معجزة تكفلت بادخال بوش جامعة يال ، العالم يتوقف امام سجال بين مذيعة ومرشح للرئاسة ــ (هل تعرف من هو رئيس الجمهورية الشيشانية؟ ــ كلا.. وانت؟ ــ هل تعرف من هو رئيس تايوان؟ ــ انه لي.. (اسمه الكامل هو: لي تنج هوي) ــ ما اسم الجنرال الذي يترأس الباكستان؟ ــ مهلا.. ماذا تقصد من هذه الاسئلة؟ ــ انها مجرد اربعة اسئلة حول اسماء اربعة رؤساء في بؤر توتر يشهدها العالم. ــ (حسنا, الجنرال الباكستاني الجديد تم انتخابه منذ فترة وجيزة. كلا لم يتم انتخابه في الواقع وانما استولى على السلطة بالقوة. لكن يبدو انه سوف يجلب الاستقرار لشبه القارة الهندية). ــ هل تعرف اسمه؟ ــ الجنرال.. لا اعرف اسم هذا الجنرال. ــ وما هو اسم رئيس وزراء الهند؟ ــ انه.. كلا لا اعرف.. لكن هل تعرف انت اسم وزير خارجية المكسيك؟ ــ كلا يا سيدي.. ولكنني لست مرشحا للرئاسة. جرى هذا الحوار في شهر نوفمبر من عام 1999 والسائل هو صحافي في احدى القنوات التلفزيونية في بوسطن.. اما المجيب فهو ليس سوى (جورج ولكر بوش) الرئيس الثالث والاربعين للولايات المتحدة الامريكية والذي سيكون اول رئيس امريكي في القرن الحادي والعشرين. هذا الكتاب الذي نقدمه لقرائنا عن (سيرة حياة) الرئيس الامريكي الجديد هو من تأليف صحفي فرنسي عمل لسنوات عديدة كمراسل لعدة صحف ومجلات فرنسية في (لوس انجلوس) بالولايات المتحدة الامريكية. وقد سمح له موقعه كـ (مراقب) اجنبي عايش عن قرب الحملة الانتخابية الرئاسية الامريكية دون ان يكون معنيا بها (مباشرة), بأن يكتب بقدر كبير من الموضوعية عن سيرة حياة (جورج ولكر بوش) وعن (مفاتيح شخصيته). صدر هذا الكتاب قبل اسابيع فقط وتحديدا في نهاية شهر اكتوبر الماضي. سنوات الطفولة والشباب مشى جورج. و. بوش خطواته الاولى في احدى منازل اوديسة بتكساس. كان ذلك عام 1948 وكان عمره عامين فقط. وكان الطفل الصغير قد وصل مع والدته بربارة بعد رحلة بالطائرة استمرت اثنتي عشرة ساعة حيث قدما من الشاطئ الشرقي للولايات المتحدة الامريكية, كان جورج بوش الاب قد سبقهما قبل اسبوع بحثا عن الثروة عبر العمل في ميدان صناعة البترول المزدهرة آنذاك في تكساس. استقرت اسرة بوش الاب والام والابن, في منزل صغير من غرفتين. كانت الاسرة الوحيدة التي تملك (ثلاجة) في الجوار, لكنها كانت تتقاسم غرفة الحمام مع امرأتين, ام وابنتها, كانتا تسكنان بالقرب منهما. وكان يمكن لمثل هذا المشهد ان يبدو كبداية فيلم سينمائي هوليوودي يحكي قصة اسرة بدأت من اسفل السلم, ووصلت الى قمة هرم الحلم الامريكي. لكن المظاهر قد تكون خادعة في كثير من الاحيان. ان جورج هيربير ولكر بوش الاب, هو سليل اسرة غنية, وكان ابوه (بريسكوت) مصرفيا قويا في وول ستريت وعضوا في مجلس ادارة عدد من المؤسسات الامريكية الكبرى مثل شركة (بان امريكان) للطيران واصبح عضوا في مجلس الشيوخ الامريكي ما بين 1952 و 1963. وكانت والدته دوروثي ولكر, ابنة اسرة وطأت اقدام اجدادها ارض القارة الامريكية في القرن السابع عشر واسس والدها اكبر بنك للاستثمار في نيويورك (بنك براون هاريمان اخوان) كما عمل كمستشار لحاكم نيويورك وبعده لرئيس الولايات المتحدة الامريكية فرانكلين دولاند روزفلت) هذه هي سلالة والد جورج ولكر بوش من ناحية ابيه, اما من ناحية امه (بربارة) فانها تمت بصلة قرابة مع الرئيس الامريكي الرابع عشر (فرانكلين بيرس) وكان والدها مديرا لدار نشر كبيرة هي (ماك كال) للنشر. يبدأ تاريخ جورج ولكر بوش قبل كل شيء مع تاريخ ابيه, وقد قال (جون ايلليس بوش) ابن عمه: (ان علاقة جورج ولكر بوش مع ابيه هي مفتاح فهمه), كان جورج بوش, الاب, قد درس في احدى مدارس الشاطئ الشرقي المعروفة قبل ان ينخرط في سلاح الجو الامريكي عام 1942. شارك في حرب الباسفيكي وعندما كان يقوم بمهمته الحربية الثامنة والخمسين اسقط اليابانيون طائرته لكنه خرج سالما وتابع الحرب ليخرج منها بميدالية عسكرية وبشهرة الابطال. وعندما عاد الى الولايات المتحدة الامريكية تابع دراساته في جامعة (يال) حيث برع في جميع الميادين من الرياضيات وحتى (البيسبول) وفي عام 1945 تزوج من (بربارة بيرس) حيث انجبا ابنيهما الاول جورج في السادس من شهر يوليو 1946 في نيوهافن. لم تبق اسرة جورج بوش, الاب, طويلا في مدينة اوديسة الصغيرة في تكساس حيث ذهبا للاقامة فترة من الزمن في فلوريدا حيث ولدت الابنة الثانية للاسرة (روبين) ليعودا بعدها الى تكساس, ولكن الى مدينة ميلاند الواقعة في قلب حقول الذهب الاسود وحيث كان يتواجد فيها عدد كبير من حملة الشهادات الجامعية الشباب الذين جاؤوا من اجل خوض تجربة العمل واملا بالثروة. في هذا المحيط الميسور والمتدين الى حد ما ترعرع جورج ولكر بوش. وفي عام 1950 عمل والده كتاجر مستقل ثم اسس عام 1953 مؤسسته الخاصة التي اطلق عليها تسمية (زاباتا بتروليوم) وهي الفترة التي قدم فيها المخرج السينمائي (ايليا كازان) فيلمه الذي لاقى نجاحا جماهيريا كبيرا تحت عنوان (زاباتا) بطولة مارلون براندو. وفي تلك الفترة كان جورج الابن يمضي اوقاته بين المدرسة وركوب الدراجات ومباريات (البيسبول, مع اقرانه. لكن في احد ايام خريف عام 1953 شهدت حياته الهادئة اول صدمة حقيقية. اذ في ذلك اليوم جاء والده ووالدته لاصطحابه من المدرسة, فما كان منه الا ان خف نحو السيارة كي يلقى اباه وامه واخته الصغيرة (روبين), لكن هذه الاخيرة لم تكن كالعادة في المقعد الخلفي, لقد توفيت قبل قليل بمرض ابيضاض الدم وعمرها اربع سنوات في احد مستشفيات نيويورك حيث كان يتم علاجها منذ عدة اشهر. كان جورج الابن يعرف بأن اخته مريضة لكنه لم يكن يتصور ابدا انها سوف تموت. لقد ترك فقدان هذه الطفلة آثاره لفترة طويلة لدى الاسرة. لقد وجد الفتى نفسه وحيدا مع امه بينما كان ابوه يجول في المنطقة من الصباح الى المساء بحثا عن النفط. وعلى الرغم من ولادة ابن ثان للاسرة هو جون ايلليس, المدعو بـ (جيب), في شهر فبراير 1953, فإن جورج الابن الاكبر احس بمسئولية ذلك اذ قال ذات مرة لرفاقه الذين قدموا لاصطحابه معهم للتسلية في الخارج: (انني لا استطيع القدوم معكم لأنه ينبغي علي ان ابقى مع والدتي التي تحس بالوحدة). لكن الحياة اخذت مجراها الطبيعي, الاب يمارس نشاطاته في مؤسسته ولكن ايضا في البحث عن تطوير الحزب الجمهوري وتأمين انتشار اكبر له في ولاية معروفة تقليديا بأنها تميل الى المعسكر الديمقراطي. اما جورج الابن فقد كان يتابع دراساته ويحرص على مشاهدة مباريات كرة القدم والبيسبول. ولقد اصبح له اخوة واخوات جدد هم نايل (1955) ومارفن (1956) ودوروثي (1959). وكانت اسرة بوش قد انتقلت عام 1955 الى منزل كبير مزود بمسبح وحيث كانت تستقبل الاصدقاء. وفي الوقت نفسه طور جورج بوش الاب, شبكة علاقاته, اذ ساهم في اغلبية النوادي والجمعيات لمجتمع (ميرلاند) الراقي وكان يقبل جميع الدعوات الموجهة له. ضمن هذا الجو كبر جورج الابن بعيدا عن الهموم الصغيرة ولا يحلم سوى بأن يصبح لاعبا في البيسبول مثل بقية الاطفال من سنه. وفي عام 1959, ونظرا للنمو الكبير الذي عرفته شركة (زاباتا بتروليوم) انتقلت الاسرة الى مدينة هيوستن, اكبر مدن تكساس. وفي هذه المدينة طور جورج بوش الاب نشاطات شركته, لكنه طور ايضا نشاطاته السياسية مستفيدا من تواجد اعداد كبيرة من رجال الاعمال الذين قدموا من الشاطئ الشرقي لأمريكا مثله والذين كانوا يميلون للأفكار المحافظة. في تلك الاثناء ترك جورج الابن المدرسة العامة والتحق باحدى المؤسسات التدريسية الخاصة التي يتردد عليها ابناء الطبقة العليا السياسية, الاقتصادية في المدينة. ويشير بعض المقربين من الاسرة الى انه بدأ في سن الثالثة عشرة يميل الى ان يصبح نسخة عن والده, وانما اقل اكتراثا واكثر كلاما. لكنه بدا بالوقت نفسه اكثر قربا من حيث مزاجه الى والدته العفوية وانما خشنة الكلام احيانا. وقد قال جورج الابن فيما بعد بأنه يملك (عيني ابيه ولسان امه). في عام 1961 اقترح والدا جورج الابن عليه الذهاب للدراسة في (اندوفر) في المدرسة الشهيرة التي كان والده قد درس فيها قبل عشرين عاما. لم يكن متحمسا للذهاب وحده الى الشاطئ الشرقي لأمريكا, لكنه نفذ مع ذلك اقتراح والديه تمشيا مع تراث الاسرة. وعندما وصل الى اندوفر عانى بعض الشيء قبل ان يجد مكانه. كان طالبا متوسطا وقد ارتد نحو هواه, اي الرياضة. لكنه كان رياضيا متوسطا ايضا حيث اصبح مسئولا عن تحريض المشاهدين للمباريات ودعم فريقه بأكبر ضجة ممكنة اثناء مباريات كرة القدم وكرة السلة والبيسبول. وكان يلعب من وقت لآخر كـ (احتياط) هكذا انصرف مدة تقارب الثلاث سنوات عن دروسه ولكن ايضا عن الاهتمام اي شيء في العالم الخارجي باستثناء الرياضة. وفي عام 1964, وجد جورج بوش الابن نفسه امام ضرورة اختيار جامعة للدراسة فيها. وكان واضحا بأن خياره سوف يتجه نحو جامعة (يال) حيث درس ابوه وعدد من ابناء العائلة, لكن علاماته المدرسية كانت على الحد المطلوب لذلك قدم بالوقت نفسه, وكاجرء احتراسي, طلبا للالتحاق بجامعة تكساس. ان جامعة يال فتحت له في النهاية ابوابها. ويشير البعض الى ان وجود جده كعضو في مجلس الادارة سهل قبوله. وهذا امر من المستحيل التحقق منه. بكل الاحوال كان دخوله الى جامعة يال الخطوة الاولى الحقيقية في مسيرة صعوده فهي احدى اشهر الجامعات في امريكا وحيث كان جده لأبيه وابوه وثلاثة من اعمامه قد مروا. مع ذلك لم يبد الشاب ابن الثامنة عشرة مشلولا بسبب ثقل ارث العائلة اذ قرر السكن في المدينة الجامعية مع اثنين من اصدقائه من مدينة اندوفر, وبعد عدة ايام فقط كان يعرف قسما كبيرا من الطلبة وفي فترة لا تتجاوز الثلاثة اشهر كان يعرف اسماء جميع طلبة دفعته ويتحدث معهم جميعا مهما كانت اصولهم. وفي السنة الثانية غدا رئيسا لجمعية الطلبة المعروفة باسم (دلتا كابا ابسلون) المشهورة بالاعياد الاحتفالية التي تنظمها. لقد كرس جورج ولكربوش اهتمامه لنشاطاته الجامعية الثلاث المفضلة, اي كرة القدم واحتساء البيرة والفتيات (اللواتي لم يدخلن جامعة يال حتى عام 1969). وبعد عدة سنوات, صرح اثنان من رفاقه عندما شاهدا شخصية (جون بيلوتشي) في فيلم زريبة الحيوانات قائلين: (هذا جورج تماما). اخرج الفيلم جون لانديس وهو يصور احتفالات الطلبة التي يتزعمها جون بيلوتشي الكسول ومتعاطي الكحول الكبير ـ وتدل سيرته خارج الاطار المدرسي, الى انه قد تعرض مرتين لتوقيف الشرطة له من اجل جنح صغيرة. فمرة قام بالاطاحة بمرمى فريق خصم بعد احدى المباريات. ومرة ثانية عندما اختلس (تاج نويل) من واجهة احد المخازن. واذا كان جورج ولكر بوش قد احس نفسه مثل سمكة في الماء, في هذا الجو من الصداقات, فانه بالوقت نفسه ادرك بأن الرياح هي بصدد الهبوب باتجاه آخر. ذلك ان سنوات الستينيات كانت هي فترة الالتزام السياسي والنقاشات الكبرى في المجتمع الامريكي. نقاشات حول حرب الفيتنام وحول معركة السود من اجل الحصول على حقوقهم المدنية والفهود السود ومالكولم اكس و(صيف الحب). مع ذلك لم يأبه جورج ولكر بوش كثيرا الى هذا كله على الرغم من ان اباه كان قد اصبح عضوا في الكونجرس عام 1966. وفي الوقت الذي ترك فيه المخرج السينمائي اوليفر ستوت الذي كان من دفعته الدراسية, جامعة يال للالتحاق في الجيش الامريكي بفيتنام, فإن جورج ولكر بوش صرح بعد سنوات بأنه لا يتذكر اي شيء من النقاشات حول الحرب او حتى حول المظاهرات المعادية للنزعة العسكرية الامريكية. وهذا امر غريب اذ ان ناظر الجامعة, والزميل السابق لأبيه, اصبح احد زعماء حركة دعاة السلام الى درجة انه تم اعتقاله عام 1968 لأنه ساعد طلبة فروا ورفضوا المشاركة في الحرب. ان جورج ولكر بوش الذي لم يكن مهتما او متنبها لتلك التغييرات انكب على ما بقي من يال القديمة ودخل في المجموعة السرية المعروفة باسم جماجم وعظام التي تأسست عام 1832 وكان جده وابوه اعضاء فيها والتي كانت تستقبل الطلبة الاكثر بروزا من السنة الجامعية الاخيرة. وهذه المجموعة ليست سوى نوع من الجمعيات الاخويات السائدة وانما تقتصر على عدد اقل من غيرها مع حرصها على المحافظة على اسطورتها والتفاخر بأنها استقبلت من بين اعضائها عددا من الرؤساء الامريكيين ومن رجالات السلطة السياسية الاقتصادية وقد تم قبول جورج ولكر بوش فيها باعتباره (وريث) عضو سابق, اذ ان مؤهلاته الجامعية ومواهبه الرياضية لا تسمح له بالتميز عن بقية الطلبة الآخرين. ولم يترك اية انطباعات متميزة لدى اساتذته. كانت مادته المفضلة هي التاريخ, لكن حسب ذكريات احد اداريي الجامعة لم يكن لدى الابن الاول اية فكرة عما يتمنى ان يفعله. وينبغي القول ان هما آخر كان يشغله عندما تسلم شهادته الجامعية الا وهو ان يتجنب الذهاب الى فيتنام حيث كان يموت كل اسبوع 350 جنديا امريكيا.