بيان الاربعاء : تعامل الاتحاد الاوروبي في البداية بحذر شديد تجاه الازمة التي بدأت تشتد في التسعينيات حتى بلغت مستوى الفضيحة عام ,1996 ففي محاولة للتستر على فضيحة بريطانيا, بلجيكا, هولندا, وعد الاتحاد الاوروبي بتعويض بريطانيا خسائرها جراء المرض الذي اصاب ماشيتها. وفي تطور لاحق ناقش الاوروبيون مرض جنون البقر وابعاده, وطرحوا مقاطعة للحوم البقرية البريطانية حتى تتخلص بريطانيا من كل اللحوم المصابة, وذلك ما دفع البريطانيين إلى اشعال محارق البقر لاعدام عشرات الآلاف من الماشية عام ,1996 وهو الامر الذي تسبب في خسارة دبلوماسية ومالية لبريطانيا بشكل كبير. المقاطعة لم تشمل فقط اللحوم البريطانية لكنها شملت اللحوم الهولندية والبلجيكية بالتتابع ثم الفرنسية, اذ ان هذه الدول استوردت لحوما بريطانية أو انها استخدمت اعلافا مخلوطة ببقايا المجازر. في المانيا, صوت البرلمان الالماني على حظر كامل لاستخدام اللحوم والعظام في علف الحيوانات في اعقاب حالات واصابات بنفس المرض داهمت قطعان ماشيتها, وصدر اعلان عن وزير الصحة الالماني باخضاع جميع رؤوس الماشية المذبوحة التي تتجاوز 30 شهرا من العمل لفحوصات لمعرفة ما اذا كانت مصابة بمرض جنون البقر أو كما يسمونه (الاعتلال الدماغي الاسفنجي) لدى البقر. كان متوقعا في المانيا ان يؤثر هذا القرار على 6.1 مليون من رؤوس الماشية في المانيا سنويا, لكن الاتحاد الاوروبي كان يعتزم اتخاذ مثل هذه الاجراءات بحلول عام 2001. تطبيق الحظر شمل كافة الحيوانات الداجنة بما فيها الخنازير والدجاج والاسماك اضافة للماشية والخراف والماعز التي كانت اصلا تخضع لحظر مماثل منذ 1994. وفي المانيا اشارت التقارير إلى ان التلوث حاصل بفعل استخدام مصنعي الاعلاف نفس ماكينات الطحن لاطعمة الحيوانات بنوعيها وهو خطر مباشر لم ينجحوا في القضاء عليه. برلمان المانيا طالب بمعرفة مصدر اللحوم البريطانية لحماية المستهلكين من المخاطر المحتملة لمرض جنون البقر وذلك مما ازم العلاقات الالمانية ـ البريطانية. و كانت المانيا قد عارضت تحريم العلف الحيواني الذي كان يستخدم للحيوانات التي تأكل الاعشاب مثل الطيور كالدجاج, والاسماك, والخنازير, وكانت فرنسا الوحيدة التي قررت تحريم استخدام هذا النوع من الاعلاف. لكن الاجتماع الاخير للاتحاد الاوروبي شهد تغييرا في الموقف الالماني من التحريم بعد اكتشاف اكثر من 100 حالة اصابة بجرثومة جنون البقر. اما هولندا الشريك لبريطانيا في فضيحتها فقد ظل بيع وتصدير لحوم ابقارها متراجعا وبصورة خطيرة داخل وخارج هولندا, ومما زاد من حدة خسائر دول الاتحاد الاوروبي اعلان المفوض الاوروبي لشئون الزراعة في نهاية عام 1999 انه قد ثبت علميا ان المرض يصيب الماعز والخراف اذ ينتقل بالعدوى للاغنام مما يزيد من حجم المشكلة. ثماني دول كانت رفضت قرار الاتحاد الاوروبي بمنع دول الاتحاد من استخدام اعضاء الماعز والخراف كغذاء للابقار للحد من تزايد الاصابة, هي بلجيكا, الدنمارك, المانيا, فنلندا, اليونان, ايطاليا, النمسا, البرتغال, ووصف رفض هذه الدول بأنه موقف غير مسئول امام تفاقم المشكلة وتزايد المخاطر من اللحوم المريضة التي تنتقل للانسان وتؤدي لوفاته. بلغت خسائر الاتحاد الاوروبي نتيجة الازمة 60 مليار فرنك بلجيكي منذ نشوبها, وبقيت مئات الآلاف من الاطنان ومثلها من رؤس الابقار الحية مكدسة لدى التجار والمزارعين ومربي الماشية في بلدان الاتحاد خاصة بريطانيا, ولم يجدوا وجهة لتصريفها. واشارت تقارير مؤكدة ان مبيعات لحوم الابقار في اوروبا قد انخفضت بنسبة بلغت 11%, واشتدت المطالبة باتخاذ اجراءات سريعة لتصريف اللحوم السليمة من الابقار البريطانية لحل مشكلة تكدس اللحوم بالمجازر والثلاجات. ومع هذه الدعوات تصاعدت التحذيرات من ارتكاب اخطاء من شأنها تعقيد المشكلة, رغم ان الاتحاد الاوروبي بدأ في عمليات تنظيف وتطهير منظمته من الابقار المجنونة واعدامها. كانت خطة الاتحاد الاوروبي محاولة الموازنة بين اعدام الابقار أو اللحوم المريضة وبين مشكلة تكدس اكثر من 5.1 مليون طن من لحوم الابقار التي لا تجد وجهة لتصريفها, ورأى محللو اوروبا ان الاتحاد الاوروبي لن يستطيع على المدى الطويل التخلص من هذه الكميات من اللحوم أو تعويض اصحابها بالمبالغ المطلوبة. ولعل هذه الاسباب هي التي دفعت الاتحاد الاوروبي إلى الغاء الحظر على لحوم بريطانيا للتخفيف من حدة الخسائر, لكن رفع الحظر هذا له وجه اخر, اذ سيوصم جميع اللحوم الاوروبية بالحظر وبالمخاوف من وجود مرض الجنون البقري, كما ان رقعة الخوف تتسع لتصل ما وصلت اليه عام 1996 وهذا ما عبرت عنه بلجيكا وهولندا, ويرى المحللون ان مصلحة الاتحاد الاوروبي هي التي ستنتصر في النهاية. جنون البشر وجد العلماء ان المرض ينتقل للانسان عن طريق اللحوم المصابة أو عن طريق الدم حتى وان لم تظهر اعراضه على المصاب مباشرة, ويسمى المرض عند انتقاله للانسان باسم كرويتسفلد ـ جاكوب. انتقال المرض للانسان كان للمرة الاولى في منتصف الثمانينيات عندما كشف عن المرض لأول مرة حيث تسبب في مقتل اكثر من ثمانين شخصا في بريطانيا, ثم توالت الحالات, ثلاث في فرنسا, وعشرات في بلجيكا وهولندا, ثم المانيا, ثم اعلنت البرتغال واسبانيا عن وجود المرض فيها, الامر الذي دفع المزارعين للتظاهر مطالبين بتعويضات اضافية نتيجة الخسائر التي تكبدوها في هذه الازمة. وتذكر الدراسات العلمية ان مرض جنون البقر ينتقل للانسان اذا تناول مئة جرام من اللحم المصاب, ويؤدي هذا إلى حدوث نزف في اسفنجية المخ مما يسفر عنه الوفاة أو الشلل التام. ومن ضمن من اصيب به الاطفال الرضع, واشارت التقارير العلمية إلى ان اغذية الرضع والوجبات المدرسية قد تكون سببا رئيسيا في انتقال المرض إلى الانسان. ويقول الدكتور روبرت ويل رئيس وحدة المراقبة لمرض كرويتسفلد ـ جاكوب (وهو الاسم العلمي للمرض) في بريطانيا ان طرق معالجة اللحم في الثمانينيات قد تكون ادت إلى وصول اللحم المصاب بالمرض للاطفال. ويضيف د. ويل: ربما يكون ذلك هو السبب في ان الشكل الجديد للمرض ينتشر اكثر بين صغار السن, مشيرا إلى ان اغذية الرضع والوجبات المدرسية في الثمانينيات احتوت على بقايا عالقة باجسام الذبائح استخرجت بشكل آلي بواسطة خراطيم مياه قوية وجمعت لاستخدامها في انتاج انواع رخيصة من الاغذية. ويشير ايضا إلى انه ربما كانت الوجبات سابقة الاعداد من البيرجر والنقانق ولحم الرأس تحتوي على بقايا من العمود الفقري وهي اكثر الاماكن اصابة بمرض جنون البقر في الماشية, ولذا فان الصغار الذين يأكلون هذه المنتجات اكثر من الكبار هم اكثر عرضة للاصابة به. وبعد ظهور ادلة على ان المرض ينتقل للبشر عن طريق الدم بدأت عدة دول تمنع تبرع أي ممن عاشوا في بريطانيا اثناء انتشار الوباء هناك بدمائهم. ومن هذه الدول امريكا, كندا التي حددت انها ستمنع كل من عاش في بريطانيا ستة اشهر أو اكثر في الفترة من عام 1980 حتى عام 1996 من التبرع بالدم, استراليا درست هذا الامر وتوصلت ايضا لنفس الاجراءات وتحذو حذوها اليابان. وتفيد تقارير الصليب الاحمر بان اتخاذ قرار كهذا سيكون له اثره البالغ على امدادات الدم التي قدرت بين استراليا وبريطانيا وحدها 20 الف ليتر سنويا اي بنسبة 3% سنويا.ويرى العلماء ان بعض الاشخاص مهيأون وراثيا للاصابة بالمرض اكثر من غيرهم, والمرض كما اشير يصيب المخ ويعد من الامراض القاتلة التي لا تمهل المصاب بها. وتذكر التقارير الطبية ان اعراض المرض تظهر مباشرة على المريض حيث يتكاثر الفيروس في خلايا جهازه المناعي وفي اعضائه مثل الطحال وغيره ولكن معدل الاصابة في سائر اعضاء الجسم المختلفة منخفض للغاية. الازمة من جديد اشتعلت الازمة من جديد صيف هذا العام بعد ان كانت بعض الدول مثل المانيا قد قررت رفع الحظر على اللحوم البريطانية في مارس الماضي, لكن فرنسا كانت الوحيدة التي ابقت على الحظر مما دفع بريطانيا إلى مقاضاتها في الاتحاد الاوروبي. دفع ذلك اوروبا لتدارس موقف دولها من جديد ازاء الازمة فعقدت اجتماعات لوزراء الزراعة لدول الاتحاد الاوروبي خاصة بعد موجة الذعر التي اجتاحت اكثر من دولة اوروبية واثارت مع ظهور المرض من جديد تزايد عدم الثقة في اللحوم الاوروبية. واول رد فعل على هذه الازمة كان قرارات بريطانيا باخضاع وارداتها من اللحوم لعمليات تفتيش دقيقة وتدقيق صارم للتأكد من سلامتها وصلاحيتها قبل السماح لها بالدخول إلى اراضيها, حيث تزايدت شدة الاصابة بالمرض في فرنسا وايرلندا والبرتغال. اتخذت الدول الاوروبية قرارا اشد قسوة من قرارات بريطانيا فقاطعت بدورها لحوم الابقار الفرنسية, وكانت ايطاليا اول من اوقف رسميا استيراد لحوم الابقار الفرنسية. وجاء قرار المفوضية الاوروبية بعدم ذبح الماشية التي لم تتجاوز 30 شهرا واخضاعها بعد هذا السن إلى الاختبارات الخاصة بجنون البقر, كخطوة ثانية خرجت إلى النور بعد جدال حاد داخل الاتحاد الاوروبي. ثم وفي خطوة لاحقة وافق وزراء الزراعة الاوروبيون على اجراء اختبارات المرض على كل الماشية المعرضة للاصابة به والتي تبلغ اعمارها اكثر من ثلاثين شهرا, وكانت دول الشمال الاوروبي والنمسا قد عارضت هذا الاجراء اذ لديها حالات قليلة لا تحتاج إلى خطط توسيع قاعدة الاختبارات, بينما رأت دول اخرى ان هذه خطوة مهمة لاعادة ثقة المستهلك. وحدد عام 2001 كبداية لمرحلة اختبارات فعلية, وكانت لجنة الصحة الدائمة بالاتحاد الاوروبي قد اجرت الفحص على 170 الف حالة ولم تعلن النتائج على الرأي العام الامر الذي دفع المفوض الايرلندي لتوجيه نقد لاذع للجنة الاوروبية مطالبا بمزيد من الشفافية وعدم استخدام اجندة اوروبية سرية. يبقى ان نشير في النهاية إلى ان ازمة وفضيحة جنون البقر, تتعرض لنا أو نتعرض لها مع نقص في وجود الخبرة العربية أو الخليجية اضافة لعدم وجود مختبرات مختصة بالكشف عن المرض, وتبقى حياتنا معلقة بشعرة ضمير اوروبا التي قد تغلب مصالحها على ما سواها.