الملف السياسي: في واقع الحال لم تشكل استقالة رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود باراك مفاجأة للمراقبين السياسيين المتابعين لما يعتمل بالداخل الاسرائيلي من ازمات وانقسامات حادة تعيشها الدولة العبرية على مستوى الاحزاب السياسية اليمينية، واليسارية وعلى النسق الاجتماعي ايضا, وربما تأتي هذه الاستقالة لتعكس حجم التأزم الذي وصلت اليه القيادات السياسية والعسكرية على حد سواء في مواجهة استحقاقات السلام وهدير الانتفاضة التي هزت اركان تل ابيب وقضت مضاجعها. لقد اربكت الانتفاضة الفلسطينية خطط الدولة الصهيونية وخلقت الذعر في قلوب قادتها الذين ما فتئوا يستخدمون الاسلحة الحديثة ضد الشعب الاعزل في مناطق السلطة الفلسطينية لارهابهم دون جدوى, في وقت جاءت فيه هبة الاقصى لتؤكد تمسك الفلسطينيين بحقوقهم المسلوبة ورفضهم لكل الممارسات الارهابية الاسرائيلية, ولتكشف ايضا اوهام السلام المتعثر بسبب صلف وتعنت الاسرائيليين ودعم امريكا وانحيازها لهم. واذا كان باراك قد جاء قبل عام ونيف على انقاض الليكودي نتانياهو ضمن برنامج يدعو الى دفع عجلة السلام وتحريك الركود الذي اصاب عملية التسوية فانه ليس افضل ممن سبقه سيما وأنه انتهج اسلوب المراوغة وحاول اللعب على اوراق شتى كانت معظمها مكشوفة واكدت الاحداث وجولات التفاوض عبر كافة المسارات بأن قادة الدولة الصهيونية يمارسون لعبة توزيع الادوار فيما بينهم كونهم يرتكزون بنهاية الامر في منهاجهم السياسي على العقيدة الصهيونية. لقد أراد باراك ان يقطع الطريق على محاولات اسقاطه فتقدم بالاستقالة على امل العودة الى رئاسة الحكومة من خلال الانتخابات.. فهل ينجح هذا التكتيك ويتلاءم مع توازنات الاحزاب السياسية الاسرائيلية وتوجهاتها وكذا مصالحها ام يلجأ الكنيست الى تغيير النظام الانتخابي الذي يشترط ان يكون المرشح لرئاسة الحكومة عضوا في الكنيست الامر الذي سيفتح الباب لصراع انتخابي محموم بين زعيم الليكود نتانياهو ومرشح حزب العمل باراك حينها قد تكون فرص الاول اقوى من الثاني. وأيا كانت تفاصيل اللعبة السياسية في اسرائيل فإن العملية برمتها لا تعدو كونها توزيع ادوار بين رموز الكيان الصهيوني الذين قد يختلفون بالتكتيك وبعض المصالح الحزبية ولكنهم متفقون في الاستراتيجية المعادية للفلسطينيين والعرب عموما لذلك فالرهان على باراك او نتانياهو او غيرهما من رموز الدولة العبرية رهان فاشل بكل المقاييس وهو امر اثبته التاريخ السياسي لاسرائيل عبر حكوماتها المختلفة, وبالتالي فإنه يمكن وصف ما يجري في تل ابيب بأنه صراع الارهابيين على السلطة.