بيان الاربعاء : أربعة تكتلات اقتصادية تشكلت في آسيا في العقدين المنصرمين ذوات صفة اقتصادية منها ما كان فعالاً للاقتصاد الآسيوي ومنها ما كان مرتهناً بالسياسة الأمريكية أو بالحرب الباردة. لعبت هذه التكتلات دوراً مهماً في الحياة السياسية الآسيوية وحركتها القوى الآسيوية الصين, اليابان, روسيا, والنمور الآسيوية كل في صالح كفتها, فما هي هذه التكتلات, وكيف تسوس اقتصاديات آسيا؟ لعل أقدم هذه التكتلات هي (مؤسسة آسيا) التي تعد واجهة للولايات المتحدة الأمريكية في قرية ماجلان بمدينة ماكاتي الفلبينية, كانت هذه المؤسسة تمول الجماعات المعروفة بمعاداتها للشيوعيين والشخصيات الداعمة للموقف الأمريكي من صحفيين واكاديميين ومسئولين ومديري مؤسسات وغيرهم من الشخصيات المؤثرة. وكانت الواجهات المؤسسية التابعة للمخابرات تقوم بنشر معلومات في عموم آسيا تتسم برسم صورة سوداوية عن الدول الشيوعية والمعسكر اليساري في الدول غير الشيوعية المهددة بانتشار الشيوعية فيها. وتعد مؤسسة آسيا من أخطر المؤسسات الآسيوية فهي تمول إلى جانب ما ذكر الأنظمة الموالية لأمريكا أو تمول معارضتها ان لم تكن موالية للولايات المتحدة الأمريكية, كما تمول الحركات المناهضة في آسيا وعمليات تلويث الرؤساء والشخصيات السياسية الآسيوية التي تعادي سياستها. وتذكر الغرانما في كشف نشرته أواخر الثمانينات ان هذه المؤسسة ومثيلاتها مرتبطة بوكالة العلاقات العامة وهي وكالة مرتبطة بالرئيس الأمريكي مباشرة ومتخصصة في عمليات التلويث وتمويل الحركات المناهضة ورسم الخطط الخاصة بعملها, وهي تهدف دائماً لتمهيد الأرضية للولايات المتحدة للمرور أو النفاذ إلى أهدافها. يأتي بعد ذلك منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي (أبيك) الذي تأسس عام 1989 كملتقى للتشاور وتعزيز التعاون الاقتصادي والتكامل بين الدول المطلة على المحيط الهادي من جهته الغربية والشرقية وعقد أول قمة له عام 1993 في بلاك ايلاند قرب سياتل الأمريكية. وتذكر مصادر كثيرة ان الاعضاء المؤسسين كانوا 12 عضوا على رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت منذ البداية الداعم الرئيسي للمنتدى, لما تشكله من منافع تصب في استراتيجياتها في التعامل مع منطقة شرق آسيا الشاسعة, وكوسيلة جديدة للتعامل مع الجهة الغربية لاراضيها في فترة ما بعد الحرب الباردة, خاصة وان روسيا والصين من اعضاء المنتدى, ثم توسع المنتدى ليضم 21 عضواً بعد ذلك. يضم منتدى (أبيك) خليطاً من الدول من الناحية الثقافية ومستويات النمو الاقتصادي والازدهار الاجتماعي والأهداف الوطنية والدينية والأوضاع السياسية, وكانت وما زالت ماليزيا حائط الصد الآسيوي لكل المحاولات الأمريكية لأمركة المنتدى. يضم المنتدى من الساحل الغربي الآسيوي للمحيط الهادي 16 دولة هي: اليابان, كوريا الجنوبية, روسيا, الصين, تايوان, هونج كونج, الفلبين, بروناي, سنغافورة, اندونيسيا, ماليزيا, تايلاند, فيتنام, استراليا, نيوزيلنده, وبابوا غينيا الجديدة, ومن الساحل الشرقي الأمريكي للمحيط يضم خمس دول هي: الولايات المتحدة الأمريكية, كندا, المكسيك, بيرو, وتشيلي. وتفيد الدراسات ان أهداف وآليات المنتدى تطورت بشكل سريع وأصبح على رأسها استكمال اجراءات تحرير التجارة والاستثمار وتدفق الأموال والخدمات بين دولها الصناعية مع حلول عام 2010 ودولها النامية مع حلول عام 2020. جاء تأسيس المنتدى استجابة لتزايد التبادل التجاري والتواصل البشري بين الدول مما جعل بعض الدول من خارج منطقة جنوب شرق اسيا تحاول جعله وسيلة لبناء شعور باقليمية جديدة ترتبط بالمحيط الهادي ككل مما يعني مزج دول الامريكتين مع الدول الآسيوية واضعاف الشعور بالوحدة الاقليمية أو محاولات بلورتها في منظمات أو كتل آسيوية لا تريد الولايات المتحدة واستراليا وكندا نشوءها. ومن بين التكتلات الآسيوية المعروفة دول جنوب شرق آسيا المعروفة باسم (آسيان) وهي تضم عشر دول اعضاء هي: الفلبين, لاوس, اندونيسيا, ماليزيا, سنغافورة, تايلاند, فيتنام, كمبوديا, بورما, وسلطنة بروناي. تأسست هذه المنظمة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة واتخذت مقراً لها في مانيلا, ويلاحظ ان الصين ليست عضوا فيها لكنها ذات دور فعال ومؤثر, ويستدل على ذلك من حضورها المؤتمر الأخير الذي انعقد في مانيلا حيث تم تأكيد التعاون الوثيق مع الصين بالإضافة لليابان وكوريا الجنوبية. لكن المعروف ان بين بعض دول المنظمة والصين نزاعاً حول جزر سبراتليز الواقعة جنوب بحر الصين هي دول: الفلبين, ماليزيا, فيتنام, وسلطنة بروناوي, وتؤكد الصين ان هذه المنطقة استراتيجية وتحوي احتياطيات كبيرة من النفط والمعادن وتشكل جزءاً من اراضيها لأسباب تاريخية. وتعتقد الصين انه ليس بوسعها التطور بدون دول جنوب شرق آسيا التي بدورها لا تستطيع التطور بدون الصين, ولذا يتوقع ان تنضم الصين الى هذه المجموعة للتغلب على الصعوبات التي تواجهها هي أو التي تواجهها دول جنوب شرق آسيا. يضاف الى هذه التكتلات الاقتصادية الآسيوية مجموعة شنغهاي التي تضم كلا من روسيا, الصين, طاجيكستان, كازاخستان, وقيرغيزيا, تأسست هذه المجموعة عام 1996 في شنغهاي بالصين من أجل اعادة ترسيم الحدود بين جمهوريات ما بعد الاتحاد السوفييتي من جهة, والصين من جهة أخرى. وللمجموعة أهداف أخرى منها مواجهة (الأخطار المشتركة) والتعاون الاقتصادي, وبالتدريج صار موضوع (الأخطار المشتركة) هو الموضوع الرئيسي لهذه المجموعة وشغلها الشاغل. وتؤكد التقارير والدراسات ان هناك عوامل مشتركة تدفع هذه الدول الى الاجتماع والعمل المشترك أهمها: * جميع هذه البلدان تشهد صحوة إسلامية كما في طاجيكستان, كازاخستان, قيرغيزيا, وأوزبكستان, وهي تشهد مواجهات بين المسلمين والأنظمة غير المسلمة التي تعد تاريخياً حكومات احتلال, وان اضفيت عليها الشرعية الدولية في الوقت الحاضر. * ان قيادات هذه الدول جميعاً ودون استثناء كانوا قيادات في الأحزاب الشيوعية السابقة أو عملوا في الاجهزة الاستخباراتية التابعة للاتحاد السوفييتي السابق مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين, أما رئيسا كازاخستان وأوزبكستان, فكانا سكرتيري الحزب الشيوعي المحلي في بلادهما ابان الحقبة السوفييتية, واما رئيسا فيرغيزيا وطاجيكستان فكانا من قيادات الحزب الشيوعي المحلي في الفترة السوفييتية, وأما الرئيس الصيني فهو رئيس الحزب الشيوعي الحالي في الصين. ويطرح المحللون جملة اسئلة منها: هل هذه هي حرب جديدة بين الشيوعيين السابقين في ثوبهم الجديد ضد الاسلاميين في ظل قواعد دولية جديدة واطار جيوبولتيكي جديد؟ هذا السؤال وغيره يدفع امريكا لاختراق الجبهة الآسيوية عبر المشاركة بتكتلاتها او خلق تكتلات جديدة تمولها هي للسيطرة على ثروات القارة واقتصادياتها, وهي سمة تتصف بها الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تجاه آسيا.