الملف السياسي : الشارع الاسرائيلي اختلطت عليه الأمور وأصبحت رؤيته غامضة تحيطها الغيوم, فمصداقية ايهود باراك لم يعد لها رصيد يذكر بسبب فشله في التوصل لسلام مع السلطة الفلسطينية, وارييل شارون تحيط مواقفه السياسية الشبهات, بداية بفعلته التي فجرت الانتفاضة ونسفت القليل المتبقي الذي كانت معلقة عليه الآمال في التوصل لسلام, بزيارته لمنطقة المسجد الأقصى في نهاية سبتمبر الماضي, وانتهاء بالخسائر الاقتصادية الاسرائيلية بسبب المواجهة العسكرية, أما بنيامين نتانياهو الذي يستغل الموقف فحاله ليس أفضل من هذا وذاك, وسط هذا المناخ جاءت استقالة باراك بعد رضوخه لضغوط المطالبة باجراء انتخابات مبكرة. حول مستقبل السلام الهش.. انهيار سياسة باراك واستقالته من رئاسة الحكومة.. ومدى قدرة الانتفاضة الفلسطينية على الاستمرار؟ وهل ستتمكن من تحقيق ما أخفقت فيه المفاوضات السياسية؟ أجرى (الملف السياسي) هذا الحوار مع الدكتور بسام أبو رضوان مراقب شئون الشرق الأوسط السياسية في بروكسل. تاليا نص الحوار: * هل ستؤدي استقالة باراك لزيادة صراع الداخل الاسرائيلي؟ ــ لن تفعل استقالة باراك في الشارع الاسرائيلي أكثر مما حدث منذ قدومه لرئاسة الوزراء قرابة عام ونصف العام, ويفيد رصد الواقع مؤخرا توضيح ما يسمعه الشعب هناك الذي يشكل الرأي العام الاسرائيلي, فشارون رئيس حزب الليكود يقول علنا ان استقالة باراك لعبة لابعاد نتانياهو عن الاقتراب من كرسي رئاسة الوزراء, في الوقت الذي يتردد فيه وجود اتفاقية سرية بينه وبين باراك على ذلك, وانعكاس ذلك على الشارع الاسرائيلي يؤكد حدة الانقسامات وفقدان الثقة في حزبي العمل والليكود في آن واحد كحد أقصى, وكحد أدنى يساهم في الخلل لدى الشعب الاسرائيلي وخاصة الشباب المتعطش للسلام والهدوء, بخلاف كبار السن أصحاب الأفكار الاستيطانية الاستعمارية التقليدية, اضافة لعدم وجود رجل سياسي قوي في اسرائيل له صفة الزعامة مثل مناحم بيجن أو إسحاق رابين. * لكن ماذا عن التفويض الكامل الذي منحه حزب العمل لباراك؟ ــ هذا حدث ضمن اطار اللعبة السياسية الحزبية, لكن الرأي العام يختلف فالشعب من الناحية العملية يعرف ان شيئاً لم يتغير فمنذ 18 شهرا طوال رئاسة باراك للوزارة لم يكن هناك شريك حقيقي في عملية السلام, لكن شكل الصراع الآن له صفة الجدية أكثر من أي وقت مضى, على الرغم من معرفتنا بأن ساسة اسرائيل لعبتهم التي يجيدونها هي توزيع الأدوار, فتوزيع الأدوار اليوم هزيل جدا, لان الليكود يتحدث عن السلام, وحزب العمل كذلك, فهل الشعب الاسرائيلي يشعر بالسلام؟ وهل تمكن أي من الحزبين من تحقيق شيء يذكر باستثناء اتفاقية كامب ديفيد للسلام مع مصر؟ حتى انه سلام بارد بسبب شكوك الشارع المصري وعدم ثقته في اسرائيل. * طالما تحدثت عن السلام فما هي فرصة تحقيقه بعد التطورات الحالية؟ ــ بداية نفاد الصبر الفلسطيني طوال سبع سنوات دون حل للمشاكل المعلقة ودون التوصل لسلام أضفى شرعية دولية على الانتفاضة الفلسطينية, فلو استمرت ثورة الغضب الشعبي الفلسطيني بقوتها الحالية رغم سقوط الشهداء, مع الوضع في الاعتبار صمود عرفات على رأس السلطة الفلسطينية التي تراهن على الانتفاضة كبديل لمفاوضات السلام, واستثمار عملية كشف الانتفاضة للممارسات الاسرائيلية, وتركيز السلطة الفلسطينية على التحرك الاعلامي الدولي لتأكيد الجرائم التي يرتكبها الجيش الاسرائيلي, في هذه الحالة ستزيد فرصة تحقيق السلام, وسيدعم ذلك بشكل كبير قدوم رئيس وزراء له قدرة على تخصيب الرأي العام الاسرائيلي لتقبل السلام على أساس القرارين 242 و,338 لكني لا أتوقع حدوث خطوات عملية ناجحة قبل مرور 60 يوما وهي الفترة المحددة لانتخاب رئيس وزراء جديد لاسرائيل, ومن ناحية ثانية تكون الرؤية قد اتضحت بالنسبة للرئيس الأمريكي الجديد. * هل سيكون شارون أو نتانياهو أفضل من باراك مع الوضع في الاعتبار احتمال عودة باراك؟ ــ نعم هذا احتمال, وارييل شارون هو منافس مشبوه بالنسبة لبنيامين نتانياهو وباراك في وقت واحد, وعلمنا ان نتانياهو أعلن ترشيح نفسه لرئاسة حزب الليكود لافساح الطريق لدخوله الكنيست تمهيدا لترشيح نفسه لرئاسة الوزراء, وهو يعد لذلك منذ أسابيع, وليس أمام رئيس الوزراء الاسرائيلي القادم أكثر مما يقوم به باراك حاليا, وان عرفات سوف لا يقدم على عقد اتفاقيات سلام جديدة مع باراك في الفترة الحالية, لكن القضية ليست هي من الأفضل بقدر ان المعطيات في اسرائيل داخليا تحتم على أي منهما احراز تقدم في عملية السلام, لو لم يكن حبا في الفلسطينيين فسيكون بسبب الحفاظ على الجبهة الداخلية الاسرائيلية من الانهيار. * هل فرصة باراك لا تزال أعلى من منافسيه؟ ــ لا أعتقد فعلى الأقل من باب التغيير فرصته أقل, وليس معنى ذلك ان شارون أو نتانياهو أفضل منه فإسرائيل لم تنفذ قرارات مجلس الأمن ولا الاتفاقيات التي عقدتها مع السلطة الفلسطينية منذ مدريد مرورا بأوسلو وواي ريفر وحتى شرم الشيخ, ومنذ أن أتى باراك لرئاسة وزراء إسرائيل سيطرت عليه سلوكيات الجنرال العسكري فقد حاول كسب كل شيء, أراد تحقيق سلام على منهجه مع السلطة الفلسطينية وفشل, وحاول عقد سلام مع العرب ولم ينجح, ومنذ قدومه أعلن اللاءات المعروفة, لا لعودة اللاجئين, لا لعودة القدس للفلسطينيين, كما انه فشل في اقناع الشارع الاسرائيلي بسياسته, فلم يكن لباراك توجه سياسي محدد فبوصلته منذ البداية كان بها خلل واضح. أما شارون فمنذ تفجر الانتفاضة التي اشتعلت بسبب زيارته لمنطقة المسجد الأقصى في 28 سبتمبر الماضي بدأت اسرائيل تخسر ملايين الدولارات, حيث تتكلف عملية استدعاء الاحتياط المدنيين من المصانع والشركات لاشتراكهم في مواجهة الانتفاضة مبالغ طائلة, والأمر الثاني هو الأثر النفسي بسبب تركهم الحياة المدنية وذهابهم لحياة عسكرية, والاجتماعي بسبب القلق الذي يحدث لأسرهم, كما انه لا يجب اغفال ان شارون ما كان يقدر على خطوة زيارة منطقة المسجد الأقصى إلا بتصريح وإذن واضحين من حكومة باراك, التي وفرت له الحماية العسكرية, وهي كانت سقطة سياسية أثبتت ان باراك عسكري أكثر منه سياسي. * هل تعتقد ان الانتفاضة الفلسطينية ستستمر حتى يتحقق السلام؟ ــ السلطة الفلسطينية لديها يقين ان إسرائيل لا تتحمل حربا طويلة, فقد تعودت على الحروب الخاطفة قصيرة المدى, وعرفات يراهن على ذلك, والقضية الأكبر هي مدى قدرة استمرار السلطة ذاتها على الصمود, وعدم وقوعها في المحظور فور قدوم رئيس وزراء جديد بوعود لتطويق الانتفاضة واهدار ما حققته من نتائج, فقد تمكنت الانتفاضة من خلق واقع جديد وقلبت الموازين, وتراجعها سيكون خسارة كبرى للشعب الفلسطيني, لذلك فأتوقع استمرار الانتفاضة وانها ستحقق ما أخفقت فيه السلطة الفلسطينية.