الملف السياسي : بداية لا بد من القول أن استقالة رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود باراك في هذه اللحظة التاريخية بالذات, جاءت مخالفة لكل التوقعات والتكهنات الداخلية الإسرائيلية والعربية وحتى الدولية. وأن هذه الاستقالة جاءت أيضاً مخالفة لكل الأعراف السياسية الإسرائيلية السائدة, لكنها بكل تأكيد جاءت لتعبر عن جملة من الأزمات المستفحلة التي بدأت تنهش بالمؤسسات السياسية الإسرائيلية, والتي بدأت بقتل اسحق رابين ولا نزال نشهد تداعياتها الغير محدودة, أو مسقفة بسقف سياسي واضح سوى المصلحة الأمنية العليا لإسرائيل, لكن من خلال جملة المفاهيم والبرامج الحزبية التي تعد أحياناً لكنها لا تحصى في أغلب الأحيان, بسبب المصالح الحزبية الضيقة التي تحكم سير مثل هذه الأحداث والخطوات المفاجئة كاستقالة باراك على سبيل المثال لا الحصر. أما عن ماهية الدوافع التي دفعت بباراك للتنصل من رئاسة الوزراء بهذه السرعة المفرطة, وخروجه من حلبة الصراع, فهذا الأمر حسب اعتقادي, يخضع لجملة من الضغوطات والمنغصات الذاتية والحزبية والسلطوية الداخلية والخارجية أيضاً, ولعلنا ندرج ما يلي من مجموع هذه الأسباب وهي : أولاً : حاول على ما يبدو ايهود باراك, انطلاقاً من انتصاراته وجموحة اللامحدود أن يسد ثغرة غياب رابين, لينتقل بعد ذلك إلى مصاف بن جوريون وغيره من القيادات الإسرائيلية التاريخية بنظر الإسرائيليين, لكن التحالفات الحزبية التي أقامها ظناً منه أنه بهذه التحالفات سيشكل القاعدة الأوسع لحكومته, قد انقلبت عليه قبل صياح الديك, وأطاحت بأحلامه الكبرى خاصة توحيد الشارع الإسرائيلي وإلغاء ما يسمى بالسفارديم والاشكيناز, انطلاقاً من تركيبته الأسرية, خاصة إذا ما علمنا أنه متزوج من يهودية من أصل شرقي, يهودية فلسطينية من سكان طبريا, وهو من أصل اشكينازي غربي. لكنه على كل حال لم يفلح حتى في هواجسه وأحلامه, والتي غلبت عليها منذ تسلمه مقاليد الحكومة الفردية والأنانية والتآمر على أبناء حزبه, وهذا ما لمسناه في التشكيلات التي أحاط نفسه فيها, وغالباً ما كان يتصرف وكأنه في كتيبة عسكرية, من خلال استجلاب جموع الجنرالات والضباط وما إلى غير ذلك. ثانياً : إن لاءات باراك الأربعة المتعلقة بالسلام مع الفلسطينيين, التي حملته إلى الحكومة لم تميزه عن غيره, بل بالعكس جاءت وبالاً عليه, حيث بدأت جموع الأحزاب المتحالفة معه, أو التي تقبع في المعارضة لا تجد فيه ما يميزه عنها, ولهذا بالذات بات هدفاً سهلاً للأحزاب القومية والدينية المتطرفة, وهذا الأمر بحد ذاته قد أضعفه, لانه ساهم بانتفاضة الأقصى من حيث يدري أو لا يدري, وأصبح قبيل وبعد انتفاضة القدس المباركة مطية لهذه الأحزاب, تماماً كما حصل مع سلفه نتانياهو في ما بين عامي 1996 و 1997 . ثالثاً : و انطلاقاً من هذين العاملين, بدأ حزب العمل على المستوى الداخلي بالتململ من هذه السياسة, التي أفقدته هويته على المستوى الداخلي وخلقت حالة من الانقسام الغير معلن, لدرجة أن حزب العمل ومن خلال سلوكيات المتنفذين والبارزين ثلاثة أو أربعة أحزاب, فشمعون بيريز رغم غيابه الإعلامي لا يزال يحظى بحضوره الداخلي والإقليمي والدولي, بدأ يدرك أبعاد سياسة ايهود باراك وخطورتها على سياسة حزب العمل لذلك بدأ يدبر الكثير من المكائد والمؤامرات داخل الحزب وهو سيد هذه الطريقة بلا منازع, بالإضافة إلى حمامتي السلام المجنحتين يوسي ساريد ويوسي بيلين, بدآ يدركان هذه الحقيقة لكن من الزاوية التي تخصهما, والذي يسعى كل واحد منهما خلال مصالحه الشخصية إلى الحد من تفرد باراك, إدراكاً منهما, أن باراك بسياساته الحكومية المتبعة والتقرب من اليمين الديني والقومي الكبير, تحت عنوان وحدة المجتمع الإسرائيلي, تضر بمصالحهما, انطلاقاً من قناعة أن هذه السياسة الفردية, ستنعكس سلباً ليس على مستقبل حزب العمل وانما أيضاً على مستقبلهما السياسي على المستوى الفردي. رابعاً : على ما يبدو أن حزب العمل أياً يكون الشخص الذي يشغل قيادته, مكتوب عليه أن يقدم فقط الانتصارات عبر الحروب على الطرف الآخر, وتنفيذ المخططات الاستيطانية التي يرثها بين الفينة والأخرى من شركائه الليكوديين وضم الأراضي الفلسطينية, وأن الليكود, هو المعني في تقديم التسويات على كل الجبهات العربية, ولهذا السبب خسر باراك رهاناته دفعة واحدة, لانه تجاهل هذه الحقيقة, خاصة وأن المجتمع الإسرائيلي لا يزال اخذاً بالتطرف بكل أشكاله . خامساً :والاهم من هذا وذاك, أن ايهود باراك منذ تسلمه السلطة ظن أن بمقدوره تنزيل مستوى السقف السياسي الفلسطيني, وأنه من خلال الدعم الأمريكي والغربي اللامتناهي, أنه سيجبر الفلسطينيين على توقيع اتفاق يتجاوز القدس واللاجئين, لكن نتائج كامب ديفيد ,2000 وما تلاها من أحداث عاصفة, والذي تكثفت بانتفاضة الأقصى, قد تجاوزت والى غير رجعة السقف الذي أريد لها أن تبقى دونه من كثير من الأطراف الإقليمية والدولية. وأن نتائج الانتفاضة أصبحت غير محكومة بسقف محدد لدى طرفي الصراع, إن كان لجهة السلطة الفلسطينية, أو لجهة الرؤية الإسرائيلية, والتصريحات الإعلامية من رجالات هذا الطرف أو ذاك والتي نسمعها بشكل يومي تؤكد هذه الحقيقة, وحزب العمل بقيادة باراك لا يمكنه تقديم التنازلات نزولاً عند مطالب الانتفاضة المستجدة والمتطورة يوماً بعد يوم من خلال العملية الانتفاضية الجارية, لذلك اغتنم الفراغ السياسي الحاصل على المستوى السلطوي في إسرائيل لكسب ماء الوجه على أقل تقدير وليلقي بعد ذلك بالتركة الثقيلة على كل مناوئيه, إن كان داخل حزب العمل أو خارجه. لكن السؤال بعد هذه الاستقالة المفاجئة, إلى أي وجهة ستذهب المركبة الإسرائيلية, بعد هذا الفراغ التي أحدثته استقالة ايهود باراك, خاصة وأننا ندرك أنها بلا ربان وبوصلة قد توصلها إلى بر الأمان ؟ بعيداً عن التكهنات وبعيداً عن الاجتهادات, أنه بعد الاستقالة الانقلابية والانتقامية من الصديق قبل العدو, اصبح يفصلنا عن الانتخابات الإسرائيلية 60 يوماً لا غير, وأن المسافة أضيق مما يتصورها البعض وغير كافية للملمة الأوراق الانتخابية لدى كل الأحزاب الإسرائيلية بدون استثناء. كما أنها مساحة لا تكفي لأي من الأطراف الحزبية الفاعلة لترتيب صفوفها حتى التحالفية, بل أكثر من ذلك, قد تصل إلى الانتخابات وهي تفتقد إلى قوائم موحدة بعدها سيضطر كل حزب من الأحزاب الرئيسية التقدم إلى انتخابات الكنيست السادسة عشر بمفرده, دون تحالفات وقوائم, وستكون على أغلب الظن أضعف انتخابات اسرائيلية بعد الانتخابات التي شهدتها إسرائيل في عام ,1976 مما سيطر الليكود والعمل للتفكير مرة أخرى بالدخول بسجال حول تشكيل حكومة وحدة وطنية لكن هذه المرة على الأغلب إذا ما تم التوصل لمثل هذه التسوية الانتهازية, لن تكون بشارون الليكودي وباراك العمالي ؛ودون ذلك سنشهد حكومة متطرفة تحمل طابعاً يمينياً كاملاً. وما كان مغضوباً عليه قبل فترة وجيزة, وأقصد نتانياهو الذي تسلم مقاليد الحكم في إسرائيل بعد انتخابات الكنيست الرابع عشر وأقصي بعد ثلاثة أعوام, سيكون مطلباً عاماً لدى الشارع الإسرائيلي في انتخابات الكنيست السادس عشر, إن كان عدل قانون انتخاب رئيس الوزراء الذي كان يقضي بانتخاب الرئيس مباشرة من الناخبين, أو من الكنيست من خلال الكتل البرلمانية المنتخبة. لكن ما أود التذكير به, أنه عندما نتكلم عن مدى التطرف الحاصل بالشارع الإسرائيلي, ليس ضرباً من الخيال, بل هو حقيقة تتناسل بعيداً عن الأسماء والصفات والبرامج, وعلى النظام العربي الرسمي, أن لا يتوحد من خلال هذا البرنامج الإسرائيلي أو ذاك الذي يحمل كلاماً معسولاً, بل يجب عليه التأني في إطلاق الاحكام القيمة, وأن يعي الحقيقة القائلة أن إسرائيل تحتاج إلى فترة زمنية طويلة وغير منظورة, للتوصل إلى ما يسمى ببناء السلام معهم, وأن ما يجري في إسرائيل هذه الأيام هو تعبير عن جملة الأزمات والمأزق اللذين لحقا بها, من جراء طرح حتى مجرد فكرة السلام الزائف. وهنا أيضاً لا بد من التساؤل, هل حقاً سيبقى العرب يراهنون بعد كل هذا الذي يجري داخل إسرائيل على أن هناك ثمة طرفا إسرائيليا واحدا يسعى لاقامة السلام المتوازن والقائم على الحق معهم؟ أم أنهم سيغيرون من قناعاتهم لقاء ما يجري ليعودوا إلى بناء سياسة عربية موحدة ومتوازنة خدمة لمصالحهم الشخصية على أقل تقدير, ولمصلحة شعوبهم؟