بيان الاربعاء : عدة ملايين من الاطنان من لحوم الماشية البريطانية ومثلها اوروبية ترقد في ثلاجات اوروبا بانتظار حرقها مسببة خسائر مادية فادحة, أو تحريرها مسببة خسائر بشرية فادحة بسبب ما هي مصابة به من جنون بقري. وجنون البقر, مرض اصاب اول بقرة عام 1984 في بريطانيا ولهذا سمي بجنون البقر رغم انه يصيب المواشي والانسان ايضا, واسبابه كثيرة اهمها مجهول وما عداه يعزى إلى الاعلاف التي تصنع من عظام المواشي النافقة ومن بعض احشائها. في بريطانيا وحدها, يرقد 613 الف طن من اللحم البقري مقطعة ومعلبة ومعبأة هي ناتج اكثر من 6.4 ملايين بقرة بريطانية, في ثلاجات تنتظر مصيرها, فأما المحرقة التي ستحرق اموال اصحابها ومصدريها واما ان تباع خارج اوروبا لتقضي على آلاف من البشر.مرض خطير وسلوك اوروبي اخطر ان جاز التعبير يعالج هذه الازمة التي تعصف منذ 1984 باوروبا وبنا, فما هي حقيقة هذه الازمة, وكيف تراها اوروبا, وما الوقائع المختفية خلفها؟ من بقرة واحدة, انطلق جنون البقر موديا بملايين الرؤوس من الماشية, كانت البداية قبل ايام من اعياد الميلاد عام 1984 عندما استدعي الطبيب البريطاني البيطري ديفيد بي لفحص بقرة مريضة تتصرف بغرابة, لوحظ عليها ترنحها وانقصام ظهرها ثم سقوطها وصراخها المجنون. وخلال ستة اسابيع نفقت 133 بقرة, ثم مضت سبعة اشهر كانت المختبرات البريطانية تعمل فيها بجنون لتعلن لحكومة بريطانيا ان هناك مرضا اسمه (جنون البقر) وبمرور الوقت اصيبت قطعان من الماشية افزعت بريطانيا وتجار اللحوم.شُخّص المرض على انه ناتج عن الاعلاف التي تعطى للابقار, وفي يونيو عام 1987 بدأت الجامعات البريطانية بدراسة المرض واسبابه, ثم رشح ان الاعلاف التي تصنع من لحوم مواشي نافقة أو عظامها تسبب ذلك المرض, لكن ذلك لم يحل الامر, فملايين ان لم نقل مليارات الدولارات سيقضي عليها اللحم المجنون اذا ما تم اتلافه. ومثلما كانت بريطانيا مسرحا لفضيحة اللحم المجنون, كانت هولندا وبلجيكا مسرحا شهد طمس معالم هذه الفضيحة, وذكرت التقارير تورط هذين البلدين بتزوير الشهادات لتهريب ملايين الاطنان من اللحوم المريضة إلى مختلف دول العالم بعد تبديل الاختام عليها وتغيير شهادات المنشأ, وتغييرها باختام وشهادات بلجيكية. آلاف ان لم نقل ملايين الاطنان من هذه اللحوم تم تصديرها إلى دول عديدة منها فرنسا, روسيا, اسبانيا, مصر, البوسنة, وبعض الدول الافريقية الفقيرة, حتى عثر على ثلاثة آلاف طن من اللحوم البريطانية المصابة في موانىء هولندية قبل تهريبها إلى دول عربية بمستندات تصدير وشهادات منشأ بلجيكية مزورة, اعدمتها وزيرة الصحة البلجيكية, ثم تم ضبط اربعة آلاف طن غيرها ملوثة بمرض جنون البقر. طالت الفضيحة شركات بلجيكية في عمليات التزوير القذرة هذه مقابل مكاسب مالية ضخمة ثم اتجهت لتصيب الحكومة البريطانية التي تكتمت على هذه العمليات, وكشف عن ان اللحوم البريطانية يتم تهريبها عن طريق ايرلندا الشمالية حيث تذبح هناك إلى بلجيكا وهولندا فتغير اختامها والاوراق الخاصة بها. الاتحاد الاوروبي ادان هذه الفضيحة وتستر هولندا وبلجيكا رغم علمهما بها, لكن حكومتا البلدين اتفقتا على كتم الامر خوفا من ثورة واحتجاج الشعبين الهولندي والبلجيكي, وخوفا من مطالبة مئات الاشخاص بتعويضات, اضافة للحفاظ على علاقاتهما مع الدول التي تم التصدير اليها. وواقع القانون البلجيكي يتيح للمستوردين البلجيكيين اعادة تصدير ما استوردوه من لحوم مرة اخرى, لكن اللعبة تكمن في الاستبدال, ففي الفترة التي تبقى اللحوم في الثلاجات فيها, تنتج خلالها آلاف الاطنان من لحوم بلجيكية ويقوم البعض باستبدال اللحوم البلجيكية المسموح بتصديرها بلحوم اخرى مصابة, وبعض الشركات تستخدم المستندات البلجيكية الأصل للحوم البريطانية. الجنون البقري والاعلاف منذ بداية الكشف عن فضيحة اللحم البقري المجنون, كانت هناك اشارات عديدة عن الاعلاف كمصادر لهذا المرض, اذ تتناول الابقار اعلافا مخلوطة ببقايا اللحوم الميتة والعظام ومخلفات المجازر وفضلات الاسماك. ومنذ ذلك الوقت سعت الدول الاوروبية لتبرئة ساحتها من وجود هذا المرض في ثروتها الحيوانية محاولة ستر الفضيحة والخسائر المادية الكبيرة التي اصابت بريطانيا في محاولة لابقاء الاسواق العالمية بما فيها الاسلامية والعربية مفتوحة امامها. وكمحاولة لردم هذه الهوة وعد الاتحاد الاوروبي بتعويض بريطانيا عن تلك الخسائر, لكن فضيحة جنون البقر والاعلاف المخلوطة ببقايا ومخلفات المجازر اطلق النيران ضد اللحوم الاوروبية ووضع مؤسساتها الاسلامية في مواجهة هذه النيران. كانت الدول الاسلامية تركز سابقا على اللحوم المذبوحة بالطريقة الاسلامية اي وفقا للشريعة الاسلامية والذي يتضمن عدم استخدام اساليب اخرى كالصعق الكهربائي أو الطرق على الرأس أو الشنق أو التخدير. وبتفجير فضيحة اللحم المجنون اصبحت هناك ضرورة للتأكد من منشأ هذه الحيوانات ومراقبة اسلوب تسمينها وذبحها اذ تدخل قضية الاعلاف المخلوطة ببقايا المواشي الميتة في اطار المحرمات التي يحظر على المسلمين تناولها شرعا. ورغم كل الاجراءات التي اتخذت, فشلت بلجيكا في حماية لحومها واستعادة السمعة الطيبة للثروة الحيوانية البلجيكية التي اهتزت عالميا بشكل كبير وتسببت بخسائر قدرت بمليارات الفرنكات. كانت من نتائج ذلك الفشل ان حظرت العديد من الدول الاوروبية والعربية استيراد اللحوم البلجيكية خوفا من عمليات التزوير, ومثلها فقدت هولندا مستوردي لحومها. فضيحة جديدة تفجرت الفضيحة مرة اخرى عام 1996 عندما كشف عن ان المسالخ الاوروبية لم تخضع للقوانين الخاصة بعمليات الذبح, اذ تنص هذه القوانين على تعليق الذبيحة فور الانتهاء من ذبحها مباشرة في ثلاجة بدرجة حرارة 1 درجة مئوية لمدة 24 ساعة حيث تظهر عليها اعراض المرض خلال هذه المدة ان وجدت بالطبع. وتذكر التقارير انه يجري بعد ذلك تقطيع اللحم حيث تتم عملية التجميد السريع, ومن الممكن ـ وفق هذه التقارير ـ ان تظل اللحوم مجمدة من شهر إلى شهرين, بل قد تمتد فترة التخزين في اوروبا إلى خمس سنوات في درجة حرارة 16 تحت الصفر. والمعروف انه لدى اوروبا خطط استراتيجية تقضي بوجود مخزون كبير لحين بيع أو تصدير هذه اللحوم, بجانب امكانية تصدير لحوم مرّ على ذبحها خمسة اعوام, وما تحمله هذه اللحوم من مخاطر لتراكمها هذه الفترة بجانب اضمحلال فوائدها الغذائية. وتذكر تقارير كثيرة ان ما يحدث بعيدا عن اعين القانون يحمل كثيرا من الخطر والمرض والموت في طيات اللحوم فهي اضافة لما اسلفنا تذبح بطرق غير صحية وغير قانونية, واذا ما بحثنا عمن وراء ذلك نجد الكثير من المنتفعين والمتورطين في منحها الشهادات الكافية واللازمة لتصديرها للدول الاسلامية والعربية. الخطورة لم تتوقف عند حدود اصابة قطعان الماشية بل تعدتها إلى اصابة البشر وبظهور حالات كثيرة مصابة بمرض (جنون البقر) يصبح الامر اكثر من فضيحة, بل انه يدخل في عداد الجرائم اذا علمنا ان الدول الاوروبية معنية اكثر بردم خسائرها ومعالجة هذه الفضيحة عدا عن التناحر بينها حول المسئولية الملقاة على عاتق المتسببين بها, فماذا فعل الاتحاد الاوروبي والدول الاوروبية لتلافي هذه الفضيحة والازمة.