الملف السياسي : القنبلة التي القاها رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود باراك لم تكن فقط باعلان استقالته من رئاسة الحكومة بل توزعت شظاياها لتغطي ساحة الخارطة السياسية في اسرائيل وتعيد الجدل الواسع، في مضمون تلك الاستقالة باعتبارها وكنظرة اولى فعلا دراماتيكيا غير منتظر اربك الاحزاب كما اربك الشارع الاسرائيلي, ونتمنى هذه المرة ألا يربك السياسة العربية كما اربكها حينما فاز زعيم الليكود السابق بنيامين نتانياهو برئاسة الحكومة, وقتها اعتبر العرب ان فرصة التسوية قد ذهبت ادراج الرياح رغم ان البعض ممن سعوا الى التسوية استعادوا انفاسهم بايهود باراك إلا ان هذا النفس سرعان ما انقطع حينما رأينا السياسة التفاوضية التي انتهجها باراك والسياسة الاجرامية التي اختارها في مواجهة الحجر الفلسطيني المناضل ولا يفهم من هذا ان يقف العرب تجاه ما يجري باسرائيل موقف المتفرج الصامت بل لعل هذه الفرصة تعطي العرب مجالا اوسع للتحرك في السياسة الدولية وضمن اطارها العام والنظر الى الانتخابات الاسرائيلية على انها صورة صراعية تبقي في مواجهة العرب رغم كل مواجهاتها الداخلية وتبقى عرب 1948 في صلب الصراع الانتخابي في اسرائيل. المناورة الى اين اذا كان باراك قد قام بمغامرة مدروسة في استقالته فإن هذه المغامرة تحتمل النجاح والفشل, فقد قدم باراك استقالته لاسباب كثيرة يبرز على رأسها الاستطلاعات التي اكدت تفوق بنيامين نتانياهو عليه بفارق واضح, ورأى باراك ان نتانياهو لن يستطيع منافسته حسب قانون الانتخابات الذي ينص على ان المرشح لرئاسة الوزراء يجب ان يكون عضوا في الكنيست وبالرغم من معرفة باراك ان نتانياهو وحزب (الليكود) يمكن ان يناورا بمشاريع متعددة لترشيح نتانياهو تقديم مشروع قانون انتخابات جديد يبيح لأي مواطن الترشيح لرئاسة الحكومة, او حل الكنيست مما يتيح لزعيم الليكود (النظري) بترشيحه للانتخابات وهذان الحلان قائمان على مجموعة من الاحتمالات تتداخل فيها الاحزاب الاسرائيلية وخاصة اليمينية المتطرفة منها فحل الكنيست بيد حزب شاس بشكل خاص مع يهودات هتوراه وحزب المفدال وهي التي عبرت عن غضبها مرارا تجاه سياسة باراك الداخلية والخارجية فعلى المستوى الداخلي ما زلنا نتذكر صراع شاس المرير مع رئيس الوزراء واستقالة وزرائها الذين اعترضوا على سياسة (الثورة العلمانية) التي اوعى باراك قيادتها ولم يحقق في هذا المجال شيئا يذكر وكذلك اتى اعتراض شاس على الاتفاقيات التي وقعها باراك مع السلطة الفلسطينية وهذا بالطبع تفسير خارجي للصراع الحزبي بين هذه الاحزاب بتوجهها اليميني وباراك, بينما التفسير الحقيقي ينبع من خلال بنية الاحزاب بقواميتها وانتمائها واختلاف اعراقها. وإبعاد نتانياهو عن حلبة الصراع له مجموعة من الاوجه برأي باراك الذي يخاف منه ويهدد به, يخاف من شعبيته العائدة بقوة في المجتمع الاسرائيلي وفي الاحزاب اليمينية التي اسقطته بيدها قبل عام ونصف تقريبا ويبدو انها ندمت على ذلك كونها لم تستطع التخلي عن تطرفها وبهذا فإن عودة نتانياهو او شارون الى الواجهة تقدم برأي باراك ضغطا كبيرا على الفلسطينيين الذين جربوا التفاوض مع اليمين الاسرائيلي مما سيدفعهم كما يتوقع زعيم العمل الى التنازل كثيرا وتوقيع اتفاقية شبه نهائية قبل مغادرة الرئيس الامريكي بيل كلينتون البيت الابيض في 20 يناير ,2001 وبالطبع فإن هذه الاتفاقية يجب ان تكون مرضية لليمين الاسرائيلي قبل يساره. ولكن الاحزاب اليمينية في اسرائيل ما زالت تعلن تخوفها عما قد يحصل فقد قال: شاؤول يهلوم زعيم حزب مفدال اليميني المتطرف انه يخشى ان يتوصل باراك الى اتفاق مع الفلسطينيين يكون اسوأ من كامب ديفيد, وهنا يتوضح الخوف اليميني من اية خطوة يقوم بها باراك مما سيدفعهم من جديد للوقوف ضده والتفكير جديا بزعيم يميني يستطيع ان يلقى قبولا شعبيا وضمن ذلك فإن ارييل شارون لن يكون وافر الحظ في الترشيح لذلك سيسعى الليكود مع احزاب اليمين لاعادة نتانياهو الى الساحة وبذلك فمن المحتمل ان يتخوف الشارع الاسرائيلي من الازمة الدستورية التي يمكن ان تحصل كما حصلت في الولايات المتحدة مما سيساعد باراك في استعادة القليل من شعبيته الذاهبة. العمل وباراك!! هل يسقط حزب العمل مرشحه باراك كما اسقط الليكود نتانياهو؟! سؤال مطروح بقوة في هذه المرحلة ولكن كيف ومتى وبأية آلية سيتعامل زعماء العمل مع الحدث الجديد وقد رشحوا باراك للانتخابات, الواقع ان ترشحيه وبهذه السرعة اتى ايضا كالقنبلة بين اعضاء حزب العمل الذين وقفوا صامتين او متغيبين عن مؤتمر حزب العمل فشيمون بيريز الذي ما زال صامتا يمكن ان يرشح نفسه من خلال حزب السلام او اي حزب جديد يشكله بفترة قياسية ويعلن عنه وتحديدا مع ابراهام بورج الذي اجتمع مع بيريز واتصل بالمعارضين الوزراء يوسي بيلين, حاييم رامون والنائب في الكنسيت عوزي برعام وهؤلاء من اشد المعارضين لباراك فيوسي بيلين وزير العدل كان وما زال يحلم بمثل هذا الحزب (السلام) رغم انه غير مرغوب فيه داخل حزب العمل ولكن يستطيع ان يساعد بيريز بشكل كبير ويؤسس لحزب يدخل العملية الانتخابية. واذا كان ابراهام بورج رئيس البرلمان الاسرائيلي ما زال صامتا لكنه يبقى ضمن دائرة اللعبة وينتظر الفرصة لكي يقدم مفاجآته ايضا فهو اولا يتزعم الكنيست وثانيا: يتمتع بشعبية واسعة داخل حزب العمل وداخل اسرائيل وبذلك يمكن ان يؤسس تحالفا سياسيا مع بورج وبيلين وحاييم رامون وتكون الضربة القاضية لباراك اذا انضم الى هذا التحالف بيريز رغم استبعاد ذلك مؤقتا وما نبني عليه هذا الرأي أن صمت هذا التحالف يتفجر بين الحين والآخر وبأشكال مختلفة عبر عنها اخيرا حاييم رامون بقوله مهاجما باراك: من لا يعرف ادارة هذا الائتلاف لن يعرف كيف يقود ائتلافا بتركيب آخر. وضمن هذا الصراع لا نستبعد ايضا تحرك وزير الخارجية بالوكالة شلومو بن عامي الذي كان يظهر الاعتدال اثناء المفاوضات مع الجانب الفلسطيني ولكنه وقف موقفا حازما ومتعصبا ودمويا ضدهم في الانتفاضة. وذلك لكي يرضي التوجه العنصري الواضح في الشارع الاسرائيلي ويكسب ثقة ذلك الشارع. هذا الصراع الذي ما زال قائما يمكن له ان يستيقظ في الوقت المناسب فالكل في اسرائيل ينتظر عرض عضلاته وقوته تجاه الانتفاضة التي كانت سببا مباشرا للازمة السياسية في اسرائيل والتي يمكن لها ان تشتد في هذا الجو مما يجعل حجرها اقوى بشرط ألا تتنازل السلطة الفلسطينية عن مواقفها المعلنة وخاصة تجاه القدس واللاجئين والمستوطنات بل لعلها الآن تملك الورقة الاقوى لتصعيد الانتفاضة مادامت قد ادت هبة الاقصى الى صراع حقيقي داخل اسرائيل, فمصير باراك الآن بيد الفلسطينيين داخل اراضي 1948 وخارجها فأية اتفاقية مع الفلسطينيين ستكون الآن لمصلحة باراك الانتخابية كون باراك ورغم استقالته سيسعى الى ذلك بما ان القانون الاسرائيلي يعطي الحق للحكومة الانتقالية بالتوقيع على اية اتفاقيات وحتى باستطاعته ان يعلن الحرب رغم ان ذلك لم يحدث ابدا في اسرائيل. الاحزاب العربية هل يؤثر عرب فلسطين على الانتخابات؟ الواقع انهم يؤثرون وبشكل كبير فهم يشكلون 18% من السكان وهم الذين انتخبوا باراك في الانتخابات الماضية وذهب 95% من اصواتهم له, ولكنهم الآن يحملون موقفا مختلفا من باراك نتيجة اسلوبه في المفاوضات مع السلطة الفلسطينية ونتيجة طريقته في قمع الانتفاضة وسماحه للمستوطنين بتهديد قراهم العربية, اضافة الى سقوط ثلاثة عشر شهيدا حينما اعلنوا تعاطفهم مع الانتفاضة وبذلك فقد اثبتت استطلاعات الرأي ان باراك لا يمكن ان يحصل على اكثر من 30% اذا ما بقي الامر كذلك وبالطبع دون ان تعلن الاحزاب العربية مشروعها الانتخابي. بداية هذه المفاجأة التي قدمها باراك وحاول استعطاف عرب فلسطين فذهب في جولته الاولى حينما اعلن عن انتخابات مبكرة الى مدينة الطيرة العربية محاولا اعادة الاصوات العربية له ولكنه لم يستطع ان يفعل شيئا فقد قوبلت زيارته بالمعارضة الشديدة وبقي ينتظر ردود فعل الاحزاب العربية التي تشغل عشرة مقاعد في الكنيست, وبدأت بالفعل تتوضح رؤية هذه الاحزاب فقد اعلنت الحركة الاسلامية بزعامة الشيخ ابراهيم صرصور انها لا ترى سوى الانضمام تحت قائمة عربية واحدة كما دعت الى الثأر من باراك الذي انتهج نهجا من التمييز العنصري الشيء الكثير وترى هذه الحركة مقاطعة الانتخابات او وضع ورقة بيضاء. اما الحركة العربية للتغيير بزعامة احمد الطيبي فرأت ترشيح عربي لرئاسة الحكومة تختاره لجنة المتابعة العليا للمواطنين العرب كما اعلن الطيبي انه سيرشح نفسه تحديا للاغلبية اليهودية في اسرائيل وطالب عزمي بشارة رئيس التجمع الديمقراطي وهو العربي الاول الذي رشح نفسه للانتخابات السابقة طالب بوحدة حقيقية للتيارات السياسية العربية وليس قائمة واحدة وذلك لاعادة النواب العرب الى مقاعدهم كون الوضع الحالي لا يستطيع ايجاد آليات لتأليف قائمة واحدة. وضمن هذا الجو المحتقن قدمت الجبهة الديمقراطية للسلام او المساواة حلا جديدا ضد باراك ومرشح الليكود وبما ان هذه الجبهة هي جبهة عربية ـ يهودية فقد دعت الى تشكيل قائمة عربية يهودية من اجل السلام والمساواة وترى ترشيح يهودي من الحمائم دون التنازل عن الشراكة العربية اليهودية. وبهذا الواقع للاحزاب العربية نرى انها لم تستطع حتى الآن الوقوف جنبا الى جنب في مواجهة الخطر الذي بدأ يتهدد العرب داخل فلسطين وخارجها وهي المطالبة في هذا الوقت بالتحرك السريع لايجاد آلية مدروسة تصب بالنهاية في مصلحة الفلسطينيين وتؤدي دورا حقيقيا في الصراع الدامي الذي تمر به اسرائيل فالفرصة الآن متاحة امامهم لكي يقدموا شكلا تضامنيا جديدا.