الملف السياسي : قام (إيهود باراك) باستقالته من رئاسة الحكومة الإسرائيلية, على أمل أن يظل رئيسا للوزراء, في محاولة للهروب إلى الامام بإجراء انتخابات مبكرة على موقع رئيس الوزراء فقط, بعد أن تمت محاصرته تماما من كل الجهات, ولم تكن الانتفاضة الفلسطينية الباسلة أقل هذه الجهات حصارا لباراك ودفعا للاستقالة. وربما لم تكن مجرد مصادفة أن تأتي استقالة باراك في ديسمبر 2000 في نفس يوم الذكرى الثالثة عشرة للانتفاضة الفلسطينية الأولى, تلك التي اندلعت لأول مرة في 9 ديسمبر عام ,1987 وقدمت 1856 شهيدا ونحو 10 آلاف جريح, و90 ألف سجين فلسطيني, وبعد 10 أسابيع من الانتفاضة الفلسطينية الراهنة, انتفاضة الأقصى التي اندلعت في 28 سبتمبر 2000 وقدمت حتى الآن أكثر من 300 شهيد, و10 آلاف جريح فلسطيني. وهي ليست مصادفة لأن الصلة بين الانتفاضة والاستقالة لا يمكن قطعها, فمن المؤكد أن (مروان البرغوثي) أمين سر حركة فتح في الضفة الغربية لم يبتعد عن الحقيقة حين أعلن أن الانتفاضة هي التي اسقطت (باراك), كما أسقطت الانتفاضة السابقة العديد من الحكومات الإسرائيلية. رهان خاسر لقد كان رهان (باراك) خاسرا حين تصور أن انتفاضة فلسطينية جديدة لايمكن أن تندلع, بعد أن توقفت الانتفاضة الأولى, ولعل رهان باراك الخاسر هو نفسه رهان نتنياهو, فقد تصور كلاهما أن الضغط على السلطة الفلسطينية بقيادة عرفات هو الطريق الوحيد لأي حكومة إسرائيلية, وأن استجابة تلك السلطة المحاصرة لتلك الضغوط لا مفر منها, فرسم ( باراك) ومن قبلة ( نتانياهو) خطتهما التفاوضية على قاعدة الضغط الإسرائيلي والتنازل الفلسطيني, وكان رهان باراك خاسرا لأنه تصور أن التنازلات الفلسطينية لا حدود لها, ولا سبيل غيرها, وأن الشعب الفلسطيني خارج المعادلة, متصورا أن الشعب الفلسطيني قد انهكته انتفاضة الحجارة الأولى, أو أن أمانيه الوطنية قد تحققت لمجرد قيام سلطته الوطنية وإصدار بطاقات الهوية وإقامة المطار, أو يمكنه أن يقبل بأي تسوية. وبين الضغط الإسرائيلي وانتظار التنازلات الفلسطينية دخل باراك في رهان المراوغة والتنصل من الوعود والعهود التي يتم الاتفاق عليها على طريق تسوية الصراع على المسار الفلسطيني, وقد فاق باراك سلفه نتانياهو في أسلوب المراوغة والتنصل من الوعود. كامب ديفيد الثانية ولم تكن كامبد ديفيد الثانية سوى محاولة لتطبيق خطة باراك في الضغط على عرفات بمساندة أمريكا, لكن المحاولة كانت تستهدف ضرب عصفورين بحجر واحد, أما العصفور الأول فقد كان بمثابة الحصول على تنازل كبير من عرفات, يتم بفضله تمرير اتفاق يتنازل في إطاره عرفات عن القدس الشرقية سواء بشكل نهائي أو عبر تأجيل أو ترحيل بحث القضية لمدة عامين, شريطة أن يتضمن هذا الاتفاق إعلانا صريحا بانتهاء الصراع العربي الإسرائيلي على مساره الفلسطيني, وذلك مقابل تحديد إطار عام للتسوية النهائية يمكن التراجع عنه فيما بعد, أو اعادة التفاوض عليه عشرات المرات كما هي عادة باراك ومن قبله نتانياهو. أما العصفور الثاني فقد كان بمثابة الحصول على ورقة يعيد بها باراك الالتئام إلى ائتلافه الحاكم الذي كان قد تعرض للتفكك, فقد كانت أحزاب شاس والمفدال وإسرائيل بعاليا قد أعلنت الخروج من الائتلاف, وتقلصت مقاعد باراك البرلمانية. في ذلك الوقت إلى نحو أربعين مقعدا فقط. وتبين أن رهان باراك قد انكسر على صخرة القدس في كامب ديفيد الثانية, الأمر الذي دفعه إلى الدخول في رهانات جديدة تحركها نزعات القوة وغرورها, فانتقل باراك من تكتيك الضغط السلمي من أجل أقصى تنازلات فلسطينية, إلى تكتيك الضغط بالعنف المسلح. انتفاضة الأقصى ويبدو أن اللحظة التي دفعت باراك للاستقالة في 9 ديسمبر 2000 محاصرا من كل الجهات, تتشابه في شكل مثلث ناقص ضلع مع تلك اللحظة التي قرر فيها باراك استخدام العنف للضغط على السلطة الفلسطينية من أجل مزيد من التنازلات تمكنه من البقاء رئيسا لحكومة إسرائيل. فبعد كامب ديفيد الثانية وجد باراك نفسه محاصرا من الداخل بائتلاف يستمر في التفكك, إلى أن وصلت مقاعد حلفه إلى ربع المقاعد البرلمانية, مع قراءة أولى بسحب الثقة واجراء انتخابات مبكرة في مقابل رفض السلطة الفلسطينية بقيادة عرفات توقيع اتفاقيات كامب ديفيد. وكالعادة لم يضع السيد باراك مكانا لثورة الشعب الفلسطيني, ولم يتصور حدودها إلا في إطار خطة عنصرية لاستفزاز أبناء الشعب الفلسطيني, تكون مقدمة عنده ــ لتحقيق أحد خيارين وفقا لرد السلطة الفلسطينية, إما ترميم الائتلاف الحكومي الإسرائيلي وإعادة فرض التنازلات التي فشلت في كامب ديفيد عن طريق التصعيد العسكري, أو النجاح في تشكيل ائتلاف حكومي مع الليكود بزعامة ارييل شارون وتجميد عملية التسوية الدائرة, وفرض تسوية الأمر الواقع بقوة السلاح ودون مفاوضات. وكانت زيارة شارون الاستفزازية للمسجد الأقصى في حراسة ثلاثة آلاف جندي هي شرارة تنفيذ خطة الحصار والضغط العسكري الإسرائيلي. وعلى العكس من تصورات ومخططات باراك وشارون اندلعت انتفاضة الشعب الفلسطيني عارمة, معيدة الحيوية إلى الشارع العربي من المحيط إلى الخليج, ومحركة الضمير العالمي, الأمر الذي فقد باراك معه اتزانه, فقد فوجئ بحجم المقاومة من أبناء الشعب الفلسطيني درسا على ما بينهما من خلافات, وتوحدت في مقاومة غطرسة قوة الاحتلال, وأحاطتهما الشعوب العربية بدفء المساندة والدعم والانتفاض. استقالة الفشل لم تكن انتفاضة الأقصى إذن بعيدة عن استقالة باراك, فقد أكملت الاتنفاضة أضلاع المثلث الذي يحاصر باراك معلنا فشله السياسي في الداخل والخارج, فشل رهاناته من أجل دفع السلطة الفلسطينية نحو مزيد من التنازلات عن طريق الضغوط السلمية المدعومة من أمريكا, أو الضغوط العسكرية, ومن أجل بناء دعامات خشبية لترميم الائتلاف الحاكم المتهاوي الأركان, ومن أجل تخويف وقهر الشعب الفلسطيني وتصدير الانقسامات الإسرائيلية إلى الصف الفلسطيني, وتتويج نفسه ملكا على جثة الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية. وعلى العكس من تصورات باراك قامت انتفاضة الاقصي بتعميق الخلافات داخل النخبة السياسية والبرلمانية الإسرائيلية, حيث امتدت الانتفاضة إلى عرب ,1948 مؤكدة على تماسك الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع وقرى 48 داخل إسرائيل, وفي نفس الوقت مؤكدة على عنصرية الكيان الصهيوني, كما قامت الانتفاضة باعلان فشل باراك السياسي فقدمته باعتباره صانعا للأزمات, وباعتباره عسكريا مفرطا في استخدام القوة, بعد ما كان قد تم انتخابه منذ عام ونصف في 17 مايو 1999 باعتباره داعية سلام. والأزمة الاقتصادية ولم يعلن باراك فشله في إطار التسوية السياسية فقط, فبانتهاجه لطريق الضغط العسكري, وتفجيره لغضب الشعب الفلسطيني, وحصاره الاقتصادي بهدف خنق الانتفاضة أدخل الاقتصاد الإسرائيلي في أزمة جديدة, باضطراره الموافقة على ميزانية مصاريف إضافية للمواجهات العسكرية بلغت 750 مليون شيكل (187 مليون دولار ), فضلا عن طلب الجيش الإسرائيلي الحصول على 100 مليون دولار لتمويل نفقات الجيش الإسرائيلي في عمليات قمع الإنتفاضة. كما أشارت الصحف الإسرائيلية أن سوق الأسهم قد تكبدت خسائر كبيرة بسبب الانتفاضة قدرت بأكثر من 9 مليارات دولار خلال الفترة من نهاية سبتمبر ( بداية الانتفاضة ) وحتى 25 أكتوبر ,2000 وتركزت الخسائر في الشركات العاملة في مجال التكنولوجيا المتقدمة مما دفع مؤشر سوق المال 2000 إلى التراجع بنسبة 14%, وبلغت خسائر قطاع السياحة ما يزيد على بليون دولار. إزاحة نتانياهو وفي ظل الحصار مثلث الأضلاع الذي قدم باراك كصانع للأزمات السياسية والاقتصادية, والذي أعلن فشله في تحقيق تقدم على طريق التسوية السياسية وفي الالتزام بوعوده الانتخابية, أراد باراك القفز على الأزمات من أجل بقائه كرئيس للوزراء, وفي سبيل ذلك تقدم باستقالته قبل أن يقوم الكنيست بالموافقة على اجراء انتخابات مبكرة, تشير استطلاعات الرأي الى تقدم الليكود بقيادة نتانياهو فيها بسبب تراكم الأزمات التي صنعها باراك, الأمر الذي أحدث ردود أفعال شديدة بين الأحزاب الإسرائيلية مضادة لسلوك باراك المخادع, والأمر الذي دفع جبهة واسعة من أعضاء الكنيست للمسارعة في تعديل القانون لاتاحة الفرصة لأي مواطن خارج البرلمان من ترشيح نفسه لمنصب رئيس الوزراء, وتحركت جبهة أخرى بهدف حجب الثقة عن باراك خلال الـ 48 ساعة التالية لتقديم استقالته إلى رئيس الدولة, بما يدفع إلى انتخابات جديدة لا تقتصر على رئاسة الحكومة, بل تمتد لأعضاء البرلمان ويتمكن فيها نتانياهو وغيره من دخول الانتخابات منافسين لباراك. سقوط باراك وفي كل الأحوال فإن باراك قد تمكن من صنع منصة سقوطة بجدارة, باحداثه فوضى سياسية أملا في الفوز مرة أخرى بمنصب رئيس الحكومة, وقد ينجح في قطع الطريق على نتانياهو العائد لزعامة كتلته اليمينية, وقد لا ينجح, لكنه لم يستطع أن يجد بين عرب فلسطين من يبكي عليه, أو ينتظر منه شيئا, أو يفضله على خصمه اليميني, سواء أكان هذا الخصم هو شارون أم نتانياهو, ويبدو أنه فتح الباب لعودة الليكود في انتخابات مبكرة أو مؤجلة, قصر الزمن أو طال, كما يبدو أنه باستقالته بفتح الباب لتصعيد المصادمات في الأرض المحتلة. وأيا كان الوضع فإن انتفاضة الأقصى التي أسقطت باراك, قد اندلعت لتظل رقما لايمكن تجاهله في أي معادلة, أو أي سيناريو من سيناريوهات المستقبل, أو أي تسوية للصراع العربي الصهيوني.