الملف السياسي : اقتحمت استقالة باراك المشهد السياسي في فلسطين والوطن العربي وربما العالم, الامر شغل وسائل الاعلام العربية قبل غيرها كما فعلت هذه الوسائل في التصدي اليومي لقضايا المعركة الانتخابية في امريكا. ويمكن القول ان التأزم الداخلي للنظام وتآكله قد افضى الى هذا الحدث السياسي, ان العرب يحبون ان يبسطوا الامور يتوجهوا في تحليل الاحداث تفاؤلا الى صالحهم او تشاؤما ضدهم. مع ان احدا في هذه الدنيا لا يعير اهمية للرأي العام العربي او للمآسي التي يعيشها الشعب الفلسطيني واذا كانت الاستقالة وفقا لتقدير المراقبين لم تكن مفاجئة نظرا لطبيعة باراك العسكرية واستخدامه الهجوم بدلا من الدفاع, وكانت متوقعة لان باراك الذي قدم الى الساحة في اكليل من ورود السلام الموهوم احاط به العرب هذا العسكري القاتل انسانيا والفاشل سياسيا, ومن هنا يعزو البعض هذه الاستقالة الى انها نصر سياسي للشعب الفلسطيني, لقد قال انه يريد تفويضا جديدا من المجلس النيابي الذي وقف في وجهه وعزا اليه التساهل (كذا) في مواجهة الانتفاضة الفلسطينية, في غمرة المساعي الحثيثة التي قادها باراك من اجل حكومة بمشاركة الليكود اتجه اعداؤه الى اسقاطه بحل الكنيست ولكنه فاجأهم باستقالته ليفوت الفرصة على سفاح آخر هو نتانياهو سوف يضايقه في ساحة انتخابات رئيس الوزراء؟ قد ضمن باراك انه سوف ينتصر على السفاح شارون لذا استقال حتى يخوض معركة الرئاسة مع مرشح ضعيف اننا نرى ان شارون وباراك يتصارعان على السلطة تحت راية ما يسمى بالوحدة الوطنية بالطبع يريد باراك قطع الطريق على نتانياهو بانتخابات مبكرة, بعد القراءة الثالثة لحل الكنيست امام فرصة يكون الليكود فيها قد اعد نفسه جيدا لانتخابات عامة, لا شك سيفوز بها نتانياهو واعوانه, ليس في الانباء التي رافقت استقالة باراك ما يدل على ان الامر ذو صلة بالسلام. قد يكون المجتمع الاسرائيلي الذي اهتز لاستمرار الانتفاضة يسأل اليوم الى اين تذهب اسرائيل؟ بعد ان وضعت نفسها كدولة يهودية معزولة في جيتو (منعزل) خاص بها ضمن الوطن العربي, انها نموذج عنصري فريد في التاريخ يمثل الحضارة الغربية التي تعمل على الغاء الآخرين, يقول الكاتب السوري الاصل سليم بركات الاستاذ في جامعة جورج تاون الامريكية في العنصرية الصهيونية التي هي هدف متفق عليه من قبل جميع الساسة في اسرائيل: تصلني رسالة تبلغني ان امريكية يهودية مهاجرة الى اسرائيل قالت لفلسطيني عرفته كزميل في الجامعة: (ما يزعجني ليس ما تقول او ما تفعل. ما يزعجني انك حقا موجود) الوجود الفلسطيني هو الذي كان دائما مشكلة الصهيونية ولب صراعها فسعت بمختلف الوسائل الى القضاء عليه, ولايزال السؤال الاساسي هو: هل يقبل الفلسطيني بأن يمحى من التاريخ؟ ولا يبدو ان الصيهونية تخلت عن هذه الامنية حتى حين تبينت لها استحالة هذا الامر, لهذا استمرت قناعتها بضرورة الهيمنة على الفلسطينيين ومصادرة اراضيهم وتدمير منازلهم واقامة مستعمرات جديدة حتى في مرحلة ما بعد السلام. ولاشك ان هذا قد ازم الوضع الداخلي في اسرائيل وكي تأمن وجود الفلسطيني, ترى ان عليه ان يختار بين الموت او الرضوخ والتعاون صاغرا مستسلما ما يجب ان نتوقعه من اسرائيل في المرحلة المقبلة, كالمراحل السابقة, ليس انفتاحا على الفلسطينيين والقبول بحقوقهم بل انه الاستمرار على المواقف الاسرائيلية الصلبة في اطار معركة جديدة قديمة لفرض الامر الواقع الاسرائيلي على الامة العربية. تتحدث الاخبار عن ان نتانياهو لا يستطيع الدخول الى انتخابات الرئاسة في الاطار الذي اعده باراك لانه ليس نائبا في الكنيست, ان علينا دوما ان نذكر انه ليس في اسرائيل دستور دائم, لديها قوانين ولوائح يشرعها من بيده التشريع لايجاد حل لمشكلة معينة, انها دولة انشئت لقهر العرب بالقوة الامريكية بلا دستور بلا حدود بلا مثل وبلا اخلاق هذه هي المشكلة فهل فهم العرب؟ يتربص نتانياهو وينتظر فرصته للانقضاض على زعامة الليكود وعلى رئاسة الوزراء في مدة قصيرة نسبيا فلقد قال ان اسرائيل تحتاج الى زعيم قوي, وهذا ما سيدفع واشنطن الى التعامل مع الواقع العائد الى الساحة بقوة ومحاولة وضع برنامج عمل معه, ومن مصلحة نتانياهو هذه المرة ان يقدم نفسه تحت لافتة اليمين مع تطمين الولايات المتحدة الى انه لن يعاود اسلوب الاصطدام المصطنع مع سياستها في المنطقة, وانه سيبقى على عنوان عريض في حملته الانتخابية المقبلة وهو استئناف عملية السلام لا دفنها. الكل يتحدث عن نتانياهو العائد, ومن البديهي ان نتانياهو مشابها للذي كان في سدة الحكم بين 1996 و, 1999 لن يشكل حلا للازمة المستعصية التي تمر بها اسرائيل و(عملية السلام) من هنا قد تكون واشنطن في صدد البحث عن نتانياهو 1996 وشارون وباراك في شخص واحد لا يخرج عن تقاليد التحالف والتنسيق مع الولايات المتحدة التي تملك هي الاخرى مصالح في المنطقة. ان الانتفاضة انهكت الجمهور الاسرائيلي فقد قتل منه اربعون صهيونيا حتى الآن وتساءل كثيرون في الصحف الاسرائيلية عن مقدرة اليهود على تحمل ذلك, لقد خسرت اسرائيل في حرب عام 48 نحو 6000 جندي ومئات منهم في سيناء ابان العدوان على قناة السويس و776 جنديا في حرب يونيو ,67 ونحو 3000 جندي في حرب رمضان وفي اجتياح لبنان والشريط الامني خسرت 900 جندي. وبالحساب يتبين ان سقوط 40 قتيلا في 75 يوما يفوق النسب المذكورة آنفا, لقد اصبحت القضية الفلسطينية شأنا داخليا متعاظما في المجتمع اليهودي وهي تندرج نحو مرتبة المعضلة التي لا يستطيعون تحملها, حتى لو تدفقت اموال امريكا واسلحتها الفتاكة الحديثة, تعمل القيادات الصهيونية على ان العرب سيؤدبون بالقوة وسيخضعون وتتصارع القيادات في اطار من توزيع الادوار, لان للمصلحة اليهودية الاولوية, ان نواب الكنيست يفضلون استمرار مجلسهم ضمن المشهد الذي سيقوم بانتخابات رئيس الوزراء بدلا من العودة الى صناديق الاقتراع المكلفة, اليسار الصهيوني قد اختفى من الساحة وحركة السلام الآن تعلن مواقف منافقة وسيدخل باراك الانتخابات بلاءاته وشارون بشعار المزيد من القوة لسحق العرب, الجميع يرغب في الاقتداء بمناحم بيجين. ان اسرائيل آلة عسكرية مجردة من اي مضمون اخلاقي والمجتمع الاسرائيلي عسكري وترسانة لاسلحة الدمار الشامل وهذا الشعب الاسرائيلي لم يعد قادرا على الاعتراف بذنوبه إلا في حالات نادرة لانه حين يفعل ذلك ينهار تاريخه من الداخل. هذا هو الواقع الذي يتم التعامل معه فهل يرجى منه السلام؟ وهل كان عرفات دخل بوابة السلام لو عرف ان اسرائيل تصر على حقها بالسيادة حتى على الحرم الشريف وعلى حياة الفلسطينيين؟ هذه وغيرها اسئلة يطرحها العرب على انفسهم, ولا تطرحها اسرائيل او امريكا لانها غير مهتمة بما يجري للعرب, لذا يستمر الموت المخطط له بعناية, وقد اعترفت فتاة يهودية صديقة لشاب فلسطيني قتل في المعارك الحالية بأن موت الفلسطينيين مجرد فقدان عدد ما وان موت الاسرائيليين مأساة بشرية. على العرب ان يعتقدوا انه في امكانهم الانتصار وان اسرائيل تخترع تاريخها ودينها وحقيقتها وشرعها ويكون على الفلسطينيين ان يخترعوا انتفاضتهم الدائمة الى ان تقوم فلسطين المستقلة وعاصمتها القدس. هل هناك اشد حزنا من ان يكون الطفل الفلسطيني مجبرا ان يسلك طريق الموت في سبيل الحياة؟ كلمة اخيرة احب ان اسوقها والانتفاضة تدفع الضريبة اليومية, لقد علق عرفات على استقالة باراك المفاجئة بأن استئناف المفاوضات سيأخذ وقتا طويلا (ما زال الرجل يحلم بالكامب وكأن الوقائع لم تتجاوزه او هو يتجاهل الحقائق). بينما تقترب عشراوي من الحقيقة عندما تعزو سقوط باراك الى تنصله من عملية السلام. هل يمكن ان تبسط الامور الى هذا الحد؟ ان الايام القليلة المقبلة ستجيب عن مختلف التساؤلات.