بيان الاربعاء : في الكونجرس الامريكي, مجموعة نشطة تعمل ليل نهار, في دراسة التطورات في جنوب وشرق اسيا ناهيك عن غربها لتضع السياسات اللازمة في ماتسميه بتحرير الاقتصاد وفتح السوق امام البضائع الامريكية. وفتح السوق لا يعني بالضرورة التصدير بل الاستيراد ايضا ويشمل ذلك استيراد السلع الاثمن بالنسبة لعصب الحياة الامريكية وهو البترول والغاز. والغريب ان امريكا تستورد نصف نفطها من المكسيك ودول امريكا اللاتينية وتنتج النصف الباقي في ولاياتها, فما حاجتها لنفط العالم, وبالذات من العالم الثالث؟ اراء امريكية مختلفة كانت تتبادل الادوار في آسيا بالذات, فمن باحث عن شراكة استراتيجية الى فارض للهيمنة بقوة الذراع الامريكية, ومن سياسة قصيرة المدى الى استراتيجيات طويلة المدى, رقصت على نيران الازمات الآسيوية سياسية واقتصادية, حتى غدت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ثمار آسيا اقرب للقطاف منها للسقوط . دول آسيا مهمة لامريكا, ومنها كوريا الجنوبية, الصين, اندونيسيا, روسيا, فيتنام,, الفلبين, وحتى اليابان التي اصبحت تحت المظلة الامريكية بلا جدال, ثم الهند والباكستان فافغانستان (الضالة) عن الرعاية الامريكية. كيف ترسم امريكا استراتيجياتها الحالية على خلفية تشابك المصالح في آسيا بين الآسيويين اولا وبين اسيا والعالم الخارجي ثانيا, وكيف يمكن النظر الى مستقبل هذه العلاقات في ضوء التكتلات والتحالفات الدولية الجديدة او نظام العالم الجديد, وكيف تتعامل اسيا ودولها مع الواقع الجديد وهي تكاد تكون ورقة في مهب رياح العولمة؟ كثيرون من صناع السياسة الأمريكية يوجهون أنظارهم لآسيا, حيث يتطلع الآسيويون لمساعدة الدولة العظمى في خضم تخبطهم في أزمات اقتصادية وسياسية كثيرة. وبالطبع فان أمريكا التي لم تتوان يوماً عن السعي بخطى حثيثة تجاه منابع الثروات أو كنوز الشرق, تبذل الغالي والنفيس بضمنها اشعال الحروب والتفتيت الاقليمي, لتهيمن على القارة الصفراء. يرى خبراء السياسة الأمريكية ان على حكومة واشنطن تبني سياسات طويلة الأمد لمواجهة أزمات آسيا الاقتصادية, تلك السياسة التي ستمكن الأمريكيين أخيراً من التأثير في صنع القرار السياسي الآسيوي. ورغم ان مصطلح سياسات طويلة الأمد يفترض خططاً خمسية أو عشرية أو أكثر الا ان الاقتصاديين الأمريكيين يرون ان النمو السريع للاقتصاد الآسيوي سيجعل هذه الدول مستقرة سياسياً ويعطي شرعية لحكوماتها التي هي في معظمها موالية لامريكا, وبالعكس فان بطء أو سلبية هذا النمو سيفرض ضغوطاً على هذه الحكومات تنعكس سلباً على أمريكا. استراتيجية أمريكا هي في تعزيز ثقة الآسيويين بالبنوك الدولية لتحافظ أمريكا على محيطها الأمني ومصالحها دون الخوف من ان تهدد الأزمات السياسية هذا المحيط وهذه المصالح. خطان يلوحان في أفق السياسة الأمريكية تجاه آسيا يقترح واضعو الخطط الاستراتيجية الأمريكية انتهاجه: * الأول هو لبرنامج انساني رئيسي لمساعدة دول آسيا في ان تحظى باستقرار مثل اندونيسيا وماليزيا والفلبين والدول الأخرى التي تعاني (نهوضاً إسلامياً) مقلقاً, شرط أن ترسل معه رسالة قوية بأن الولايات المتحدة ستكون المسئولة عن تنفيذ هذا البرنامج, وستوزعه بالتساوي على الآسيويين في أوقات الأزمات أو المحن التي يواجهونها. * والثاني ما يتعلق بالقروض التي يقدمها صندوق النقد الدولي, ويرى المخططون ان يقرن الكونجرس الأمريكي وحكومة أمريكا بين هذه الأموال وبين البرنامج الاصلاحي الذي تقدمه الولايات المتحدة مع بحث مستقبل هذه القروض بتشكيل لجنة متخصصة في ذلك, وستكون هذه خطوة مهمة في اعادة بناء الشرعية السياسية لصندوق النقد الدولي. علاقة أمريكا بآسيا, ذات نكهة استعمارية تمتد الى قرون عديدة مضت, وهي ما زالت حتى اليوم ساحة خصبة لتحركها على مستويات عدة, وزيارة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون لمراكز مهمة في آسيا تؤشر خطوات أمريكا في مستقبل هذه العلاقة. وأخطر ما يوجه الأمريكيتين في آسيا نمو الصين باتجاه تكوين قوة عظمى, ودخول باكستان والهند سباق التسلح النووي, وظهور ثروات بحر قزوين, وهي عناصر مهمة في استقرار الخط الاستراتيجي الأمريكي في آسيا. ولعل في زيارة كلينتون لفيتنام لكسر الحاجز الذي ارتفع خمسة وعشرين عاما بينهم وبين الآسيويين, دليل مهم على التوجهات الأمريكية الحاضرة, فكيف ترسم علاقة أمريكا بدول آسيا؟ كوريا .. فيتنام .. الفلبين العلاقات الأمريكية الكورية تثير جدلاً كبيراً, فنصف كوريا الجنوبي كما هو معروف محمية أمريكية بل وقاعدة أمريكية لا يخفى أمرها, ونصف كوريا الشمالي يشكل خطراً على أمن أمريكا في آسيا فهي تجري تجارب للصواريخ الباليستية وتطور قوتها النووية. ولعل الوحدة بين الكوريتين جعلت من السهل على أمريكا تنفيذ استراتيجياتها رغم المشاكل العالقة مع حليفتها الجنوبية, فهناك موضوعان حساسان يعدان جزءاً لا يتجزأ من التحالف العسكري بين الولايات المتحدة وجمهورية كوريا الجنوبية هما: * الجرائم التي ارتكبها عسكريون امريكيون ضد المدنيين الكوريين. * والنزاع المتعلق باستخدام أمريكا للأراضي الكورية في عملياتها العسكرية. التطورات الاقتصادية السريعة لكوريا الجنوبية جعلتها تنظر للعلاقات الآسيوية بعيداً عن المصالح الأمريكية مع محاولة لابقاء مظلة أمريكية خفيفة من أجل الحفاظ على وضعها الاقتصادي والسياسي المستقرين. ويبدو ان الشماليين, رغم الوحدة التي عقدوها مع الجنوبيين, لم يشطحوا بعيداً عن السياج الأمريكي الذي يرى في سوق كوريا الشمالية الجائع مثل شعبها فرصاً كثيرة للاستثمار وهو ما لن تقوى كوريا الشمالية على مقاومته. وبالنسبة للأمريكيين فان انتشار قوات الولايات المتحدة في كوريا كان وما زال تجربة حيوية لقوتها العظمى وخططها في التدخل بشئون آسيا, وهو مشروع لن تقوى الكوريتان على مناهضته كما لن تسمح امريكا بتقويضه. وأمريكا تحرص على سوق كوريا الشمالية واحتوائه خاصة بعد توقيعها الاتفاق الطارئ معه الأمر الذي قد يضمن لها سوقاً وحداً لنمو القدرة النووية الكورية. وعبثاً يحاول الشماليون والجنوبيون الضغط على الأمريكيين للانسحاب من أراضي كوريا الجنوبية, فاقتصاد الأخيرة مرهون بقروض صندوق النقد الدولي وبرنامجها التسليحي مرهون تطوره بالدعم الأمريكي ويبدو ان شطري كوريا لن يتوحدا وهو مطلب أمريكي مهم حتى بعد استعراض الوحدة بينهما الذي أمل الكثيرون انه سيحقق بعض السلام في جنوب آسيوي متفجر. أما فيتنام فقد شكلت عقدة في السياسة الأمريكية الآسيوية منذ عام 1975 بسبب هزيمتها في الحرب الفيتنامية التي أدت الى مقتل نحو 58 ألف جندي أمريكي وبقاء أكثر من 2000 جندي في عداد المفقودين. ويرى المحللون ان هذه العقدة جثمت على مدى خمسة وعشرين عاما في السياسات الأمريكية على تعاقب حكوماتها (جمهورية أم ديمقراطية) حتى بدا ان هناك انفراجا في هذه العلاقات بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. ومع طموح واشنطن لقيادة العالم رأى مخططو السياسة الأمريكية ضرورة العودة السلمية الى (الهند الصينية عبر تجاوز العقدة الفيتنامية). وفي اطار هذه العودة التي استشعرتها هانوي, بدا ان هناك ضرورة لتحديث سياستها تماشياً مع المتغيرات الجارية, فانسحبت من الاراضي الكمبودية وفتحت أبواب الهجرة للفيتناميين الى الخارج وقامت باصلاحات اقتصادية وسياسية واسعة كان من ضمنها التعاون مع الخبراء الأمريكيين الباحثين في شئون مفقودي الحرب. وكانت تلك اشارة ضمنية للمصالحة الى واشنطن فهمتها فرفعت بعض القيود المفروضة على فيتنام في المقابل وسمحت لعدد من الشركات الأمريكية بفتح مكاتب لها في هانوي وتراجعت عن معارضة حصول فيتنام على قروض صندوق النقد الدولي. الضغط الداخلي الذي مارسه لوبي الشركات الأمريكية الكبرى ورجال المال والأعمال والصحافة هدف الى تبصير الادارة الأمريكية باحتمالات حصول فيتنام على الشريك الصيني بينما يمكن استثمار نحو 12 مليار دولار في هانوي, وذلك دفع الادارة الأمريكية عام 1994 الى رفع الحظر الاقتصادي عن فيتنام. أهمية فيتنام بالنسبة لأمريكا تكمن في كونها احدى الركائز الاقتصادية في منطقة آسيا وتشكل اليوم مفتاحاً للاستثمارات الكبيرة, اضافة الى ان المصلحة الامريكية تقتضي مواجهة نفوذ الصين واليابان وفرنسا وتايوان في هذه المنطقة, الأمر الذي لابد معه من تحقيق مصالحة تاريخية مع فيتنام. أما الفلبين فتعد محطة استخبارات أمريكية, ويعد الدور الأمريكي فيها أهم عامل أجنبي مؤثر في توجهات وسياسات الدولة, وهو حاضر في ابعاد مختلفة من تطورات الأوضاع فيها خلال عقود مضت. وحكومة الفلبين كانت وما زالت تنظر الى واشنطن نظرة الحليف والمعين لاسباب كثيرة, فتاريخياً وكما هو معلن ومشهور فان الفلبين قد بيعت بشعبها بعشرين مليون دولار من قبل الإسبان للأمريكان. ومع ان واشنطن قد دخلت بجيوشها الى فيتنام ودول الهند الصينية فانها لم تستمر في بقائها كما حصل في الفلبين منذ 10/12/1898 الى نهاية القرن العشرين. ومع ان اسبانيا لم تستطع اخضاع المسلمين جميعاً فقد دفعتهم جغرافيا الى الجنوب, ثم وقعت أمريكا مع بعض سلاطينهم اتفاقية باريس في 2/8/1899 لكنها عادت فنقضتها في عهد الرئيس الأمريكي روزفلت, واستمرت امريكا في غرس النصارى في مؤسسات البلاد التي توحدت في كومنولث عام ,1935 وبعد الحرب العالمية الثانية. وهكذا يحسب لامريكا تأسيسها دولة كاثوليكية في الشمال الفلبيني سلمته فيما بعد حكم الجنوب مؤسسة بذلك أول دولة كاثوليكية في جنوب شرق آسيا بقيت الوحيدة منذ ظهور تيمور الشرقية حتى اليوم. ومنذ عام 1951 والفلبين وامريكا يتعاونان عسكريا في ظل اتفاقية دفاع مشتركة, تمد بموجبها واشنطن حليفتها الفلبين بالأسلحة باستمرار بلا مقابل مادي, والولايات المتحدة هي البلد الوحيد الذي وقعت معه الفلبين اتفاقية دفاعية ثنائية حتى الآن. ومانيلا ما زالت حتى اليوم محطة رئيسية بل المركز الرئيسي الاقليمي للمخابرات المركزية الأمريكية في جنوب شرق آسيا وهذا يعود الى كون الفلبين اعتبرت معقل القوة الأمريكية الامبريالية في آسيا. وبسبب ان الفلبينيين المتأمركين كانوا متأثرين بسيل الثقافة الأمريكية فقد كان من السهل تجنيدهم دون أن يدركوا انهم يرتكبون جريمة الخيانة ضد شعبهم وهذا ما سهل الحضور الأمريكي العسكري متمثلاً بالمظاهر والبنى التحتية القوية للقوة الأمريكية في البلاد منذ بداية القرن العشرين حتى عام 1992 عندما انسحبت القوات الأمريكية من الفلبين بعد 99 عاماً من وجودها. وبالطبع فان ذلك الانسحاب لم يوقف التبادل التجاري الذي ازداد حتى أحيا الكونجرس الأمريكي اتفاقية التعاون الدفاعي عام 2000 وحصل الرئيس الفلبيني استرادا بذلك على ثمن عودة هذه العلاقات, وما زالت الفلبين معقلاً مهماً للامريكيين. ويرى المحللون ان ما يهم امريكا اليوم في الفلبين سياسيا هم المسلمون في الجنوب إذ لم يعد للشيوعيين تلك القوة المهددة, وهو ما سبب تدفق الدعم الأمريكي واستعادة واشنطن تأثيرها في السياسة الفلبينية. ورغم ان الولايات المتحدة هي أكبر شريك تجاري للفلبين وأكبر مستثمر فيها الا ان هناك خلافاً بين واشنطن ومانيلا يسعى الطرفان لتسويته ويتعلق بالنفايات الكيماوية السامة التي خلفتها القواعد الأمريكية على أرض الفلبين ولم تحل بشكل نهائي في اتفاقية رسمية. الوفد الفلبيني الذي زار أمريكا في اغسطس عام 2000 طالب بتحسين احوال الفلبينيين القدماء وهو ما لم يتم الاتفاق فيه بشكل محدد اضافة لتسوية الخلاف حول تعويق مانيلا استيراد الدجاج الامريكي. ورغم ان الفلبين حصلت على دعم مالي ومعونة غذائية بعشرين مليون دولار الا انها لا تقارن بالعون العسكري الذي وصف بانه خطوة كبرى من نوعها لتحديث الجيش والشرطة الفلبينيين من قبل الرئيس الأمريكي, بهدف محاربة ما تعتبره واشنطن ومانيلا معاً عدواً مشتركاً يتمثل في (الارهاب الدولي الذي امتد من الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية الى جنوب شرق آسيا وشبه القارة الهندية) حسبما وصفه كلينتون في إشارة للإسلام, وهو بالتأكيد يرسم شكل الاهداف الأمريكية والخطوات التالية في معسكر امريكا الفلبيني. الهند وباكستان وروسيا في جولته الآسيوية, هدف كلينتون الى اعادة توازنات الشرق الآسيوي التي انقلبت بفعل التغيير الجيوبولتيكي الذي أحدثه انتهاء الحرب الباردة. ومن ضمن ما شملته الجولة زيارة للهند وباكستان وبنجلاديش, وهذه شكلت أحجار زوايا في العلاقات الآسيوية الأمريكية. زيارة كلينتون للهند هدفت لاذابة جبال الجليد وعدم الثقة بين الطرفين الذي تراكم 50 عاماً في سماء العلاقات بين البلدين بسبب الحرب الباردة. ورغم الاتفاقات التي وقعت بقيمة 3 مليارات دولار بينهما الا ان ما كانت ترجوه الهند من هذه الزيارة كان أقل من طموحاتها خاصة وان كلينتون انطلق منها لأرض عدوتها باكستان في زيارة مهمة استمرت لأربع ساعات. وكانت واشنطن قلقة ازاء سياسات نيودلهي خاصة فيما يتعلق بالبرامج النووية وآثارها التي تطال تنمية الموارد وزيادة مخاطر الصراع في المنطقة, لكن الجواب الهندي جاء محبطاً لآمال الأمريكيين, إذ أعلنت نيودلهي انها ستحتفظ (بردع نووي معقول) الأمر الذي يعني استمرار الهند في رفض الطلب الأمريكي بالتوقيع على معاهدة حظر التجارب النووية بدون قيد أو شرط. حددت الهند سياسة حكومتها النووية بثلاث نقاط اعلنتها لامريكا هي: * الاحتفاظ بالحد الأدنى من الردع النووي. * عدم المبادرة لاستخدام السلاح النووي. * عدم اجراء المزيد من التجارب النووية. أما الأمريكيون الذين رفضوا النقطة الأولى فقد حددوا فلسفتهم في أربع نقاط هي: * لابد من ممارسة ضبط النفس. * لابد من احترام خط وقف اطلاق النار في كشمير. * لابد من التوصل الى أسلوب لاستئناف الحوار بين البلدين (الهند وباكستان). * ليس هناك من حل عسكري للمشكلة الكشميرية. حاولت الهند ان تحصل على مكاسب سياسية من امريكا, فهي تسعى بخطى حثيثة وتبذل كل جهدها من أجل إحلال السخط الأمريكي على باكستان, لكن الأمريكيين يعرفون ان الهند ليست الا حليفاً متقلباً وغير مضمون للولايات المتحدة ولذا فلن يضحوا بعلاقة تمتد الى خمسين عاما مع الحليف الاستراتيجي باكستان. ولاحظ المحللون ان موقف امريكا كان بالمقابل متناقضا مع باكستان ويكشف عن تأرجح الادارة الامريكية بين أمرين: * أولهما: الخوف من نبذ باكستان والتعرض لمخاطر عديدة. * وثانيهما قدرة أمريكا على لي ذراع باكستان في سبيل تحقيق المصالح الأمريكية. وهكذا نجد انه لايمكن ان ينتظر الأمريكيون من الهند سوى ان تكون حليفاً غير دائم, فمن ناحية نجد الهند توثق علاقتها مع الولايات المتحدة بغية الوصول الى أحدث أساليب التكنولوجيا وكذلك الوصول الى أسواق رأس المال من أجل اجتذاب استثماراتها فضلاً عن هدف الهند في منع أي تأييد عسكري أمريكي لباكستان. من الناحية الأخرى نجد الهند تتقمص لدور القوة العظمى المقبلة أو دور المهيمن في احسن الاحوال على النطاق الاقليمي, فالهند لديها طموحات عالية جداً لتصير القوة المهيمنة والمسيطرة في المنطقة وكذلك خارج المنطقة ومن هنا يمكن فهم مدى اتساع الخلافات التي حتماً ستحدث بين الطرفين ــ أمريكا والهند ــ في حال تحقيق تلك الطموحات. أما أمريكا فهدفت لجملة نقاط شكلت نقاط الاختلاف بينها وبين الهند وعلى رأسها: * حمل الهند على التوقيع على معاهدة حظر التجارب النووية إن أمكن. * حمل الهند على حل المشكلة الكشميرية بالتعاون مع باكستان وبوساطة أمريكية. * فتح الأسواق الهندية للبضائع الأمريكية. * عقد صلات سياسية واقتصادية أفضل مع الهند لاستثمارها عند الحاجة ضد الصين. * من المشاكل العالقة الأخرى ان الهند تريد دخول مجلس الأمن الدولي بينما الولايات المتحدة ترفض اعادة النظر في هيكل الأمم المتحدة وترفض احتفاظ الهند بثمار تجاربها النووية. الرفض الأمريكي طال رغبة الهند في الا يقوم الرئيس الأمريكي بزيارته المعلن عنها لباكستان, وهذا خارج نطاق الحوار بينهما فأمريكا تحتفظ بعلاقات لايمكن التفريط بها مع باكستان. وعلاقة الولايات المتحدة بباكستان يمكن وصفها بالتاريخية فقد استمرت لمدة 52 عاماً, وقد كانت زيارة كلينتون لباكستان ذات أهمية خاصة وعدت اعترافاً بشرعية النظام في باكستان, اذ رأى برويز مشرف الحاكم العسكري لباكستان ان هذه الزيارة تعني ان الولايات المتحدة تتفهم وضع باكستان في كشمير كونه هو الوضع الصحيح. وقبل الدخول في العلاقات الباكستانية ــ الامريكية في وضعها الحديث ينبغي المرور على بداية هذه العلاقة التي تعود لظهور الخطر الشيوعي, فقد تمكن الاتحاد السوفييتي السابق من استقطاب الهند الأمر الذي اثار مخاوف واشنطن فلجأت اثر ذلك الى اتخاذ باكستان كصديق لها في المنطقة لاقامة التوازن مع العلاقة الهندية ــ الروسية. ثم جاء الاحتلال السوفييتي لافغانستان الذي حول باكستان الى دولة مهمة وأكثر حيوية في سياسة امريكا الجغرافية لمنطقة جنوب آسيا, وظهرت طالبان على الساحة فزاد توطد العلاقة بين الطرفين الباكستاني والأمريكي. ويرى المحللون انه لايمكن وصف العلاقة الامريكية بباكستان بأنها علاقة صداقة فالاصدقاء لايفرضون الحصارات على بعضهم ولا يتسببون في فرض القيود على بعضهم البعض كما انهم لا يتورطون في الاستهزاء ببعضهم البعض على الملأ. ونجد ذلك واضحاً في لغة التهديد التي استخدمها كلينتون في زيارته للهند من احتمال الغاء زيارته لباكستان الامر الذي عده الباكستانيون اهانة مؤلمة, اضافة لطريقة الزيارة نفسها التي لم تتعد بضع ساعات. هدف كلينتون من زيارته لباكستان في اطار علاقات امريكا مع الأخيرة الى عدة أهداف كان أهمها رد المحاولات الهندية التي سعت الى اجبار الولايات المتحدة على استثناء باكستان من هذه الرحلة. والواقع ان الولايات المتحدة وفق مصادر كثيرة متحيرة في سياستها تجاه باكستان بين أمرين: الأول الضغط على باكستان واستغلال وضعها الاقتصادي, والثاني التودد اليها, وسبب هذا التردد ربما يرجع الى الانقلاب العسكري الأخير في باكستان الذي نظر اليه المراقبون الامريكيون على انه ثورة احتجاج ضد واشنطن, ولهذا نجد في الولايات المتحدة من يتحسر على نفوذها السابق على اسلام آباد ويتأمل في ان يرجع يوماً ذلك النفوذ. استخدمت أمريكا سياسة لي الذراع ضد باكستان, فمع وقف جميع المعونات للحكومة الباكستانية لم يعد لدى أمريكا سوى ورقتين للضغط على الحكومة الباكستانية: * الأولى: فقدان الديمقراطية في باكستان وتأييدها للارهاب الامر الذي يمكن ان يتيح لامريكا استخدام هذه الورقة لتضرب بها وجه الحكومة الباكستانية. * أما الثانية فهي تحتوي على التلويح باسقاط اسلام آباد من قائمة الدول التي سيزورها اي رئيس أمريكي قادم بعد زيارة كلينتون المهينة للشأن الباكستاني. ويرى المراقبون ان الايماءات الدبلوماسية ليست هي المشكلة بل تكمن المشكلة في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي فكل منهما يسبب أزمة اقتصادية لباكستان سيصعب عليها تحملها في هذا الوقت. أمريكا تريد من باكستان الضغط على طالبان لتسليم بن لادن, وانهاء حركات المجاهدين الكشميريين, والغرض من هذه الطلبات استخدام قائمة الارهابيين كعصا ضاربة على الباكستانيين في حال عدم التزامها بواجباتها تجاه واشنطن, لكنها رغم ذلك لا تستطيع جني المزيد من عداء باكستان ولذا فهي لايمكنها نبذ باكستان بسهولة. وتشير دراسات كثيرة ان امريكا قد تتعرض لاخطار جسيمة اذا ما قامت بنبذ باكستان منها: * وضع الحكومة الباكستانية ضمن الدول المنبوذة يعني ايجاد منطقة ساخنة وملتهبة بالمشاكل فيما بين العراق وباكستان بمعنى ان ذلك سيؤدي الى تواصل باكستان مع الدول المجاورة (العراق ــ ايران ــ افغانستان) .. ورغم ان الامريكيين يعترفون بأن العراق لا يلعب هذه اللعبة فان (ايران ــ افغانستان ــ باكستان) يمكنها اقامة منطقة خاصة لها وهي قد تثير سلسلة من المخاوف للرئيس الأمريكي المقبل. * إضافة لذلك فان نبذ باكستان لن يؤدي بالضرورة الى كسب الهند كحليف فالهند وفق رؤيا المراقبين لها طموحاتها الاقليمية التي تتناقض مع الولايات المتحدة, فهي تخطو بخطى ثابتة في طريقها للانضمام الى الصين وروسيا واقامة نادٍ متحد قد يعتمد في البداية على الاقتصاد الامريكي ولكن سينتهي حتماً إلى وقفة عسكرية ضد أمريكا. أمريكا تخشى بعد ذلك تنامي التعاون الهندي الروسي الذي يطمح للانتاج الدفاعي المشترك والطاقة النووية والطيران المدني والزراعة وتجارة الماس وغير ذلك مما تضمنته معاهدة بين البلدين. ومن بنود هذه المعاهدة الاشتراك في مكافحة الارهاب وخصوصاً التصدي لافغانستان وفق رؤية الهند وروسيا لنظام طالبان ودورها في الحركات المسلحة في الشيشان وكشمير, وهذا قد ينعكس على باكستان حليفة أمريكا. ويرى المراقبون ان هناك غرابة في مسلك الهند, فهي تسعى لشراكة مع روسيا لايشوبها عنصر ايديولوجي عكس ما كانت عليه العلاقة سابقاً, كما انها تغازل واشنطن بنشاط محاولة عقد شراكة طبيعية معها, ولا يعرف أحد كيف يمكن للهند عقد شراكة استراتيجية مع كل من واشنطن وموسكو في آنٍ واحد!