يبدو أن اوروبا مرشحة اكثر من غيرها من التجمعات والتكتلات الدولية لتكون الشريك الاكبر بعد افريقيا في مجالات التعاون والتجارة والاستثمار خلال المرحلة الجديدة للسياسات والاستراتيجيات الليبية التي تسعى بجدية إلى استعادة الدور الحيوي الليبي على المستويات الاقليمية والدولية. ويأتي بروز الدور الاوروبي على هذا النحو متواكبا مع النظرة الليبية التي رأت فيه نهجا متقدما وفريدا وايجابيا عن غيره من مواقف الكثير من دول العالم التي كانت ليبيا تعتبرها قبل ازمة الحصار والعقوبات من افضل الاصدقاء, ولقد اتضحت الصورة اكثر بعد ان قامت ليبيا بتسليم الليبيين المشتبه فيهما في قضية لوكيربي لمحاكمتهما في هولندا. عندما بدأت الاصوات التي كانت تردد في اوروبا على استحياء بضرورة التخلي عن سياسة العقوبات التي ثبت فشلها في مواجهة العديد من الأزمات العالمية, تجلجل في البداية داخل أروقة البرلمانات والندوات والمحافل, ثم راحت تردد صداها بقوة في سياسات الكثير من الدول الأوروبية لعل أبرزها ايطاليا وأسبانيا والبرتغال واليونان ومالطا, بل طالت حتى بريطانيا حليف أمريكا في مواجهة ليبيا وقتها, حيث طالب أهالي ضحايا لوكيربي حكومتهم باتخاذ سياسات عادلة ومنصفة في هذه القطيعة. وبينما كانت أوروبا تراجع أوراقها وتريباتها ازاء ليبيا كانت الدبلوماسية الليبية على الجانب الآخر من المتوسط تباشر مهاماً سلمية في مواجهة النزاعات المسلحة التي بدأت تعصف بمستقبل القارة الافريقية فإذا بليبيا تتقدم لاحلال السلام في منطقة البحيرات العظمى والسيراليون والصومال والسودان واريتريا واثيوبيا, ثم تدخلها من أجل إطلاق سراح الرهائن في عدد من البؤر الملتهبة في سيراليون والكونغو وانجولا وأخيراً في شرق آسيا (الفلبين). ووجدت فرنسا احدى الدول الأوروبية ورئيسة الاتحاد حالياً والتي لها مصالح في افريقيا وكذلك البرتغال وبريطانيا, ان السعي الليبي للانفتاح على افريقيا وتوحيدها ليس بالضرورة أن يشكل تناقضا مع سياساتها الافريقية خاصة ان ليبيا أوضحت انها يمكن أن تكون كما كانت جسرا للتواصل الحضاري بين أوروبا وافريقيا. وفي هذا الاطار سوف تشهد الفترة المقبلة قيام مشروعات مشتركة أوروبية ــ ليبية في أكثر من بلد افريقي بالاضافة عن المشروعات الاستراتيجية في ليبيا من خلال فرص الاستثمار التي عرضتها ليبيا من خلال المؤتمر الدولي للاستثمار والتنمية وعرضت عشرات المشروعات الاستراتيجية والتي شاركت فيها 180 شركة عالمية وخاصة مشروعات التنقيب عن النفط وما يرتبط به من قيام مشروعات بتروكيماوية, هذا فضلاً عن مميزات النفط الليبي سواء من ناحية مميزاته النوعية أو من حيث قربه للأسواق الأوروبية, فيما تشكل السوق الليبية أهمية خاصة لقربها الجغرافي وما يعكسه ذلك من ميزة نسبية في أسعار المنتجات الأوروبية. وأوروبا التي أبدت أخيراً بعض التحفظات على استمرار العقوبات التي كانت مفروضة على ليبيا, وقد عبر الزعيم الليبي معمر القذافي في أكثر من مرة عن رأيه في أوروبا الآن ليست هي أوروبا الاستعمارية, وليس هذا فقط بل ان التباين بين الموقفين الأوروبي والأمريكي بل كان واضحاً جداً فيما يتعلق بردود الأفعال الأوروبية على الموقف الانساني الذي قامت به مؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية والذي أدى إلى إطلاق سراح الرهائن في الفلبين التي كانت محتجزة لدى جماعة أبو سياف في الفلبين وهي ردود أفعال اتسمت بالايجابية وأشادت بهذا الدور الذي تلعبه ليبيا على الساحة الدولية مما يؤكد سعيها الى تحقيق السلام من خلال الاسهام في إزالة بؤر التوتر التي ما زالت تؤثر على استقرار العالم. فمشاركة ليبيا في مؤتمر الشراكة المتوسطية الأوروبية ودعوة ليبيا الآن وتفعيل مجموعة (5 +5) وكذلك والتعاون الأوروبي ــ الافريقي, وكذلك التعاون الليبي ــ الأوروبي والزيارات المتكررة للمسئولين الأوروبيين لليبيا ونظرائهم الليبيين للدول الاوروبية وزيارة نائب البرلمان الأوروبي بيرهارد شميدت منذ شهر الى ليبيا ومن قبلها دعوة رئيس البرلمان الأوروبي للقذافي لزيارة الاتحاد الأوروبي, كل ذلك ساهم في تغيير النظرة الأوروبية لليبيا ولعل اللقاءات التي تمت بين الزعيم الليبي والقادة الأوروبيين على هامش القمة الأفروأوروبية في القاهرة العام الماضي وما ترتب على تلك اللقاءات من وضع استراتيجيات مقبلة في العلاقة الأوروبية ــ الليبية جاء في هذا الاطار. وخرجت صحيفة (الزحف الأخضر) لسان حال اللجان الثورية لتبارك قمة نيس الأوروبية وتقول نحن مع نيس ولكن بشروط ودعت الصحيفة الوحدة الأوروبية لخلق تكتل اقتصادي مع شعوب أوروبا ضد العولمة. وناشدت الصحيفة الدول الأوروبية التعاون الأوروبي ــ الليبي على أسس التبادل والمصالح المشتركة تحقيقاً لرفاء ورفاهية الجميع وأن تكون العلاقة مثبتة على تبادل المنفعة المشتركة.