الملف السياسي : لم يمض وقت طويل على اندلاع انتفاضة الاقصى التي فجرتها زيارة الارهابي ارييل شارون للحرم القدسي الشريف حتى تمكنت هذه الانتفاضة وعبر دماء الشهداء والجرحى الفلسطينيين من احداث، زلزال حقيقي في الكيان الصهيوني يعيد الى الاذهان الزلزال الذي احدثته الانتفاضة الفلسطينية الاولى التي اندلعت في اواخر عام 1987 والتي اجبرت الكيان الصهيوني في حينه على الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية وشرعت الباب امام تسوية تكون فيها منظمة التحرير الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني في هذه التسوية التي اوصلتها سياسة المراوغة والخداع الاسرائيلية الى طريق مسدود وازمة حقيقية لا يمكن تجاوزها الا بانتفاضة فلسطينية جديدة تعيد رسم المعادلة من جديد. وعلى مدى اكثر من شهرين ادى الصمود الفلسطيني في انتفاضة الاقصى امام الوحشية الاسرائيلية الى الحاق هزيمة سياسية مدوية برئيس وزراء الكيان الصهيوني ايهود باراك الذي اعلن مساء التاسع من الشهر الجاري عن استقالته من منصبه. وفي كلمته التي ادلى بها في هذه المناسبة بدأ جنرال الحرب الاسرائيلي حديثه باعترافه بفشله في قمع الانتفاضة الفلسطينية واعلانه بأن اليهود يقتلون في الطرقات وكرر باراك بان الجيش الاسرائيلي وهو اقوى جيش في الشرق الاوسط لا يستطيع ان يقضي على المقاومة الفلسطينية التي سماها بالارهاب كما اعلن ايضا انه سيذهب الى الانتخابات الجديدة على اساس (الانسحاب الى حدود 1967 وان القدس ستبقى عاصمة الكيان الصهيوني الابدية على حد قوله والابقاء على الاستيطان اليهودي في الاراضي الفلسطينية). وعلى الرغم من ان استقالة ايهود باراك لم تكن مستبعدة بل كانت من اكثر الاحتمالات التي فرضتها فعاليات الانتفاضة الفلسطينية الجديدة الا انه لابد من التوقف عندها لما تحمله من مؤشرات ودلالات مهمة وهي: أولا: ان باراك لجأ مرة اخرى الى المراوغة للخروج من المأزق الكبير الذي وضعته فيه الانتفاضة الفلسطينية وهو مأزق سقط فيه قبله اسحاق رابين صاحب نظرية تكسير عظام الفلسطينيين وكذلك شيمون بيريز وسلفه الارهابي المتشدد بنيامين نتانياهو. ثانيا: يسعى رئيس وزراء الكيان الاسرائيلي المستقيل المترنح تحت ضربات الحجر الفلسطيني الى حرمان الانتفاضة الفلسطينية من قوة الدفع التي تتمتع بها رغم مضي اكثر من شهرين على اندلاعها حيث تبدو هذه الانتفاضة واضحة الاهداف عالية التنظيم رغم محتواها الشعبي العام حيث اعلنت هذه الانتفاضة ومنذ ايامها الاولى ان هدفها الاستراتيجي هو انهاء الاحتلال الاسرائيلي بالمقاومة الشعبية وبكل الوانها بعد يأس الشعب الفلسطيني من عملية التسوية التي حولتها سياسة الكيان الاسرائيلي الى مجرد مضيعة للوقت الهدف منها فرض الامر الواقع على الشعب الفلسطيني وارغامه على قبول ما يطرحه الصهاينة باعتبار انه افضل الممكن في ظل الظروف الراهنة. ثالثا: رغم ان استقالة باراك تمثل محاولة من جانبه للخروج من مأزقه السياسي الذي يتخبط فيه والذي ادى الى تراجع كبير في اسهمه لدى الشارع الاسرائيلي وكذلك على الصعيد العالمي بعد ان اتضحت حقيقته كداعية حرب وليس رجل سلام رغم كل هذا الا ان استقالة باراك تمثل في الجانب الآخر محاولة منه لتمهيد الطريق امام خصمه الليكودي بنيامين نتانياهو الذي ينتظر فرصة سقوط الجنرال الذي هزمه بواسطة يافطة السلام التي رفعها وهو ما حدث بالفعل حيث سارع بنيامين نتانياهو وفور اعلان باراك عن استقالته الى ترشيح نفسه لمنصب رئيس الوزراء في الكيان الاسرائيلي علما بأن قانون الانتخابات الاسرائيلي لا يبيح له ترشيح نفسه باعتبار ان هناك مادة اوجدها نتانياهو نفسه عندما كان في السلطة تحظر على غير اعضاء الكنيست الترشيح الى منصب رئيس الوزراء الاسرائيلي اي ان نتانياهو مضطر الآن لمحاربة مادة في قانون الانتخابات الاسرائيلي كان هو نفسه وراء وجودها. رابعا: بخطوته تقديم استقالته استطاع ايهود باراك في الواقع ان ينقل المعركة الى داخل الليكود وبالتحديد بين بنيامين نتانياهو وارييل شارون ولكن ما يجب الانتباه اليه هنا ان الوضع داخل حزب العمل ليس افضل مما هو عليه داخل الليكود حيث يواجه باراك سخطا شديدا من قبل اعضاء الكنيست العرب وبعض حلفائه السياسيين وهذا يعني ان المعركة ستبدأ داخل الاحزاب الاسرائيلية قبل انطلاقها الى الكنيست الاسرائيلي. وهو ما يشير الى مدى خطورة الهزة السياسية التي احدثتها الانتفاضة الفلسطينية الجديدة حيث شرعت هذه الابواب امام المزيد من الصراعات الحزبية الاسرائيلية ويظهر ذلك بوضوح في الهجوم الذي شنه نتانياهو على باراك عندما اعلن عن ترشيح نفسه للانتخابات اذ اتهمه بما اسماه مستقبل اسرائيل وتقديم تنازلات ادت الى اندلاع الانتفاضة الفلسطينية. خامسا: قد تبدو خطوة باراك بتقديم استقالته والدعوة الى انتخابات مبكرة محاولة جديدة منه لعرقلة اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة لا سيما وان عام 2000 الذي حدده الفلسطينيون سقفا زمنيا لاعلان دولتهم قد قارب على الانتهاء وبالتالي فإن استقالة باراك ستؤخر بالتأكيد امكانية التوصل الى اي اتفاق فلسطيني اسرائيلي الى ما بعد الانتخابات الاسرائيلية وهو ما تنبه اليه الرئيس الفسطيني ياسر عرفات الذي اكد ان استقالة باراك ستجمد عملية التسوية مما يعني ابقاء الباب مفتوحا على كل الاحتمالات ومنها تصاعد المواجهات بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال الاسرائيلي خاصة وان ما جرى ويجري في الاراضي الفلسطينية يثبت بشكل قاطع استحالة تعايش الفلسطينيين مع الاحتلال الاسرائيلي مهما بلغت القوة المستخدمة ضدهم ومهما تفنن العدو الصهيوني باستخدام القمع والجرائم التي احترف القيام بها ضد الشعب الفلسطيني. واذا كان هناك من شيء يمكن قوله في هذه العجالة فهو ان الانتفاضة الفلسطينية الحالية انما هي قنبلة كبيرة انفجرت ليس ضد الاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وانما داخل البيت الاسرائيلي بالذات خاصة وان احداث الانتفاضة اثبتت فشل العدو الاسرائيلي في تأمين الحماية للمستوطنين الصهاينة في الاراضي الفلسطينية وبدلا من ان تكون المستوطنات الاسرائيلية اسوار حصار للشعب الفلسطيني كما خطط قادة العدو بات المستوطنون الصهاينة اشبه بالرهائن داخل معسكرات اعتقال رغم ضخامة الآلة العسكرية التي تحميهم وباتت الطرق الالتفافية التي ارادها العدو لتكون وسائل آمنة باتت هذه الطرق الاماكن المفضلة لقتل المحتلين الصهاينة وهو ما اعترف به رئيس وزراء الكيان الصهيوني المستقيل ايهود باراك خلال الاعلان عن استقالته عندما قال ان الاسرائيليين يقتلون في الطرقات. وهكذا يمكننا القول اخيرا ان الانتفاضة الفلسطينية التي يشارك فيها كل ابناء الشعب الفلسطيني على اختلاف اتجاهاتهم التنظيمية والسياسية ستجبر جميع الاطراف في المنطقة على مراجعة حساباتهم السياسية مؤكدة ان لا حل للمسألة الفلسطينية ما لم يحصل الشعب الفلسطيني على حقوقه التي اقرها المجتمع الدولي وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير واقامة دولته المستقلة على تراب وطنه. وإذا كانت الانتفاضة الفلسطينية قد اطاحت برأس الجنرال باراك واجبرته على الاستقالة فإنها بالتأكيد ستطيح بأي باراك آخر يمكن ان تحمله الانتخابات الاسرائيلية المقبلة, الى السلطة حتى ولو تسلح بكل آلة الحرب الاسرائيلية فما من قوة مهما عظمت تستطيع ان تقهر ارادة شعب قرر ان يموت في سبيل وطنه وكرامته الوطنية.