أثارت ردود الدكتور محي الدين عميمور وزير الاتصال والثقافة في الجزائر على النواب خلال مساءلة برلمانية أول أمس الريبة في أوساط اعلامية واسعة, واعتبرت الصحف المستقلة التي صدرت أمس، مواقف الوزير مدخلا لتضييق الخناق على الصحافة, وهي الواجهة رقم واحد التي تعطي الانطباع بوجود الديمقراطية في البلاد . وقد كشف وزير الاتصال خلال ردوده على أسئلة النواب أن الحكومة بصدد إعداد قانون إعلام جديد يحكم الممارسة الصحفية, سيعرض للمصادقة عليه من البرلمان في دورته الربيعية . وقبلها كان قد صرح لإذاعة (البي بي سي) البريطانية أن الأخبار المتصلة بالوضع الأمني ستقدم بموجب قانون الاعلام الجديد من قناة واحدة هي القناة الرسمية, وهو ما اعتبرته الصحافة في الجزائر وأوربا بداية لتكميم الأفواه على غرار ما فعله عام 1992 م رئيس الحكومة الأسبق بلعيد عبد السلام, الذي كان الى جانب عبد العزيز بوتفليقة واحدا من أهم وزراء الرئيس بومدين, حين أصدر أوامر بمنع نشر أي موضوع أمني مالم يكن مصدره السلطة . وأسس لجان القراءة في المطابع الحكومية التي تحتكر حتى الآن طبع الصحافة كلها, تمارس الرقابة على المباشر وتمنع صدور أي صحيفة تحمل أخبارا أمنية لم تصادق على نشرها جهات رسمية . وكان لهذا القرار أن أدخل صحفيين الى السجن بسبب نشرهم أخبارا حقيقية لكن الحكومة كانت تريد إخفاءها, وأوقف صحفا لعدة أسابيع وشهور لتجرئها على نشر معلومات محظورة . وصدرت وقتها مجموعة من العبارات الرسمية التي أضحكت الجزائريين والأجانب على السواء منها مثلا (خبر غير مؤهل للنشر ) و (خبر نشر قبل أوانه) وما إليها من الجمل التي تتناقض تماما مع تعاطي مهنة الاعلام . وقد تحركت وزارة الاتصال والحكومة عموما للإسراع في تحرير قانون الاعلام لتقنين الخبر الأمني بالدرجة الأولى خاصة بعدما أصبحت الصحافة المستقلة التي نشرت عشرات من مراسليها في كل أنحاء القطر القناة الوحيدة التي تزود ليس فقط المواطن الجزائري بالأخبار المتعلقة بالأعمال الارهابية ولكن أيضا وكالات الأنباء والصحف والإذاعات العالمية . وأصبحت صحف (الخبر) و (لوماتان) و ( ليبرتي) و (الوطن) هي المصادر التي تنقل الخبر الى كل العالم, كون وكالة الأنباء الرسمية والصحف الحكومية تنشر فقط ما تمت جمركته من المصالح الحكومية والأمنية . وقد اعتبرته الصحف المستقلة ما تنوي الحكومة الإقدام عليه بصياغة (قانون عقوبات) آخر ـ وهو الاسم الذي يطلق على قانون الاعلام المعمول به منذ عام 1990 ـ تراجعا عن مكاسب المسار الديمقراطي . وحذرت من أن ينعكس ذلك على ما تبقى من مصداقية الدولة ـ حسب تعبير ( ليبرتي) ولم يخف النواب من مختلف الأحزاب بمافي ذلك التجمع الوطني الديمقراطي وجبهة التحرير الوطني اللذين يشكلان أغلبية أعضاء الحكومة تخوفهم من أن يخسر الجزائريون أهم إنجازات الديمقراطية بسبب حسابات سياسية . ويذكر أن التلفزيون الجزائري لم يذع خبرا عن العمليات الارهابية منذ يناير 1998 م حتى مجزرة المدية التي وقعت داخل مدرسة داخلية وخلفت عشرين قتيلا منهم 19 من الطلاب, وكان سبب إذاعة الخبر تنقل وزراء الداخلية والتربية الوطنية والصحة الى مكان الحادث . ومهما يكن فإن الملاحظين يستبعدون المساس بالصحافة المستقلة بشكل مباشر الآن وإن كانت تزعج أوساطا رسمية كثيرة, فهناك عدد كبير من الصحفيين ومسئولي تلك الصحف تحصلوا على جوائز دولية لقاء شجاعتهم وعملهم من أجل الديمقراطية وحرية التعبير وهم يحظون باحترام كبير من جمهور القراء من مختلف الأوساط . فما المبررات التي يمكن صياغتها لإيذائهم؟ ويبدو ـ بنظر المراقبين ـ أن ايجاد تلك المبررات هو أهم نقطة في جدول أعمال تلك الأوساط .