بيان الاربعاء : كشف سقوط الجاسوس شريف الفيلالي مؤخرا في ايدي المخابرات المصرية أن اسرائيل قطعت شوطا بعيدا في التجسس الاقتصادي على الدول العربية, كما كشفت المعلومات التي ادلى بها عن ان المؤسسات ، الاقتصادية العربية صارت في مقدمة اولويات المخابرات الاسرائيلية ولم تعد المعلومات العسكرية والسياسية وحدها هي هدف اسرائيل ولكن لماذا فتح (الموساد) الاسرائيلي نافذة للتجسس الاقتصادي؟ وماهي الفوائد التي تعود على اسرائيل من معرفة تفاصيل المشروعات الاقتصادية العربية؟ وماهي حدود هذا التجسس وكيف نواجهه؟ (بيان الاربعاء) حمل هذه الاسئلة الى امين هويدي وزير الحربية السابق ورئيس جهاز المخابرات العسكرية المصرية السابق والدكتور عبدالعليم محمد خبير الدراسات الاسرائيلية بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية في مؤسسة (الاهرام) والدكتور احمد ثابت استاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة. يرى امين هويدي ان مهام التجسس الاقتصادي ليست جديدة على أداء الموساد بل أن هذه العمليات هى التى ساهمت فى بناء الدولة العبرية من خلال التجسس على الشركات الأمريكية والأوروبية الكبرى وسرقة المعلومات العلمية الهامة للاستفادة منها فى برامج التصنيع والزراعة الإسرائيلية .. وقد عانت العواصم الغربية طويلا منذ إعلان قيام الكيان الإسرائيلى من نشاط أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية ومن المتطوعين اليهود الذين يحملون جنسيات أوروبية وأمريكية ويقدمون المعلومات الهامة لخدمة بناء الدولة العبرية على الأراضى العربية . وهذا المنهج اتبعته إسرائيل بكثافة خلال السنوات الأولى من نشأتها خاصة أنها كانت فى حاجة إلى كل المعلومات التى تساعدها على بناء الدولة ويكاد يجمع العالم على أن الطفرة الكبيرة فى أداء الاقتصاد الإسرائيلى اعتمدت على هذه المعلومات والتكنولوجيا المسروقة من العواصم الغربية ومن مراكز الأبحاث العالمية وقد استخدمت إسرائيل فى سبيل ذلك كافة الوسائل القذرة بدءا من عمليات التجسس مرورا بخطف العملاء أو القتل إلى آخر هذه القائمة السوداء . وحسب تقدير هويدى فإن الدولة العبرية لا تزال تمارس هذا الدور بفاعلية كبيرة فى الغرب وفى بعض الدول المتقدمة فى آسيا مثل اليابان والنمور الآسيوية بل أن القاعدة التكنولوجية الكبيرة والنهضة التى تشهدها إسرائيل فى مجال صناعة البرمجيات تعتمد فى أغلبها على هذه المعلومات المسروقة. دوافع التجسس ولكن ما الذى يدفع إسرائيل إلى ممارسة مهام التجسس الاقتصادى على البلدان العربية ؟ وهنا يبدو تتبع الأهداف الإسرائيلية بالغ الأهمية فى تقدير الدكتور عبد العليم محمد خبير الدراسات الإسرائيلية بمركز الدراسات السياسية والإستراتجية فى الأهرام فقائمة المعلومات التى بحث عنها الموساد فى مصر من خلال المتهم بالعمالة والتجسس شريف الفيلالى تركزت فى معظمها على أهداف اقتصادية وعلى رأسهم مشروع توشكى فى جنوب مصر والذى يعد واحدا من المشروعات القومية الكبرى .. لكن هذا النوع من التجسس الاقتصادى لم يكن الأول من نوعه .. فقد سعى الموساد إلى إختراق المؤسسات المالية والمصرفية فى منطقة الخليج العربى من قبل وهذه المؤسسات تشهد نهضة كبيرة فى منطقة الخليج باعتبارها قبلة أموال تصدير النفط .. وقد تم الكشف عن هذه العملية وكشفت مصادر أمنية خليجية بارزة ومطلعة عن تفاصيل هذه العمليات كما أبدت إسرائيل إهتماما كبيرا بالمشروع التكنولوجى الذى قام به الرئيس السورى بشار الأسد حتى من قبل تسلمه مهام الرئاسة .. بالإضافة إلى الاهتمام البالغ الذى تبديه إسرائيل بالمشروعات الاستثمارية العربية فى المهجر وبالمجموعات العربية من حملة الأسهم فى الشركات الصناعية والاتصالية فى الغرب .. كما أن محطة الاهتمام الأولى للدولة العبرية فى علاقاتها مع البلدان العربية كانت فى المكاتب التجارية و يأتى ذلك فى إطار الأهداف العليا فى جمع المعلومات التفصيلية حول النشاط الاقتصادى والتجارى والصناعى العربي وكل ما يتعلق بعملية التنمية. الاستعداد لما بعد التسوية السياسية أما لماذا توسع إسرائيل من عمليات التجسس الاقتصادى يقول عبد العليم محمد أن العقيدة السياسية والاستراتيجية للدولة العبرية تركزت لسنوات طويلة على المواجهة العسكرية مع العرب ولكن مع بداية رياح التسوية السياسية شرعت إسرائيل إلى إعتماد إستراتيجية موازية .. فهى لم تقم بإلغاء عقيدتها المسلحة فى الصراع ولكنها بدأت فى الاستعداد لما بعد التسوية .. ودشنت إسرائيل هذا الاستراتيجية البديلة على أساس استمرار تفوق إسرائيل النوعى فى المجالات الاقتصادية والتنموية والتكنولوجية حتى تصبح نقطة المركز فى منطقة الشرق الأوسط .. وقبلة الاستثمارات والنهضة الاقتصادية وبالتالى فإن تل أبيب تنزعج بشدة حين ترى الدول العربية تقوم بعملية الاستعداد نفسها وتحفز طاقات المجتمع من أجل النهضة الاقتصادية .. وفى سياق تطويق مشروعات التنمية العربية وضمان التفوق الإسرائيلى النوعى على الدول العربية مجتمعة فى هذا المجال فقد اهتم الموساد بجمع كافة المعلومات عن الأنشطة التنموية والاقتصادية العربية و طبيعة الدراسات والأبحاث العلمية فى المجتمع العربى وخاصة فى الدول المحورية التى تشهد نهضة تنموية وصناعية وتكنولوجية . ويرى عبد العليم محمد أن هذه المرحلة من التجسس الاقتصادى ربما سبقت عملية انطلاق مؤتمر مدريد للسلام خاصة أن الوعى العربى كان قد بدأ يتصاعد بضرورة اتساع نطاق المواجهة ليس فقط بشراء الأسلحة وإعداد الجيوش ولكن بتحسين الأوضاع الاقتصادية فى البلدان العربية وبناء خريطة من العلاقات المتميزة مع دول العالم والاستفادة من التطورات العملية المتسارعة فى العالم فى إعادة صياغة منظومة التنمية . ميدان جديد للمعركة الدكتور أحمد ثابت أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة يتفق مع الدكتور عبد العليم محمد حول طبيعة الأهداف والتوجهات الجديدة التى تحكم النشاط الاستخباراتى الإسرائيلى ويشير إلى أن الدولة العبرية كان ينتابها القلق والتوتر من فكرة الاستقرار والتنمية فى البلدان العربية ومن يقرأ كتاب (الشرق الأوسط الجديد) الذى ألفه شيمون بيريز أو كتاب (مكان تحت الشمس) الذى ألفه نتانياهو أو يطالع الوثائق الإسرائيلية الرسمية حول مفهوم الشرق الأوسطية يدرك بوضوح أن ميدان الاقتصاد والتكنولوجيا والتنمية هو ميدان المعركة المقبلة التى تستعد لها إسرائيل .. وتضم الوثائق الإسرائيلية المعنية بقضية الشرق أوسطية بيانات هامة تقارن بين أداء الاقتصاديات العربية والاقتصاد الإسرائيلى وكان لافتا أن إسرائيل لا تخفى ضرورة بقاءها واحة للديمقراطية والتنمية والنهضة فى الشرق الأوسط .. ومن هنا فإن التجسس الاقتصادى ليس مستغربا على الإطلاق .. ويشير الدكتور ثابت إلى ما تردد فى القاهرة قبل سنوات من وجود عدد كبير من الجواسيس والعملاء كانوا يحاولون جمع المعلومات حول مصانع النسيج التقليدية فى منطقة شبرا الخيمة فى مصر ويضيف ثابت أن صناعة النسيج كانت واحدة من الصناعات التى تتميز بها مصر فى المنطقة وهذه المصانع المتعددة فى شبراالخيمة تقوم بدور بارز فى مسيرة الاقتصاد المصرى ويتم الاعتماد عليها فى سد احتياجات السوق المحلى والتصدير للخارج أحيانا وقد سعت إسرائيل لجمع معلومات عن هذه المصانع بكل الوسائل .. كما تردد أيضا أن بعض المهام التى حملها الجاسوس عزام عزام .. كانت تقديم معلومات إقتصادية عن بعض المصارف المصرية و حركة الإستثمارات العربية فى مصر .. وبالتالى فإن الهدف واضح وهو جمع أكبر عدد من المعلومات عن هذه الشركات. التجسس على المشروعات الدكتور حمدى عبد العظيم الخبير الإقتصادى يشير أيضاإلى أن التجسس الإقتصادى يعد واحدا من وسائل المواجهة فى عصر العولمة .. ولكن الدولة العبرية وسعت هذا المفهوم ونقلته من نطاق التنافس بين الشركات إلى الصراعات الإقليمية بين الدول واستخدمت تلك الوسيلة لإستمرار الصراع العربى الإسرائيلى على أسس و أولويات وأوراق لعب جديدة .. ويشير عبد العظيم إلى أن المشروعات التى تلهب خيال رجال المخابرات الإسرائيلية تتركز على عمل الأجهزة الصناعية ومدى النهضة التى تشهدها المصانع وطبيعة الماكينات المستخدمة خاصة فى بعض الصناعات التقنية عالية المستوى .. ويضاف إلى ذلك أيضا الإهتمام الخاص الذى تبديه الدولة العبرية بالأنشطة المصرفية إذ تحدد هذه الأنشطة طبيعة التوجهات الاقتصادية والتجارية العامة فى المجتمع وتكشف عن الصفات الدولية التى تعقدها الدول أو المؤسسات الإقتصادية العربية .. ويمكن لإسرائيل من خلال متابعة الأنشطة المصرفية العربية أن ترسم خريطة كاملة لحدود وآفاق الإقتصاد العربى والشركات التى يتعامل معها العرب حول العالم .. وطبيعة الخامات التى تستخدم فى المصانع العربية ومستوى المعدات والآلات .. واحتمالات التفوق النوعى للعرب فى عدد من المجالات الاقتصادية والصناعية. سرقة الافكار او افشالها وهنا يبرز السؤال .. كيف تستخدم إسرائيل هذه المعلومات الاقتصادية وكيف تنتفع بها فى صراعها مع العرب ؟ عبد العليم محمد يرى أن الخطة واضحة فجمع أكبر قدر من المعلومات حول الأنشطة الاقتصادية والمشروعات الكبرى يمهد الطريق أمام إسرائيل لضرب العديد من المشروعات سواء بتطويق بعض الصفقات الاقتصادية الكبرى لصالح العالم العربى .. أو من خلال سرقة الأفكار الاقتصادية العملاقة والمؤثرة والتى يمكن أن تغير خريطة التوازن الاقتصادى فى الشرق الأوسط لصالح العرب .. وقد تقوم إسرائيل بسرقة هذه الأفكار ومحاولة تطبيقها .. أو إفشالها نهائيا من خلال النفوذ اليهودى الكبير فى العواصم الأوروبية .. وليس من المستغرب أن تقوم الدولة العبرية بهذه الممارسات خاصة إذا راجعنا محاولات تل أبيب إلى خلق قناة مائية إستراتيجية منافسة لقناة السويس فى مصر وهى قناة إيلات إشدود .. وقد كان هذا المشروع يشغل إسرائيل وسخرت له العديد من الدراسات العلمية ودراسات الجدوى ولولا أن طبيعة الأرض فى فلسطين المحتلة لا تسمح بإنشاء مثل هذه القناة لنجحت إسرائيل فى ضرب مستقبل قناة السويس المصرية والتى تعد أحد أهم مصادر الدخل القومى فى البلاد .. فالخطة واضحة هي ضرب هذه المشروعات الكبرى على الأراضى العربية لشل عملية التنمية الاقتصادية وإنفراد الدولة العبرية بالتألق فى الشرق الأوسط .. وما يزيد الأمور تعقيدا فى مجالات التجسس الاقتصادى أن المعلومات الدقيقة يمكن جمعها بسهولة حسب تقدير أمين هويدى .. فالعاملون فى القطاعات الإقتصادية لا يتمتعون بالحس الأمنى الذى يتمتع به العاملون فى المجالات العسكرية والسياسية .. كما أن تقديم هذه المعلومات هدية إلى الموساد قد يبدو عملا سهلا من خلال الثرثرة العادية للمشاركين فى هذه المشروعات ولذلك فإن البلدان العربية عليها أن تتنبه إلى هذا الخطر وتدرك أن الأمن الاقتصادى وحماية المنشآت الاقتصادية والمشروعات العملاقة من التجسس عمل هام ويستحق العناية والتدقيق وفى رأى أحمد ثابت أن الشركات العربية يجب أن تدرك أن الصراع لم ينته بعد وأن هذه الشركات هى اهم الأهداف الإسرائيلية اليوم ولذلك يجب البحث عن سبل علمية لزيادة الوعى العام لدى هذه الشركات بالحفاظ التام على سرية المعلومات .. وإعداد دورات تدريبية للعاملين بالمؤسسات أو الوزارات أو الهيئات الحكومية العربية حول كيفية التعامل مع سرية المعاملات المصرفية .. وهذه الهيئات ينبغى أن تعمل بتنسيق كبير فى هذا الإطار حتى لا تتعرض للاختراق وربط هذه الجهود فى المقاومة بالأهداف النبيلة للنهضة القومية العامة .