الملف السياسي : حين طفت على السطح أنباء اسقالة رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود باراك, سارعت صحف ووسائل إعلام عربية مرئية ومسموعة, كعادتها للقفز إلى النتائج بدلا من الوقوف عند المقدمات. فقد اعتبرت في استنتاج متسرع ان الانتفاضة الفلسطينية الراهنة هي التي أطاحت بباراك, العسكري المخضرم الذي دخل حلبة السياسة الاسرائيلية قبل سنوات فقط, وقال محللون سياسيون ومسئولون عربا ان لاعب الشطرنج الاسرائيلي الموهوب ـ أي باراك ـ قد انهار تحت وقع ضربات الانتفاضة, وبفعل الدم الفلسطيني الذي أراقه منذ بدء هبة الأقصى الراهنة قبل أكثر من شهرين, لكن الحقيقة هي غير ذلك. بداية يجب القول ان اعتبار الانتفاضة, ليست العامل الرئيسي وراء استقالة باراك, لا يقلل من أهميتها, أو من أهمية نضال الشعب الفلسطيني, لنيل حقوقه, ولا ينتقص من بسالة رماة الحجارة الفلسطينيين أو من دم شهدائهم ولا يقلل أيضا من دور الانتفاضة في الصراع السياسي الذي يدور داخل اسرائيل, ولابد من القول أيضا ان استقالة باراك مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالانتفاضة لكن الانتفاضة ليست السبب الرئيسي بها. فباراك الذي يواجه بالفعل مأزقاً سياسياً بسبب الانتفاضة, تمثل في عدم قدرته على وقفها وفي عدم الوفاء بوعد احلال السلام, سواء مع الفلسطينيين أو سوريا, سعى عبر استقالته إلى هدف واحد هو تفادي الهزيمة السياسية المنكرة التي تنتظره في الانتخابات الاسرائيلية المقبلة التي كانت اسرائيل تتجه إليها كما تتجه مياه السيول نحو المنخفضات. وباراك هذا الجنرال العسكري وصاحب الانجازات والانتصارات العسكرية في سجلات الجيش الاسرائيلي بدءًا من عملية مطار عنتيبي الأوغندي, إلى عملية شارع الفردان في بيروت وغيرها هو شخص لا يقبل بالهزيمة, ولذلك فقد قرر باستقالته ان يلعب الورقة الأخيرة للبقاء على قيد الحياة سياسيا لا سيما وانه كان مهددا في كل لحظة من قبل الكنيست الاسرائيلي, بحجب الثقة عنه وعن حكومته. وفي مواجهة استطلاعات للرأي العام الاسرائيلي ترجح عودة حزب الليكود المتطرف بزعامة زعيمه السابق بنيامين نتانياهو في أية انتخابات عامة مقبلة, رأى باراك ان يعمل بالمبدأ العسكري القائل ان خير وسيلة للدفاع هي الهجوم, فذهب إلى سدية بوكر وأعلن من هناك استقالته أمام الرئيس موشيه كاتساف. ويمكن أيضا اعتبار استقالة باراك الذي جاء للسلطة قبل سنة ونصف السنة فقط اثر انتخابات مايو ,1999 بمثابة هروب إلى الأمام من استحقاقات السلام وأيضا من استحقاقات الصراع السياسي الداخلي المحتدم في اسرائيل بين الليكود والعمل على خلفية المشهد العام ألا وهو المصلحة الاسرائيلية العليا. فمع استقالة باراك ظهرت علامات قوية على ان حركته السياسية هذه تمت بالتواطؤ مع ارييل شارون الزعيم الحالي لحزب الليكود من أجل هدف واحد فقط هو منع عودة الزعيم الليكودي السابق بنيامين نتانياهو إلى المنصب السياسي الأول في الدولة العبرية. ولا تخلو نظرية المؤامرة بين باراك وشارون من المصداقية لا سيما وانها تعني في حال نجاحها بقاء الاثنين سياسيا من خلال حكومة وحدة وطنية, يرى الاثنان, وكل بشروطه طبعا, انها السبيل الوحيد لاخراج اسرائيل من مأزقها الراهن المتمثل في عدم قدرة أية حكومة أو زعيم اسرائيلي على اتخاذ قرار السلام, أو قرار الحرب, بسبب الانشقاق العمودي في المجتمع الاسرائيلي. ويحتاج باراك لأية خطوة تخرجه من مأزقه إلى تفويض جديد من الاسرائيليين وهو بحاجة إلى هذا التفويض سواء من أجل اتفاق السلام مع الفلسطينيين أو من أجل اتفاق السلام مع السوريين. وعبر تخويف الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات من خلال التلويح له بكابوس عودة نتانياهو ليكون صاحب الرأي الأول في اسرائيل, ربما يستطيع باراك أو شارون أيضا الحصول على تنازلات رفض عرفات تقديمها في السابق, وبهذا يكسب باراك ليس فقط عرفات وإنما الناخب الاسرائيلي الذي لا يريد لاسرائيل البقاء في نقطة الصفر مع الدول العربية. وقد قام باراك بخطوته التي لا تخلو من المخاطر الكبيرة والتي تشبه في الواقع لعبة الروليت الروسية تحت ضغط واضح من قيادات حزب العمل الذي يتزعمه والذي يخشى العودة من جديد إلى صفوف المعارضة والذي أعاد توحيد ذاته ضاغطاً على الخلافات بين رؤوسه السياسية والطامحة في الزعامة من أجل البقاء في الحكم وقطع الطريق على الليكود بزعامة نتانياهو. لقد اعتبرت عواصم دولية بارزة كباريس وواشنطن استقالة باراك شأنا داخليا اسرائيليا تماما كما اعتبرتها جهتان عربيتان هامتان هما القاهرة والرئيس عرفات, وكل هذه الجهات تعلم اكثر من غيرها ان الحقيقة وان كانت ظاهريا كذلك فإنها في الواقع شأن داخلي وفلسطيني وعربي أيضا. والحقيقة أيضا هي ان الانتفاضة أحدثت أزمة في المؤسسات الاسرائيلية وبخاصة مؤسسة الجيش التي وجدت نفسها في حرب مع شعب أعزل وتتلقى هي ومن خلفها الطبقة السياسية الحاكمة في اسرائيل كل يوم ادانات دولية جديدة, وإدانات من جانب المنظمات التي تعنى بحقوق الانسان. لكل ذلك ولأسباب خارجية أهمها الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي صارت بالفعل أشبه بمسلسل مكسيكي طويل وممل يحمل بين طياته احتمال انكشاف الدور الخفي الذي يمارسه اليهود في أمريكا, وما قد يتبعه من تراجع كبير للدور اليهودي في أقوى دول العالم حضوراً سياسيا على الساحة الدولية, قرر رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود باراك الاحتكام إلى صناديق الاقتراع خلال الستين يوما المقبلة. والأرجح ان باراك سيفوز في لعبة الروليت الروسية التي أرادها طريقاً للبقاء السياسي وللخروج من المأزق الراهن, ويأمل في جعل حياته السياسية لا تقل أهمية أو حتى عمرا عن حياته العسكرية ر غم ان ذلك الهدف صعب بل وصعب جدا في وسط هذه التيارات السياسية الاسرائيلية السريعة والجرافة أحيانا بل أحيانا كثيرة.