بيان الاربعاء :كان الهدف الأساسي لفرض العقوبات على العراق هو استخدامها كأداة ضغط على النظام العراقي لحمله على الانسحاب من الكويت بعد غزوه إياها في الثاني من أغسطس ,1990 ولأن العقوبات، لم تفلح في تحقيق هذا الهدف اضطر المجتمع الدولي الى استخدام أداة الحرب التي أسهمت في تحرير الكويت وطرد القوات العراقية منها في فبراير ,1990 فظلت العقوبات بعد ذلك كسبيل وحيد لحمل العراق على تطبيق القرارات الدولية والامتثال لها بصورة كاملة. فقد كان هناك اجماع دولي على أهمية استمرار نظام العقوبات بأركانه الأساسية الثلاث وهي الرقابة الدولية على برامج التسلح العراقي والإشراف على نزع أسلحة الدمار الشامل والسيطرة على عوائد العراق التجارية والنفطية وفرض الحظر العسكري والجوي, حيث ارتأت الدول الكبرى داخل مجلس الأمن آنذاك أن هذه الأركان من شأنها ضمان عدم عودة العراق إلى تكرار عدوانه على الكويت أو أي من دول الجوار بما يضمن السيطرة على عوائد العراق لتعويض الدول المتضررة من العدوان عن خسائرها, إضافة الى تدعيم أركان الحكم الذاتي للأكراد في شمال العراق وعدم وقوعهم من جديد تحت سيطرة النظام العراقي. وقد أعلن مجلس الأمن صياغة تلك الأهداف في قراره 1284 الذي يقضي برفع العقوبات عن العراق في غضون ستة أشهر في حالة تعاونه مع اللجنة الجديدة للتفتيش عن الأسلحة انموفيك وذلك مع استمرار سيطرة الأمم المتحدة على قنوات صرف العائدات المالية للعراق, ذلك بالإضافة الى عدد من المقومات التي تضمنها القرار وباتت توصف بـ (العقوبات الذكية) التي تهدف الى تخفيف معاناة الشعب العراقي الناتجة في جزء منها على العقوبات دون أن يستفيد منها النظام العراقي فما هي تلك المقومات وكيف ينظر لتآكل العقوبات المفروضة على العراق؟ * من جملة المقومات التي تضمنها القرار 1284 والتي هدفت في جزء منها الى تخفيف معاناة الشعب العراقي: ــ إلغاء السقف الذي حدده مجلس الأمن للصادرات النفطية العراقية بـ 25.5 ملايين دولار لتغطية الاحتياجات الانسانية المتزايدة. ــ تنشيط اجراءات عملية التصديق على العقوبات في لجنة العقوبات وتعجيل الموافقة على طلبات العراق لشراء قطع غيار الخاصة بتطوير صناعته النفطية من خلال الأمم المتحدة. ــ النظر في آلية للاستدانة من الحساب الخاص بـ 778 في نيويورك والذي تشرف عليه الأمم المتحدة منذ أكتوبر 1992 لتغطية الاحتياجات الانسانية الى حين يتمكن العراق من بيع كميات أكبر من النفط ومشتقاته. ــ التصديق التلقائي على واردات الغذاء والدواء والنظر في توسيع برامج وكالة اليونيسيف والوكالات الأخرى العاملة في العراق. وعلى الرغم من الإجماع الدولي الذي شهدته بداية تطبيق العقوبات مؤخرا الا ان ذلك الاجماع قد أخذ في التآكل تماماً إذ تصاعدت الأصوات المطالبة برفع العقوبات داخل مجلس الأمن, اضافة الى مطالبات عدة دول عربية وغربية حتى ان بعض المراقبين قد أكدوا قرب رفعها حتى بدون قرار دولي بهذا الشأن. مؤشرات التآكل وثمة عدة مؤشرات أعطت انطباعاً بتآكل العقوبات وقرب خروج العراق من عزلته الدولية التي فرضها على نفسها بغزوه الكويت, ومن أهمها ما يلي: 1- ربما كانت أولى هذه المؤشرات هي صدور القرار 1284 إذ جاء ذلك القرار مفتقداً للاجماع الدولي المعهود حول هذا النظام وعدم تصويت أي من فرنسا أو روسيا عليه لتتصاعد بعد ذلك الانتقادات الدولية لنظام العقوبات باعتباره نظام أثبت اخفاقه وأدى الى تفاقم الأوضاع الانسانية في العراق, وكان موقفا فرنسا المفاجئ القائل بعدم شرعية مناطق الحظر الجوي شمال العراق أول موقف معلن من جانب دولة دائمة العضوية بمجلس الأمن بهذا الشأن تلتها مواقف أخرى لدول كبرى تحاول اجراء مزيد من التعديل على سياسة العقوبات من أهمها الضغط الذي مارسته كل من فرنسا وروسيا الصين على الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا في شهر سبتمبر الماضي بهدف خفض نسبة التعويضات المفروضة على العراق لضحايا الغزو من عائدات النفط وذلك حتى يتمكن العراق من زيادة الانفاق على احتياجاته الأخرى حتى ان روسيا عرضت على بغداد اثناء زيارة وزير خارجيتها ايجور ايفانوف الى بغداد في منتصف شهر نوفمبر الجاري اقتراحاً بقبول العراق دخول المفتشين الدوليين تطبيقاً لقرار الأمم المتحدة على أن يقوم هؤلاء بالرقابة فقط وليس السيطرة على برنامج نزع السلاح, وفي مقابل هذا يحصل العراق على رفع كامل أو جزئي للعقوبات خلال ستة أشهر كحد أقصى. 2- عودة العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين بغداد وعدد من الدول العربية بشكل أدى الى كسر العزلة السياسية على العراق المستمرة منذ عشر سنوات, فبالاضافة الى عمان وقطر قررت الامارات والبحرين افتتاح سفارات لهما داخل العراق كما أعلنت سوريا قرب استئنافها العلاقات الدبلوماسية مع بغداد وبدت مؤشرات حول اتخاذ القاهرة لمثل هذا القرار خلال الفترة المقبلة. ذلك بالاضافة الى التغير الواضح في سياسات دول الجوار فيما يتعلق بالتعامل مع العراق, ففي ايران ينظر البعض الى التقارب مع بغداد كرد على (الحلف الصهيوني الأمريكي) كما اتفق البلدان مؤخراً على تسوية عدد من القضايا الخلافية فيما بينهما. وفي تركيا برز تفكير جديد بشأن العراق لأسباب مختلفة أبرزها الرد على مشروع الكونجرس الأمريكي الذي يلقى باللائمة على الأتراك في إبادة الأرمن الذي تلاه خطوات تطبيع واضحة بين أنقرة وبغداد. هذا فضلاً عن زيارة مسئولين كبار لبغداد على رأسهم الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز ورئيس الوزراء الأردني علي أبو الراغب وأخيراً وزير الخارجية الفرنسي ايجور ايفانوف, وكلها زيارات صاحبها صخب إعلامي كبير صورها العراق كتحد ضخم لنظام العقوبات. 3- استئناف الرحلات الجوية الى العراق, فمنذ أكتوبر الماضي وحتى الآن شهد مطار بغداد الدولي ما يقرب من ثلاثين طائرة لعدد من العواصم العربية والأجنبية التي لم تكن قد أرسلت طائراتها الى هذه الجهة من وقت يزيد على عشر سنوات, وكانت طائرة الأردن هي الأولى عربياً في انتهاك الحظر ثم تتابعت بعدها الطائرات تباعاً من اليمن والمغرب وتونس والإمارات والسودان ولبنان وإيران ومصر والبحرين وتركيا وسوريا وليبيا, وتكرر وصول الطائرات بعد ذلك من نفس العواصم وغيرها حيث تنقل اضافة الى المساعدات الانسانية الكثير من الشخصيات السياسية والاعلامية الشعبية مما أعطى للرحلات ضافة الى البعد الانساني بعداً سياسياً آخر حرصت بغداد على تصويره مؤشرا على تغير الموقف العربي والدولي تجاه العراق والعقوبات المفروضة عليه. وفي السابع من الشهر الجاري استأنفت الخطوط العراقية رحلات داخلية من بغداد الى البصرة والموصل, وقد غطى الإعلام العراقي الحدث باهتمام بالغ مبررا إياه كعلامة إضافية على تآكل العقوبات. تفتيت نظام العقوبات وباستقراء الملاحظات السابقة يثور تساؤل حول الكيفية التي حدثت بها والعوامل التي مكنت العراق من حصدها كمكاسب على صعيد كسر عزلته وتفتيت نظام العقوبات المفروضة عليه وهنا يمكن رصد العوامل التالية: 1- المصالح التجارية المتعاظمة بين العراق ومختلف الدول العربية والغربية, حيث تعد السوق العراقية الأكثر إغراء وجذباً للحكومات والمستثمرين ورجال الأعمال الذين يسعون للحصول على صفقات وعقود ضخمة من جراء التعامل مع الحكومة العراقية وتطبيع العلاقات معها وقد بدأت بغداد تفعيل هذه المصالح أول الأمر مع الدول المتعاونة داخل مجلس الأمن وهي روسيا وفرنسا والصين فعقدت معها مئات الصفقات التجارية في مجالات الطاقة وإعادة الإعمار المدني والاقتصادي بمبالغ قدرت بأكثر من 500 مليار دولار خلال السنوات العشر الماضية وذلك عدا الأموال اللازمة لتأهيل القدرات العسكرية العراقية وفقاً للمضامين والاشتراطات الواردة في قرارات مجلس الأمن. ثم اتجهت بغداد بعد ذلك الى نقل جزء كبير من صفقاتها الى الدول العربية خاصة سوريا ومصر مستغلة الرغبة المتنامية لدى تلك الدول في تحسين وضعها الاقتصادي, هذا بخلاف دعوة العراق الملحة للدول المجاورة لتفعيل المادة (50) من ميثاق الأمم المتحدة التي تسمح للدول المتضررة من العقوبات بتجاوزها, وهي الدعوة التي أخذت بها تركيا والأردن, وقد اتضح ذلك في التغير الجذري الذي شهدته السياسة الأردنية تجاه العراق عندما بدأت بغداد بتفضيل الشركات السورية على مثيلاتها الأردنية في توزيع العقود التجارية, ولم يقتصر الأمر على ذلك إذ أعلنت الحكومة العراقية صراحة عن منحها امتيازات اقتصادية ضخمة لأي دولة تنتهك الحظر الجوي وتطبع العلاقات معها, فضلاً عن معرض بغداد الدولي الذي شاركت فيه نحو 49 دولة بشكل رسمي, بالاضافة الى عشرات الشركات ورجال الاعمال وذلك بخلاف حضور بعض وزراء التجارة العرب والأجانب حيث تم التوقيع على بروتوكولات اقتصادية وعقد عشرات الصفقات التجارية ومذكرات تفاهم حول مشاريع اعمار يبدأ تنفيذها فور رفع الحصار عن العراق. وبوجه عام يمكن القول ان نجاح العراق في ترميم علاقاته الاقتصادية مع من كانوا شركاء تقليديين له عام 1990 كان هو حجر الزاوية الذي بنيت عليه بغداد فيما بعد عملية اعادة العلاقات الاقتصادية. 2- يلاحظ ان بداية تكثيف التعاطف الدولي الرسمي مع العراق واتخاذ المواقف المرنة تجاهه قد جاءت متزامنة مع أزمة النفط العالمية, وأضحت أكثر وضوحاً بعد تلويح العراق بوقف صادراته النفطية.فقد أثرت التطورات التي شهدتها الساحة النفطية مؤخراً على كافة الدول الغربية اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً, وأصبحت أسواق النفط لا تحتمل أي نقص في انتاج أي دولة, فماذا يحدث في حال غياب ما يزيد على مليوني برميل نفط يومياً من السوق وبصورة مفاجئة؟! ويزيد من أهمية نفط العراق ان الأخير هو الدولة الوحيدة القادرة على زيادة الانتاج ومن ثم خفض الأسعار وذلك لوجود احتياطي ضخم لديه وتطوير منشآته النفطية مؤخراً. ومن ناحية أخرى كان للعامل النفطي أثر كبير في تحسين الأوضاع الاقتصادية للعراق وبصورة أكثر دقة لقيادته الأمر الذي أعطاها شعوراً يتزايد قدرتها على تحدي القرارات الدولية حيث يقوم العراق ببيع ما قيمته 16 مليار دولار من النفط سنوياً بموجب برنامج النفط مقابل الغذاء, فضلاً عن تهريب ما قيمته مليار دولار سنوياً من خلال المياه الاقليمية الايرانية والناقلات المتجهة الى تركيا. 3- لايمكن تجاهل دور المسئولين الأمريكيين في اهتزاز نظام العقوبات, فإذا كان تشدد الموقف الأمريكي تجاه العراق منذ حرب الخليج الثانية قد مثل رادعاً قوياً لأي سلوك يهدف لخرق الحصار فإن ضعف هذا التشدد قد أعطى بغداد الفرصة لتحقيق عدة مكاسب اقليمياً ودولياً. تراجع أمريكي وعلى الرغم من استمرار تمسك الولايات المتحدة بالعقوبات طالما لم يستجب العراق للقرارات الدولية, بدت الادارة الأمريكية مؤخراً كمن سلم الملف العراقي إلى القوى الدولية الأخرى, كما بدت حريصة على عدم استفزاز العراق مما يؤدي الى مواجهة عسكرية أكثر من حرصها على عودة المفتشين الدوليين إلى العراق, مما أعطى انطباعاً بأن سياسة واشنطن الجديدة تجاه العراق هي عدم الالتزام بسياسة واضحة معه وأن هدف هذه السياسة هو استمرار الوضع الراهن بدون تغير يذكر, ويرجع ذلك لعدة أسباب منها: * فترة الانتخابات الرئاسية الماضية وما صاحبها من قيود على تصرفات الرئيس الحالي وانشغاله بالشئون الداخلية اضافة الى خوف الادارة الحالية من تذكير الناخبين بأن صدام حسين ما زال في السلطة حتى نهاية فترة رئاسة الرئيس كلينتون التي استمرت ثماني سنوات. * أزمة النفط المشار اليها التي اضطرت الولايات المتحدة الى استخدام مخزونها الاستراتيجي من النفط وبيع الإمدادات النفطية المخصصة للاحتياطي ابتداء من نوفمبر الجاري بهدف إحداث قدر من الاستقرار في أسعار تلك السلعة, وعلى الرغم من ذلك لم تنخفض أسعار النفط بالشكل الذي تقتضيه المصلحة الأمريكية الأمر الذي أعطى أهمية أكبر للتهديد العراقي بوقف صادراته النفطية. * إيمان الادارة الأمريكية بعدم جدوى نظام العقوبات في تحقيق هدف الولايات المتحدة وهو تغيير الحكم في العراق حيث صرح كبير مساعدي وزيرة الخارجية الامريكية منذ أيام بقوله: (إذا كنا ننظر الى العقوبات على أنها وسيلة لتغيير النظام, إذاً فهي غير ناجحة). 4- تزايد التعاطف الشعبي مع معاناة الشعب العراقي على المستويين العربي والدولي وتصاعد الدعوات الشعبية لرفع العقوبات وذلك نتيجة لنجاح الإعلام العراقي في تحميل العقوبات مسئولية معاناة العراقيين المعيشية والصحية بالاضافة الى نشر عدة تقارير حول تردي الأوضاع الانسانية والتي وإن كانت تستند الى واقع ملموس فلم تتحر عن الأسباب الفعلية لهذا الوضع.وقد كانت المطالبات الشعبية برفع الحظر بطرق مباشرة لبعض الدول باتخاذ مواقف مرنة تجاه العراق سواء أكان ذلك استجابة فعلية لهذه المطالبات أو استغلالاً لها على صعيد الدفع بوجود رغبة شعبية لايمكن مقاومتها للتقارب مع بغداد, ويمكن الكشف عن أهمية العامل الشعبي من ملاحظة ان كل الاختراقات الجوية الحالية تمت بدعاوى انسانية الأمر الذي يبرز بدوره كيف أصبحت هذه الدعاوى من القوة بحيث أمكن الاستناد اليها في تحدي القرارات الدولية. سيناريوهات المستقبل يظل مستقبل نظام العقوبات المفروض على العراق على قدر كبير من الغموض بحيث لايمكن لأي طرف الجزم برفع قريب لها واستمرارها كسياسة دولية ثابتة, وعلى الرغم من ذلك يمكن تحديد سيناريوهان في هذا الصدد وهما: * السيناريو الأول: هو رفع العقوبات سواء بقرار دولي يتخذ نتيجة للحوار المزمع اجراؤه بين العراق والأمين العام كوفي عنان قريباً في شأن إيجاد آلية لتسوية الملف العراقي أو بالممارسة العملية على كافة المستويات السياسية والاقتصادية, ويستند هذا السيناريو الى المؤشرات السابق ذكرها والتي تعد في جوهرها مقدمات طبيعية لرفع العقوبات كما يستند ايضا الى كون العوامل المتسببة في ظهور تلك المؤشرات مستمرة حتى الآن ولا يوجد ما يدل على قرب انهائها سوى ما يتعلق بأزمة النفط. وسوف يتزامن رفع العقوبات مع إعادة تأهيل العراق ودمجه من جديد في الدائرتين العربية والاسلامية الأمر الذي ظهرت بوادره في حضور العراق اجتماعات القمة العربية الطارئة لبحث الأوضاع في الأراضي الفلسطينية, اضافة الى مشاركته في قمة الدوحة الاسلامية مؤخراً حيث اعتبر عدد من المراقبين ان بغداد هي المستفيدة الأكبر من هذه القمة على صعيد خروجها من عزلتها السياسية إذ أكد البيان الختامي للقمة على عدم وجود أي عقبات تضعها منظمة المؤتمر الاسلامي أمام الرحلات الجوية إلى العراق ومنه, والأهم من ذلك بالنسبة للأخير هو تزايد عدد أعضاء المنظمة الذين صوتوا لصالح رفع العقوبات الدولية ويعزز من امكانية تحقيق هذا السيناريو جمود الموقف الأمريكي وعدم اتخاذ الولايات المتحدة مواقف حاسمة تجاه خرق الحصار المفروض على العراق, الأمر الذي يرشح استمراره خاصة مع استمرار انتفاضة الأقصى وما صاحبها من استياء شعبي كبير تجاه السياسة الأمريكية المنحازة لاسرائيل وهي السياسة التي ربطها الشارع العربي تلقائياً بالحصار على العراق باعتبارها محاولة أمريكية أخرى لتحقيق مصالح اسرائيل في عزل العراق من أجل خلق موازين قوى اقليمية مواتية لها. لذا فإن الولايات المتحدة التي تريد الحفاظ على مصالحها في منطقة الشرق الأوسط سوف تلتزم الصمت تجاه الممارسات العراقية على الأقل حتى انتهاء الظروف الحالية. * السيناريو الثاني: يقضي باستمرار العقوبات بشكلها الحالي وعدم حدوث تغير بارز في الملف العراقي على الأقل في الفترة المقبلة إذ لا تعتبر عودة الرحلات الجوية إلى بغداد منعطفاً جدياً في فلسفة العقوبات لأن مردوداتها العملية نحو اعادة تأهيل النظام العراقي تبقى محدودة للغاية خاصة وان الدول المؤيدة للعراق لاتبدو مستعدة حتى الآن لتحدي القرارات الدولية وإعلان رفع العقوبات من جانب واحد كما لاتبدو الدول المجاورة له على استعداد للدخول في مجابهة من خلال منح صلاحية مرور رحلات منظمة إلى العراق من دون صدور قرار دولي بهذا الشأن. والأهم من ذلك ان الدعامات الرئيسية لسياسة العقوبات لاتزال متماسكة حتى الآن وبعيدة عن مخاطر التفكك, فإذا كانت تلك الدعامات في الرقابة على السلاح والسيطرة على الايرادات التجارية والنفطية للعراق واستمرار الحظر العسكري الجوي فسنجد أنها لاتزال كما هي ويظل الالتزام الدولي بها على حاله حتى الآن. فمن ناحية نجد الولايات المتحدة وبريطانيا ودول أوروبية أخرى كألمانيا وهولندا يشددون عادة على عدم استعدادهم السماح للعراق بتجاوز تلك الدعامات باعتبارها خطوطاً حمراء لن يمكنهم تجاهل تحديدها.أ ما روسيا وفرنسا فمن المؤكد عدم اختلافهما مع المجموعة السابقة في شأن ضرورة تفريغ العراق من أسلحة الدمار الشامل وإن اختلفا فهو اختلاف حول مسمى لا أكثر كأن تسمى روسيا عودة المفتشين الدوليين (عودة المراقبة الدولية على أسلحة العراق للدمار الشامل) وقد ظهر تعاطف وتأييد كل من روسيا وفرنسا لنشاط لجنة التحقيق والتفتيش عن الأسلحة العراقية (إنموفيث) أثناء زيارة رئيس اللجنة هانز بليكس إلى كل منهما بداية الشهر الجاري مما أكد اقتراب موقفهما من نظيره الأمريكي ــ البريطاني فيما يتعلق بهذا الشأن. وبالنظر إلى مناطق الحظر الجوي التي بدأت بغداد مؤخراً بتركيز جهودها للعمل على إلغائها, يلاحظ ان فرنسا لاتزال طرفاً فاعلاً في الحظر الجوي الجنوبي نظراً لمصالحها الاقتصادية الضخمة في منطقة الخليج. الخط الجوي أما الحظر الجوي على المناطق الشمالية فيلاحظ ان الحكومة الفرنسية لا تزال تطالب العراق بحل سلمي لمشكلة الأكراد كشرط أساسي لرفع الحظر الجوي عن مناطقهم ووسيلة تمكن فرنسا من تفعيل مطالبها برفع العقوبات. أما بالنسبة الى استمرار السيطرة الدولية على العوائد التجارية والنفطية العراقية فلا تزال الأمم المتحدة هي الطرف المسيطر على تلك العوائد إذ لايحصل العراق سوى على 53% من سعر برميل النفط ويذهب 25% منه لصندوق التعويضات و14% إلى الأكراد العراقيين و4% كمصاريف ادارية للجنة الحظر التابعة للأمم المتحدة. وهنا قد يفيد التذكير بالورقة الفرنسية التي قدمتها فرنسا عند مناقشة القرار 1284 والتي كانت تقوم على نقطة جوهرية مفادها عدم السماح للعراق بالسيطرة على أمواله.يضاف الى ذلك ان روسيا صاحبة المخطط الأكثر دعماً للعراق تحرص عند دعوتها لرفع العقوبات عنه صياغة هذه الدعوة محتوية على ثلاث ملاحظات ضمنية وهي التشديد على مصطلح العقوبات الاقتصادية أي غير العسكرية وربط مسألة رفع العقوبات بعودة المراقبة على برامج التسلح العراقية وأخيراً التأكيد على رفع تدريجي للعقوبات في إشارة واضحة الى ما ينص على القرار 1284 الذي ترفضه بغداد. وينبغي التأكيد على أن أي محاولات لتسوية الوضع مع العراق لايمكن أن تتم دون تنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة فمن الممكن الاتفاق على مذكرة تفاهم أو أي نقاط أخرى لكن جوهر المطالبات الدولية للعراقيين سيظل كما هو, إذ يتطلب رفع العقوبات موافقة العراق على تنفيذ عدد من الالتزامات التي لايستطيع الإفلات منها أو تجاوزها أو الامتناع عن تنفيذها, وهذه الالتزامات تتضمن الموافقة على متابعة عملية إزالة أسلحة الدمار الشامل إذ لا مجال لتعليق العقوبات الاقتصادية ثم رفعها نهائياً إلا إذا تعاون العراق بشكل كامل مع لجنة التفتيش, وحتى مع تحقيق ذلك سيظل على العراق الموافقة على إخضاع برامج التسلح العراقي لرقابة دولية مشددة طويلة الأمد يتم تحديد نظامها وآلياتها في قرار دولي جديد, وذلك ليتأكد من انه لن يتملك أو ينتج أسلحة دمار شامل. كما يتعين على العراق الموافقة على وضع أموال مبيعاته النفطية حتى بعد إلغاء العقوبات الاقتصادية تحت رقابة وإشراف دوليين ملائمين, وذلك لضمان رفع العقوبات المقررة عليه وعدم عودته لشراء أسلحة دمار شامل, وبين السيناريوهين السابقين هناك سيناريو ثالث هو الأقرب للحدوث خاصة خلال الفترة المقبلة. ويقضي السيناريو الثالث وهو الاحتمال الأكيد بتخفيف العقوبات وليس رفعها أو استمرارها بشكلها الحالي, فمن ناحية وإذا كان العراق يأمل من اجتماعه مع كوفي عنان الاتفاق حول مذكرة تفاهم تكسر الجمود في شأن العقوبات فإن مجلس الأمن يجب أن يوافق على اتفاق يصدر بهذا الشأن, وهنا نجد أنه في حالة ما رغبت الادارة الأمريكية الجديدة في اتخاذ مواقف مرنة تجاه العراق بتخفيف القيود على وارداته أو حتى التخلي عن منطقة حظر الطيران في الجنوب فإنها لايمكن أن توافق على التخلي عن سيطرة الأمم المتحدة على ايرادات النفط أو مسألة عودة المفتشين. ومن ناحية أخرى وفي حالة الرغبة في تخفيف حدة الخلاف بين الدول الكبرى داخل مجلس الأمن من خلال الموافقة على عودة الرحلات الجوية المنظمة الى العراق فسوف يرتبط ذلك بسعي الولايات المتحدة وبريطانيا بوضع ضوابط أمنية على هذه الرحلات تتعلق بتفتيش الحمولات القادمة إلى بغداد للتأكد من عدم حصول الأخيرة على تسهيلات تمكنها من تهريب مواد ممنوعة وفقاً لقرارات مجلس الأمن خاصة وأن الموافقة على قيام رحلات جوية إلى العراق دون النص على تفتيشها سوف يعني عملياً انتفاء جدوى التفتيش على الحدود البرية للعراق مع الدول المجاورة. وسوف تصب محاولة تخفيف العقوبات في تحقيق الهدف الأساسي منها ذلك من خلال توفير توافق وإجماع دولي أكبر على ضرورة إلزام العراق بعودة المفتشين الدوليين لاستئناف مهامهم في أراضيه.وأخيراً يرى المحللون انه بغض النظر عن أي من السيناريوهات السابقة سوف يتحقق فإنه يتعين على دولة الكويت التحرك للتأكيد على استمرار تمسكها بالتزامات العراق نحوها بعيداً عن أي تنازلات قد يقدمها المجتمع الدولي له وتفعيل مطالبها بتنفيذ تلك الالتزامات وأهمها الافراج عن كافة الأسرى الكويتيين المحتجزين لديه حتى الآن وإعادة الممتلكات الكويتية المسروقة, إضافة الى تقديم الحكومة العراقية ضمانات وتعهدات رسمية ملموسة ومحددة يوافق عليها مجلس الأمن وتقضي بعدم تشكيل العراق أي نوع من التهديد والخطر عليها والامتناع عن القيام بأي عمل قد يعرض أمنها واستقرارها ومصالحها للخطر.