شكلت المجازر التي وقعت ليلة السبت والاحد اثقل حصيلة بالجزائر منذ مطلع شهر رمضان في هجوم إرهابي استهدف مدرسة ثانوية بمدينة المدية على 100 كلم جنوب العاصمة قتل فيه تسعة عشر طالبا ومراقب الحراسة وجرح ستة آخرون. وقال جرحى عاينتهم (البيان) أول أمس بمستشفى المدينة ان الهجوم وقع عليهم الساعة العاشرة ليلا بتوقيت الجزائر ــ الواحدة صباحا بتوقيت الامارات ــ في مرقدهم عندما كانوا في جلسة سمر بعد صلاة التراويح وحصة المراجعة التي تدوم عادة ساعة واحدة, وكانوا ينتظرون الساعة الحادية عشرة لتناول السحور والركون للنوم. وسمعوا ضجيجا في الرواق المؤدي الى المرقد أعقبه إطلاق عيارات نارية. وقال فتحي وهو تلميذ في القسم النهائي ثانوي شعبة التسيير: (سمعنا الرصاص وتيقنا أن ثمة هجوما إرهابيا فاختبأنا تحت الأسرة لكن المجموعة اقتحمت المكان وأطلقت النار بكثافة, وأثناءها سمعت أحدهم يقول للآخر ــ اقتلهم جميعا يا جمال... لا تدع أحدا يفلت منك, ثم أصبت ووجدت نفسي في اللحظة غارقا في بركة من دم زملائي ــ وأجهش بالبكاء ــ (أما حميد وهو طالب وهو أيضا في الصف النهائي فكان مصدوما ولم يصدق أنه نجا بعد أن اخترقت جسده الصغير ثلاث رصاصات وقال: (كنت تحت سريري مختبئا لكن أحد الإرهابيين رآني فأطلق علي وابلا من الرصاص أحسست أثناءها أن رجلي اقتلعتا من جسدي) وقال: (إن الإرهابيين أطلقوا نار رشاشاتهم صوب الباب فكسروا المفتاح ثم أخذ اثنان منهم يرميان الرصاص صوب الطلاب ولحقوا حتى زملاءنا الذين فروا الى دورة المياه فقتلوهم هناك). لكن محفوظ وهو أيضا أصيب في العملية قال ان الإرهابيين أرغموا تلميذا من القسم الأدنى لطرق باب المرقد فلما فعل وفتح له أحد الطلاب الباب دخل الإرهابيون بعد ان قتلوا الطالبين معا ونفذوا الجريمة في رمشة عين. وتطابقت أقوال الطلاب والحراس حول السرعة التي تم بها الهجوم حتى ان أحدهم لا يستبعد أن يكون من المهاجمين من يعرفون المكان جيدا وحامت الشكوك حول إرهابي كان قد درس بنفس الثانوية والتحق بالجماعات الارهابية عام 1994 وهو لا يزال على قيد الحياة حسب مصدر أمني. (ابك ... ابك هو وقت بكاء) وفي أحد أروقة المستشفى كان جمع من عائلات الضحايا رجالا ونساء, لا يجد منهم من يواسي الآخر, استرجع أحدهم أنفاسه وقال وهو يمسح الدموع من عينيه: (هذه هي الدنيا ... بعثناهم ليدرسوا ويتعلموا فعادوا إلينا جثثا في صناديق خشبية... ووضع وجهه بين يديه وبكى بصوت عال كالطفل, وكانت مواساة امرأة مسنة مرافقة له تكون أمه أن قدمت له منديلا وقالت له: (ابك ... ابك... هو وقت بكاء). وكأن الوالدة العجوز شعرت أن البكاء يريح ابنها من الفاجعة التي ألمت بالعائلة وحولت آمالها فجأة الى آلام. فالرجل فقد وحيده الذي أجهد نفسه لنيل شهادة البكالوريا في يونيو المقبل وفتح باب المستقبل على مصراعيه بعد الالتحاق بالجامعة أمل كل شباب الجزائر. وحدثنا موظف بالمدرسة المنكوبة أن هؤلاء الطلاب الذين قتلوا كلهم من الصف النهائي الذي يستعد لامتحانات آخر المرحلة الثانوية وهي البكالوريا التي تمكنهم من الالتحاق بالجامعة, وقال إن معظمهم ينحدر من عائلات ريفية متواضعة, تدرس أبناءها بشجاعة نادرة وتدفع مصاريف دراستهم على حساب عيشها اليومي. وأضاف أنهم من مناطق بن شكاو وأولاد إبراهيم والعمارية وهي مناطق ملتهبة فعل فيها الارهاب ما فعل ففقر سكانها وأرغم المئات على الهجرة وترك أرزاقهم وممتلكاتهم والعيش عيشة الفقر في مناطق أخرى. موسم الرعب والهجرة الى الشمال وتوجد مدينة المدية في قلب الدمار الذي حل بالجزائر منذ تسع سنوات وكانت من أكثر مناطق البلاد تضررا حيث تلتقي بها كل الفصائل الارهابية وتتسابق لتنفيذ أكبر عدد من العمليات وقتل أكبر عدد من الناس من مختلف الفئات وتربطها بولايات البليدة والشلف وتيسمسيلت وتيارت وعين الدفلة سلاسل جبلية كانت على الدوام ملجأ للجماعات الارهابية المختلفة, وحتى حي (قطيطن) الذي توجد فيه الثانوية المنكوبة كان قد شهد عام 1997م هجوما إرهابيا من الجماعة الاسلامية المسلحة خلف 37 قتيلا ينتمون الى عائلات تساند الجيش الاسلامي للانقاذ. وفسر الهجوم وقتها على أنه رسالة من الجماعة لجيش الانقاذ الذي أعلن وقف العمل المسلح بعد مفاوضات مع أطراف في السلطة. ويعد قتلى ولاية المدية منذ اندلاع الأعمال الارهابية بالبلاد مطلع عام 1992 بالآلاف كما فرت قرى بكاملها لتضاعف متاعب الدولة في المدن وتوسع مساحات الأحياء القصديرية التي تسمى أيضا أحزمة البؤس في المدن الكبرى. وصرح سكان من المدية لـ (البيان) ان موجة الهروب من القرى عادت هذه الأيام الى ما كانت عليه قبل سنوات حين كانت الولاية كتلة من اللهيب تلتهم يوميا عشرات من الناس. ولم يخف العديد منهم أن الخطر لم يعد في الأرياف فحسب بل دخل المدينة بدليل أن المدرسة الثانوية هذه استطاع الإرهابيون دخولها وقتل عشرين شخصا فيها وهي تقع داخل المدينة ولا تبعد عن مركزها بأكثر من ثلاثة كيلومترات. تركنا مدينة المدية غارقة في الأحزان وهي تودع للمرة الألف أبرياء قتلوا غدرا وتفتح فصلا جديدا من فصول مراسيم الدفن الجماعي, وعدنا أدراجنا قبل حلول المساء لأن الطريق الوطني رقم (1) الذي يربط المدينة بالعاصمة يخترق جبال الشفة الشامخة كثيفة الغابات التي نصب بها الإرهابيون على الدوام نقاط أمن كاذبة تسمى محليا (الحواجز المزيفة) وقتلوا فيها المئات.