الملف السياسي : جاء اختتام اعمال مؤتمر الشراكة الاوروبية المتوسطية اورميد ,2 فيما بين 15 و16 من اكتوبر الماضي في مرسيليا مثلما بدأ في ظل جدل وخلافات, ستترك آثارها على مستقبل هذا المجتمع, وبصورة خاصة في ظل موقف دول الاتحاد الاوروبي مما يجري حاليا في الاراضي المحتلة الذي لخصه اكثر من وزير أوروبي بـ (الحياد وعدم الانحياز) الى اي من طرفي الصراع. في مرسيليا عرض الجانب الاوروبي الذي ترأسه فرنسا مشروع (معاهدة للأمن والتعاون في المتوسط) على الاطراف المتوسطية, وهي تركيا وقبرص ومالطا واسرائيل اضافة الى البلدان العربية الثمانية, والعرب رفضوا مشروع المعاهدة في اجتماع مالطا (برشلونة ــ 2) العام 1997 بسبب تدهور الوضع في منطقة الشرق الاوسط في ظل تهرب نتانياهو من تنفيذ التزامات السلام: الا ان الاوروبيين حرصوا على اثراء المشروع الاصلي باضافات جديدة ابرزها الصيغة الايطالية التي اقترحت انشاء آلية لتفادي النزاعات المسلحة وإدارة الازمات, دون الخوف من الازمة القائمة في الارض المحتلة. ويشتمل مشروع المعاهدة الذي اعدته الرئاسة الفرنسية للاتحاد الاوروبي في ضوء المشاريع والاوراق السابقة على ست نقاط رئيسية تستند الى مفهوم (الامن اللطيف). وتركز النقطة الاولى على اقامة حوار يخص الدبلوماسية الوقائية وطبيعة اجراءات بناء الثقة المتبادلة في المجال الامني فيما تركز النقطة الثانية على تعزيز الديمقراطية ووضع تقويم دوري لمدى الانخراط في المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الانسان والحريات وطالت النقاط الاخرى موضوع مكافحة الارهاب والتعاون في مجابهة الجريمة المنظمة والحد من انتشار اسلحة الدمار الشامل ولجم سباق التسلح. ولقد قدمت الدول العربية الكثير من التحفظات على هذه النقاط, التي بدا منها رغبة اوروبا في دمج اسرائيل في المنطقة, نظرا لعدم قيام السلام الشامل والعادل ولاحساس هذه الدول بالانحياز الاوروبي لاسرائيل. ان مجريات الصراع العربي ــ الاسرائيلي تلقي بظلالها على العلاقات العربية ــ المتوسطية بينما يسعى الاوروبيون الى الفصل بين المسارين لجعل الطريق سالكة امام تقدم قطار الشراكة المتوسطية. وفيما تشدد البلدان العربية على ان تحقيق اي تقدم في اقامة مشروع الشراكة, يتوقف على مدى قبول الدولة العبرية تنفيذ قرارات الامم المتحدة وتلبية الحقوق الفلسطينية والعربية, يؤكد الاوروبيون على ان مسار برشلونة هو الاساس المشترك الوحيد الذي ما زال صالحا للتعاون بين الاطراف. الاوروبيون يؤرقهم الهاجس الامني اظهرت خمسة اعوام من مسار برشلونة ان الهواجس الامنية تتصدر اهتمامات الاوروبيين وتتقدم اشواطا على القضايا المعلنة في التصريحات والبيانات عن التنمية وتطوير الحوار الثقافي وتكريس التعاون بين تشكيلات المجتمع المدني. تتجلى المخاوف الاوروبية في التركيز على مصدرين رئيسين لـ (الاخطار) الآتية من الجنوب اولهما الارهاب والجريمة المنظمة (المقصود نشاط المهاجرين العرب): الخوف من بروز ظاهرة عراقية او ايرانية على الضفة الجنوبية للمتوسط, معادية للهيمنة الامريكية التي يقف الاوروبيون منها موقفا متناقضا بين خائف منها وقابل بها. فهاجس الخطر الارهابي صبغ كثيرا من المواقف والخيارات الاوروبية بلونه الخاص, مثل التعاطي مع حرية تنقل الاشخاص, الذي هو مبدأ اساسي من مرتكزات المشروع المتوسطي, من زاوية غلق الاسوار الاوروبية امام المهاجرين المحتملين, خوفا من الانعكاسات الامنية والسياسية للهجرات الواسعة, كذلك ينظر الاوروبيون الى قضايا التعاون من منظور فوائده على صعيد الحد من الهجرة, وبالتالي فهم قاسوا حجم المساعدات الاقتصادية بمقدار تأثيرها في سد الباب امام نقل المشاكل الاجتماعية والامنية الى اوروبا. وقد نسي الاوروبيون انهم السبب في هجرة شباب شمالي افريقيا الذين لم يجدوا شيئا في بلادهم بعد خلاصها من السيطرة الاستعمارية. ليس هذا التفكير جديدا, فقد سارع الاوروبيون ولم يمض شهور على عقد مؤتمر برشلونة الى الدعوة لاجتماع امني رفيع المستوى في مارس العام 1996 انتهى الى وضع رؤية للشراكة في المجال الامني. ثم لم يمض شهر حتى وضعت خطة عمل في ابريل عام 1996 صاغتها لجنة من كبار الخبراء الامنيين الاوروبيين وقبلت بها البلدان المتوسطية ما عكس هيمنة البعد الامني على بقية الابعاد الاخرى في مشروع الشراكة منذ الخطوات الاولى لها. كذلك يظهر التركيز على الهاجس الامني في كون اللجنة الامنية, للسنوات الخمس الماضية, اجتمعت ما لا يقل عن ثماني مرات على رغم تعثر الاجتماعات الوزارية وفشل ندوة مالطا في العام 1997. وعندما طرح الاوروبيون العلاقات بين بلدان ضفتي المتوسط على غرار معاهدة الامن والتعاون في اوروبا, اوحت الاعمال التحضيرية بأنها ستكون للأمن اكثر مما هي للتعاون والحوار المتكافىء, والتفاهم على القضايا المشتركة. هل من الغريب في ظل هذا الارتياب الاوروبي الدائم من الشريك الجنوبي ان يعبر العرب عن قلقهم ومخاوفهم الشديدة من تشكيل قوات (أوروفور) في فلورنسا الموجهة لصد (الاخطار) التي قد تأتي من شمال افريقيا, وكذلك من اقامة مقر القيادة الجديدة للأطلسي في اسبانيا؟ ألم يكن اكثر منطقية ان يتجه التركيز على الهاجس الامني الى اخلاء المنطقة المتوسطية من اسلحة الدمار الشامل, التي تهدد الامن الاوروبي في العمق, ليس فقط في حال اندلاع حرب في الشرق الاوسط وانما حتى في حال حصول حادثة شبيهة بحادثة تشيرنوبيل؟ يبدو ان الاوروبيين, الذين اعطوا تنازلا جوهريا للولايات المتحدة واسرائيل بتسليم ملف التسوية في الشرق الاوسط الى الراعي الامريكي, يسعون الى اخذ الثمن من العرب بالحصول على ضمانات لامنهم من (المخاطر) التي يمكن ان تأتي من الضفة الجنوبية. تواجه الشراكة الآن مأزقا سياسيا بسبب المقاطعة اللبنانية والسورية لان القرارات تتخذ عادة بالاجماع. وفي هذا الصدد قال مسئول واسع الاطلاع للصحافة, (السؤال المطروح اليوم على وزراء خارجية الدول الـ 25 هو كيف يمكن تسوية هذا الغياب باعتبار انه الاول منذ خمس سنوات, وهل يجب الاستمرار بالقواعد حتى الآن ام يجب تعديل شيء ما). ما هي الشراكة الاوروبية العربية؟ بدأ التعاون بين العرب وأوروبا في الستينيات ثم تطور في السبعينيات بعد النصر الجزئي واليتيم في حرب رمضان , 1973 وحرب اسعار النفط. ولما فشل الحوار العربي الاوروبي خلال عشرين عاما بسبب اختلاف العرب وأوروبا حول عدالة القضية الفلسطينية, طرح الاوروبيون مبدأ الشراكة في عام 1995 وشملت جوانب عديدة للتعاون المالي ودعم الاصلاحات الاقتصادية لدول الجنوب والبدء بسياسة انفتاح تجاري, حيث تبنت الدول الاوروبية الخمس عشرة وشريكاتها الاثنتا عشر في الضفة الجنوبية, اعلانا وبرنامج عمل تم تطويره في اللقاءات التي تسارعت وتيرتها فيما بعد على خلفية عوامل سياسية وأمنية كثيرة ابرزها حرب الخليج وما خلفتها من وعي لأهمية التعاون الامني والسياسي والاقتصادي وثانيها مؤتمر مدريد حول الشرق الاوسط الذي كسر حاجزا نفسيا بين العرب واسرائيل وسمح بالتالي بالتفكير بالمنطق الاوروبي والامريكي القاضي بدمج اسرائيل في مشاريع اقتصادية وتعاونية في المنطقة. وعقدت سلسلة اجتماعات لاحقة بينها ثاني مؤتمر اوروبي متوسطي لوزراء الخارجية في مالطا عام 1997 ثم مؤتمر لشبونة في 25,26 مايو 2000 وبدأ يتضح مفهوم الشراكة تماما كما بدأ القلق ينتاب دول الجنوب التي لا تجد نفسها بعد مؤهلة سياسيا واقتصاديا لفتح الحدود للبضائع الاوروبية وقبول اسرائيل في الجانب العربي, لكن المشروع الذي كانت باريس ترغب في ان يتم تبنيه في مؤتمر مرسيليا واجه عقبات كبيرة اولها من قبل بعض الدول العربية الرافضة لفكرة اشراك اسرائيل في اي منظومة تعاونية امنية, طالما ان اسرائيل لم تنسحب من الاراضي المحتلة (وقد لعب لبنان وسوريا دورا ضاغطا في هذا السياق). وثانيهما: ان البنى التقنية لمثل هذا التعاون بحاجة الى سنوات طويلة وذلك لأن مثل هذا الامر يفترض التعامل بشفافية مع مواضيع الامن والتعاون وعدم تفضيل دولة على اخرى وكيفية تطبيق مفاهيم الامن والسلام, ناهيك عن شروط الحريات والديمقراطية ودولة القانون والعدالة وامكانية التدخل في الشئون الداخلية والانفتاح المرتبطة بمفهومي الامن والاستقرار وما الى ذلك سيما وأن اتفاقية ماستريخت الاوروبية جعلت مسألة حقوق الانسان عنصرا اساسيا للتوقيع على اي اتفاق. ان مقاومة الاحتلال تسمى عند الاوروبيين ارهابا, كما ان هناك خوفا شديدا من تنامي القوى الاسلامية ويريد الاوروبيون ان تكون الشراكة اداة لخنقها. استنادا الى ما تقدم هل يمكن اعتبار الموقف الاوروبي مما يجري في الاراضي المحتلة حيادا وعدم انحياز الى واحد من طرفي الصراع؟ في رد وزير الخارجية الفرنسي اوبير فيدرين على طلب الجانب العربي ادانة اسرائيل لما ترتكبه في حق الفلسطينيين, اعلن الاوروبيون انهم سيدينون الجانبين اذا تمت الاستجابة للمطلب العربي! ان الجانب الفلسطيني يستحق فعلا الادانة لانه بالمنطق الاوروبي الحضاري, قاوم المحتل الاسرائيلي الذي يستمد حضارته من الاوروبيين, باستخدام احدث الاسلحة وادوات القمع المستوردة من الترسانات الغربية, في مواجهة (الرعاع) الفلسطيني الذين ينتهكون النظام ويثيرون الشغب واعمال العنف حسب التعبير الاوروبي! انه النفاق الاوروبي, وأي حياد اوروبي هذا الذي يساوي بين الضحية وجلادها. وفي اي مكان يصرف هذا النفاق الاوروبي الذي حاول تقديم رشوة فارغة للفلسطينيين باعلان تأييد الاتحاد الاوروبي لقيام دولة فلسطينية (في المستقبل القريب شريطة ان يتم ذلك عبر المفاوضات) أي ان الاوروبيين يريدون هذه الدولة من خلال المفاوضات مع اسرائيل, مع ادراكهم الكامل بأن ما يحدث حاليا في الاراضي المحتلة يعود في احد اسبابه الى تمسك اسرائيل, باستمرار الاحتلال وسعيها الى فرض شروطها التي تجعل مثل هذه الدولة من دون معنى كما تقول صحيفة السفير. وتمتد الرشوة لتشمل بعض المساعدات المشروطة, بقبول اسرائيل. اي حياد يتحدث عنه الاوروبيون؟ وقد ارتضوا القيام بدور حددته لهم الولايات المتحدة, لا يستطيعون الخروج عنه ولا يتجاوز دور الصندوق والممول للمشاريع التي تريدها واشنطن؟ السياسة الامريكية تجاه الوطن العربي مصممة على استبعاد اية مساهمة من حكومات القارة في العملية السلمية في فلسطين, وتجلى هذا بشكل خاص في الاشهر الاخيرة عندما استطاعت واشنطن ان تمنع اعضاء المجموعة الاوروبية, من القيام بأي دور سواء في مفاوضات كامب ديفيد ــ 2 الفاشلة او قمة شرم الشيخ التي عقدت لانقاذ الوضع. هذا هو حال العالم, ان صح التعبير فالنفوذ الامريكي, سواء استخدم بشكل خلاق او لمجرد عرقلة مبادرات الآخرين, كان قويا لدرجة تكفي على ما يبدو لتعطيل مشروع اوروبي ــ متوسطي يتضمن سلسلة اتفاقات منفصلة جنوب البحر الابيض المتوسط, كما نجح في تهميش امكان وجود اي دور لاوروبا في النزاع الاسرائيلي ــ الفلسطيني, في اللحظة ذاتها التي تصبح فيها الحاجة, الى مبادرات جديدة وتفكير جديد بشأن عملية السلام, ضرورة قصوى الى بديل دبلوماسي من نوع ما, للاطار القديم المستند على اتفاقات اوسلو. وتداعياتها المنهارة بسبب التعنت الاسرائيلي. وإن التعطيل الذي يراد منه ابعاد الامم المتحدة عن الحل العملي للصراع العربي الاسرائيلي تشترك فيه اوروبا الى جانب الولايات المتحدة, عن تخاذل وضعف امام الصلف الامريكي. اسئلة كثيرة تطرح نفسها على (الحياد) الاوروبي لا يمكن حصرها, ولكن يمكن الاشارة الى بعضها: 1) هل ان رضوخ اوروبا لشروط اسرائيل وتوقيعها على اتفاق الشراكة معها في الوقت الذي تستمر فيه اسواقها باستقبال البضائع المصنوعة في المستوطنات, تشجيعا لها بميزات تفضيلية هو نوع من انواع الحياد؟ مع ان كثيرا من الدول الاوروبية قد قبل بناء على طلب فلسطيني, ان يمتنع من التعامل مع المستوطنين الصهاينة لأن المستوطنات عقبة في سبيل السلام. 2) هل ان قيام ألمانيا ببناء ثلاث غواصات لاسرائيل وبأموال دافعي الضرائب الألمان هو موقف محايد, مع الاشارة الى ان هذه الغواصات قادرة على حمل اسلحة نووية في الوقت الذي تقوم فيه برلين بمحاولات للتخلص من محطات الطاقة النووية؟ 3) هل دفع الاتاوات لاسرائيل من قبل ألمانيا وسويسرا وفرنسا والنمسا (تحت مسميات مختلفة) عمل محايد, في حين ان كثيرا من التعويضات ينبغي ان تدفع للعرب لما نزل بهم من ظلم امريكي صهيوني وأوروبي واستعماري. هذا ليس حيادا, انه انحياز تام لاسرائيل, لكن المسئولية في هذا الموقف لا تقع على اوروبا, ولكن على العرب الذين لم يبادروا الى اي تحرك, يشعر اوروبا بأن مواقفها ستؤثر على مصالحها. ولقد تأكد لأوروبا ان التعاون مع العرب واعد ومبشر لصالح الطرفين. اذا اردنا ان نفهم بالضبط لماذا اخفق مؤتمر مرسيليا؟ لن يكون من الممكن, في الشروط الراهنة, تطوير التعاون الاوروبي المتوسطي. ينبغي ان نتذكر ان مشروع الحوار العربي الاوروبي, قد اجهض هو نفسه قبل عشرين عاما للسبب نفسه, اعني لرفض اوروبا الربط بين قضايا التعاون الاقتصادي ومسألة الصراع العربي الاسرائيلي. وكان الدافع الرئيسي لاختراع اطار التعاون المتوسطي الجديد هو الاعتقاد بأن عملية السلام التي انطلقت بعد مؤتمر مدريد 1991 سوف تسمح بتجاوز نقطة الخلاف الجوهرية وتساعد على خلق جو يضع العرب والاسرائيليين على طاولة واحدة. لكن كما كان الامل بالسلام, هو الضامن للتعاون الاقتصادي يتجاوز فيه العرب مسألة الصراع مع اسرائيل, يدفع الاحباط من سياسة اسرائيل العدوانية والتوسعية العرب الى رفض التعاون المقترح اليوم, من مفهوم الاكتفاء بالمساعدات المالية والتسليم او الاستسلام امام تعاون سياسي واستراتيجي اوروبي اسرائيلي ضمني, ضد المصالح الاستراتيجية العربية المشتركة وكان على اوروبا ان تدرك منذ انهيار الحوار العربي الاوروبي, وعلى ضوء انتفاضة الفلسطينيين, ان طموحات العرب السياسية وولعهم بالكرامة والحرية لا يقل عن تمسكهم وتعلقهم بتحسين شروط حياتهم المادية. وفي ظل الهواجس والمطالب الاوروبية التي تصب عادة في خدمة اسرائيل يتساءل المراقبون العرب نيابة عن الامة العربية المسكونة بالجوار الاوروبي: ألا يحق للعرب ان يكون لهم هاجس يسعون الى تهدئته؟ وقد زرعت اوروبا في وطنهم الكيان الصهيوني لتحقيق السيطرة الاوروبية من خلاله على مقدرات وثروات الامة العربية. * سفير سوري سابق بالأمم المتحدة