستوطنات والسيادة حيث يقول الاوروبيون ان هذه الحقوق اقرتها قرارات الامم المتحدة وخاصة القرار (242) وان على اسرائيل تنفيذه بدقة وأمانة حتى يتحقق السلام في المنطقة. وذكر مستشار الرئيس عرفات ان حجم ما حصل من تغيير ايجابي في الموقف الاوروبي هو شيء مهم لنا كفلسطينيين وايضا ما حققته الانتفاضة الحالية لمصلحة قضيتنا الفلسطينية. وقال نحن نؤكد ان الدور الاوروبي سيبقى عامل التوازن الكبير في تحقيق اي تسوية وسلام تشهده المنطقة على أرضية نيل كامل الحقوق الوطنية الفلسطينية. وعن تذبذب الموقف الامريكي قال شحادة لقد كان هذا التذبذب بسبب ان الفلسطينيين منذ انطلاق الثورة كانوا حلفاء النقيض لأوروبا, على مدى التاريخ كانوا حلفاء للاتحاد السوفييتي والصين والمعسكر الاشتراكي وبالتالي نقيض حليفنا هو نقيضنا خلال المرحلة السابقة واضاف واما التحول الذي طرأ فهو قد جاء بعد مؤتمر مدريد عام 1990 وعليه فإن خلال الفترة الاولى للتحول تشهد المنطقة ازمات وصعوبات وحالة تذبذب تتعلق بتاريخ العداء السابق رغم المعطيات الجديدة في النظرة الى السلام والتعايش في الشرق الاوسط. ورغم كل التحولات في العالم وفي أوروبا والامكانيات المالية لا تزال اوروبا عاجزة عن تشكيل كتلة دولية مستقلة لتكون موازية للكتل الموجودة الآن او شبيهة بما كان من كتل سابقة كالاتحاد السوفييتي او الولايات المتحدة الامريكية.