بيان الاربعاء: لتفعيل دورها في آسيا احتاجت أمريكا للقوة الاسترالية القريبة من القارة الصفراء فشكلت منها ذراعاً للتدخل في آسيا وحماية مصالحها. وأشارت مصادر كثيرة الى ان وزارة الدفاع الاسترالية طرحت ورقة حملت تساؤلات كثيرة أشرت للدور الاسترالي ــ الأمريكي في آسيا وحامت حول الدور المستقبلي للقارة الجديدة كونها وكيلة لأمريكا. وجاء في الورقة من مجمل الاسئلة: هل سيكون دور استراليا دوراً دفاعياً أم قارياً؟ هل ستحتاج استراليا لمصادر مالية اضافية لبناء قوات غير مقاتلة لحفظ السلام دولياً واقليمياً؟ وهل ستبقى استراليا الذراع الأمريكية في القارة الآسيوية مع الاعتماد على وفاء الأمريكيين؟ حاولت استراليا وضع قدم لها في الساحة السياسية العسكرية في المحيط الهادي في القرن الحادي والعشرين مع تنامي نفوذ الهند والصين وتشرذم احوال اندونيسيا وانشغال المنظومة الاقليمية المتمثلة برابطة دول جنوب شرق آسيا بالمشكلات الاقتصادية. وأشارت مصادر صحفية استرالية وأمريكية الى ان هناك تفاهماً متبادلاً بين استراليا وأمريكا بأن مسئولية السيطرة على المحيط الهادي قد تسلم لاستراليا والى حد ما لنيوزيلندا بشكل قانوني, وخلال أزمة فيجي الأخيرة ترك الأمر لكانبيرا ووزير خارجيتها الكسندر دونر ونظيره النيوزيلندي ليتعاملا مع الانقلابيين في فيجي, وكذا الحال في الأزمة الاندونيسية. الاستراليون وهم يتناقشون حول الدروس التي خرجوا بها من تيمور الشرقية لم يغادرهم الاعتقاد بمسئوليتهم عن أمن استراليا وأمن الدول الآسيوية المجاورة لها فقوات استراليا تتمتع بتفوق نسبي على القوات الآسيوية الأخرى وهو ما يجب الحفاظ عليه بينما تراجعت القوة العسكرية لمعظم الدول الآسيوية بسبب تراجع الانفاق العسكري بعد الأزمة التي واجهتهم. وهكذا تجرأت استراليا بدفع أمريكي من اعلان مبدأ هوارد الذي بقي سراً تعرفه الدولتان حتى ظهور أزمة تيمور الشرقية الذي اضطر البلدين لاعلانه بغية تسهيل التدخل الاسترالي بتكتيك أمريكي. ومبدأ هوارد الذي اكدته ورقة وزارة الدفاع الاسترالية منتصف سبتمبر الماضي يعود الى واضعه رئيس الوزراء جون هوارد وهو يعبر عن رؤيته التي توصل اليها بالاتفاق مع الشركاء الأمريكيين. تضم رؤية هوارد ركنين أساسيين: * أولهما: مبادرة استراليا بدور نشيط في شئون الأمن الآسيوي بما في ذلك التدخل في شئون الدول عند الحاجة, وهو مبدأ أمريكي النكهة والنزعة. * وثانيهما: ان تقوم استراليا بدور الوكيل عن الولايات المتحدة الأمريكية. وضع هوارد شرطاً لذلك هو زيادة الانفاق العسكري من مجموع الناتج المحلي الاجمالي اذ يقل الانفاق العسكري عن 2% حالياً. التغييرات في جنوب شرق آسيا دفعت استراليا للاعلان عن رغبتها في تغيير سياساتها الخارجية تغييرا جذريا, فقد أحدثت الأزمة المالية الآسيوية هزة عنيفة اختلطت معها أوراق السياسات الداخلية وترتيبات الدول المعقدة التي كانت تحافظ على استقرار المنطقة واستقرار مصالح أجنبية فيها. وتشير الدراسات الى ان الأزمة الآسيوية اظهرت القضايا الاستراتيجية التي كانت في القاع مغطاة بسيل الأموال بشكل مفاجئ, فلم تعد القضية التايوانية مسألة ثانوية بالنسبة للصين, وبدت بعض الخلافات بين الولايات المتحدة وبكين وتغيرت البيئة التجارية في المنطقة, وكان هذا إيذاناً بنهاية عصر ذهبي هادئ للسياسة الخارجية الاسترالية الذي استمر منذ انتهاء حرب فيتنام في 1975 إلى الأزمة المالية في صيف ,1997 وبالطبع لايمكن اغفال الظهير الأمريكي المخفي للدور الاسترالي. وكانت استراليا قبل الأزمة الآسيوية قد حددت ثوابتها بثلاث نقاط منها: * أولاً : الافادة من النمو الاقتصادي الآسيوي بالاستثمار والتوسع في التصدير مع الفصل بين السياسة والدين. * ثانياً: التقليل من الارتباط بالاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأقصى بعد استمرار مساعي الولايات المتحدة لاحتواء آثار الاتحاد السوفييتي حتى سقوطه. * ثالثاً: تأمين طرق التجارة لنقل السلع على امتداد الجزر والسواحل الآسيوية التي كانت آمنة بالنسبة لها ولازدهار هذه الدول وتحسن مستواها المعيشي. ولا يخفى ان استراليا رغم محاولتها التقليل من الاعتماد على أمريكا الا انها كانت تعتمد فعلاً على الموقف الأمريكي في حماية الطرق التجارية البحرية في حال تهددها, فأمريكا بدورها كانت تحتاج الى ممرات آمنة الى آسيا لتحمي مصالحها ومصالح حلفائها معاً. الأزمة التي واجهت استراليا عدها المحللون (أزمة هوية) على المستوى الرسمي, وتفيد التقارير ان استراليا رأت أنها أقرب جغرافياً للقارة الآسيوية, وهي اقتصاديا تعتمد على الآسيويين في تصدير ما تنتج لكنها ثقافياً غربية الطابع. كما انها حاولت الابقاء على علاقتها بالولايات المتحدة فقد بقي التبادل التجاري بينهما بنسب عالية, ورأت ان امريكا هي الضامن الأول والأخير لأمن طرقها البحرية التي تربطها بالعالم مروراً بآسيا. الأزمة الآسيوية غيرت الكثير من المعتقدات الاسترالية بعد ان تدهور تصدير السلع الاسترالية بتدهور (الاعجوبة الآسيوية) وساءت الأوضاع الاقتصادية في دول النمور الآسيوية مما مهد لتدهور الأوضاع السياسية والاجتماعية وبالنسبة لاستراليا تعد اندونيسيا اهم دولة من الناحية الأمنية والجغرافية والسكانية فهي بوابتها الشمالية نحو جنوب شرق آسيا. آثار الأزمة امتدت كما هو معروف لطرقها الآمنة التي أصبحت في خطر من سومطره غرباً إلى جادة الفلبين وتايوان شرقاً, ولم تكن هناك تصورات واضحة عن مستقبل الاضطرابات التي خلفتها الأزمة بعد خمس أو عشر سنوات من الآن. وعندما ارادت الولايات المتحدة التدخل لحماية مصالحها, عارض البنتاجون تدخلها في تيمور محاطاً بعقدة فيتنام, وتغيرت آراء استراليا فصارت تقنع بممارسة الدور الأمريكي الذي ترى الولايات المتحدة انه سيقلل من عنائها العسكري المباشر ويخلصها من الانتقاد الآسيوي لتدخلها في شئون آسيا ويصلح أن يكون سبباً لتمرير سياسة حكومية جديدة. وهكذا أعلن هوار ان رؤيته الجديدة تستهدف جعل بلاده (الوكيل عن الولايات المتحدة في المنطقة) محققاً بذلك مقعداً متقدماً في التحالف الأمريكي ــ الآسيوي وهكذا اقتنعت استراليا بضرورة ان تشارك الولايات المتحدة في ادارة الاستراتيجية الأمريكية في آسيا, رغم ان الاقرار بدور الوكيل يعني الاقرار ببقاء امريكا العمدة في الأمن الاقليمي. مكاسب استراليا من هذا الدور ستكون تغييراً في هيكلة وتشكيلة قوات دفاعها اذ ستقوم امريكا بتقوية البحرية الاسترالية وتحديث السلاح الجوي الاسترالي, ولن تكتفي امريكا بمنحها مسئولية الأمن في منطقة شرق آسيا, بل ستكون بداية لان تكون استراليا احدى القوات الدولية عند أي تدخل لحفظ السلام في العالم تقرره أمريكا, فما هي ردة فعل بعض الدول الآسيوية؟ اندونيسيا شعرت بالخطر بعد تردد الحديث عن دور استرالي جديد ومستمر وصرح وزير دفاعها ان على بلاده ان تدافع عن اراضيها ضد أي دعوة لتدخل مستقبلي لقوة وأخذ العبرة مما حدث في اغسطس الماضي في تيمور الشرقية. ماليزيا استفزها التدخل الاسترالي ودوره الجديد فصرح رئيس وزرائها قائلاً: (ان استراليا تستغل ضعف اندونيسيا الحالي, وان بلادنا غير مرتاحة, وان استراليا تستأسد على الضعيف عندما تعتقد انها قادرة على فرض شروطها على اندونيسيا التي وصفها بأنها خاضعة لاستراليا. وماليزيا كانت تفضل ان ترى جارتها اندونيسيا وقد قوت علاقاتها بجاراتها الآسيويات بدلاً من الغربية, لكن واقع اندونيسيا كما تشير الدراسات يدفعها للارتماء في احضان الدول المانحة. أما تايلند فقد دعت لدور أكبر لرابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) لتكون الرائدة في شئون الأمن الاقليمي, وهاجمت نية استراليا لان تلعب مثل هذا الدور الذي قرب استراليا من المعسكر الغربي وابعدها عن آسيا القريبة منها جغرافياً كما قال مسئولوها. وهكذا نجد ان الولايات المتحدة رسمت مستقبل آسيا وفقاً لاستراتيجيتها بعد ان غيرت النظام الآسيوي وجعلته أرضاً خصبة لاستثماراتها وسياستها طويلة الأمد وبمساعدة وكيلتها استراليا باتت قاب قوسين أو أدنى من السيطرة على كنوز الشرق, وأغنى القارات جميعاً .. آسيا موطن الثروات ومستقبل العالم.