نوبار باشا يحذر السياسيين المصريين من (الشلوت) الانجليزي ، (الخواجات) يمتلكون 96% من سوق الاسهم المتنامية بعد الاحتلال كانت القاهرة تحت الاحتلال البريطاني مدينة الحجب والمرايا, كما يقول مؤلف كتابنا, وكانت بريطانيا تمارس سلطانها من وراء الستار مهدئة من دورها كقوة أولى بين القوى المتكافئة المهيمنة, وبقى الخديوي، على عرشه محافظا على ولائه الشكلي للعثمانيين. وكان القنصل البريطاني العام يقدم له مجرد (نصيحة) فيمن يختار من الوزراء وأية سياسات ينبغي أن يتبعها. ومثل الخديوي نفسه كان المسئولون لابسو الطرابيش مجرد دمى حرص وكلاء الوزارات الاوروبيون على أن يتبعوا تعليمات لندن. وكان نوبار باشا نوباريان, الأرميني الذي تلقى تعليمه في فرنسا, يقول ساخرا: (من السهل أن تخدع البريطانيين, ولكن عندما تظن انك قد خدعتهم يفاجئونك بـ (شلوت) قوي. ونوبار باشا هذا تولى رئاسة الوزراء في مصر ثلاث مرات قبل الاحتلال وبعده. وفقدت المدينة القديمة رونقها وتقوض فيها كل شيء, اختفت شوارع بأكملها التي كانت تحتوي على بيوت تقليدية, ولولا جهود مستميتة من بعض المحافظين لكانت المساجد الكبرى والمدارس قد لقيت المصير نفسه. واخذ اغنياء القاهرة يتطلعون الى اسلوب حياة مختلف واعتبروا سكناهم خانقة في الحارات القديمة المتعرجة, فانتقلوا إلى فيللات على الطراز الايطالي تقع على طرق العربات الفسيحة في الأحياء الجديدة, وتشتت طائفة التجار والصناع, وتدهورت تجارتهم ومهنهم في مواجهة المصنوعات الأوروبية, فيما عدا المصنوعات التي تباع في اسواق السياح. الكرة في ملعب (الخواجات) وازدهرت اعمال الاجانب عبر المدينة, وكان يدعم موقفهم امران: السلطة البريطانية ونظام قانوني اصطنع لصالحهم .. وبنهاية القرن كان (الخواجات) يملكون 96% من رأسمال سوق الاسهم المتنامية آنذاك, وكانوا قد امتلكوا البنوك والفنادق والمحلات الفخمة والمصانع التي كانت تعمل من أجل تقديم الامدادات مباشرة الى حركة البناء المزدهرة التي كانت تقوم على وجه السرعة بتحقيق طموح الخديوي اسماعيل في تحويل القاهرة إلى باريس على ضفاف النيل. وذكر احد زوار القاهرة عام 1908 انه (على امتداد شوارع حي الاسماعيلية لم تكن ترى شيئاً يمكن أن يكون (وطنيا) إلا إذا رأيت بوابا اسمر البشرة يجلس على اريكة على باب قصر فخم يختفي نصفه وراء النخيل والأشجار). ولقد منح المعماريون الالمان والمجريون ــ النمساويون والفرنسيون والايطاليون هذه المدينة الجميلة (طابعا زائفا) يوحي بعهد جميل, مع إضافة لمسة من الديكور الاسلامي هنا وهناك للاحتفاظ بالجو الشرقي. وكان تحقيق الحلم الفرنسي ماضيا في طريقه من ميدان الأوبرا بالقرب من ميدان العتبة, قلب شبكة الترام التي كانت تتوسع في القاهرة بسرعة. وفي الميدان الأول وفي مواجهة دار الاوبرا انتصب تمثال فارس على صهوة جواده يمثل ابراهيم باشا والد الخديوي اسماعيل (وقد صنع التمثال في ستديو النحات كوردييه في باريس), وعلى يمين التمثال تقع حدائق الأزبكية بممراتها المتعرجة ونوافيرها وأشجارها الضخمة ومنصة لعزف الموسيقى. وكانت تعرف في مصر منذ ذلك الوقت وحتى ايامنا هذه باسم (كشك الموسيقى) والمباني الايطالية الطابع لنادي السلاح الخديوي وقد ظل هذا النادي قائما عقودا طويلة من الزمان لممارسة رياضة المبارزة بأنواع السيوف المختلفة. وخلف التمثال إلى جهة اليسار يقع المبنى الرئيسي للبريد ودائرة الإطفاء مع آلاتها الحمراء البراقة التي خصص لجرها ثلاثة عشر حصانا انجليزيا تم استيرادها. وخصصت للأجانب محكمة خاصة بهم هي المحكمة المختلطة وكان مبناها يقع عبر الشارع في منتصف ميدان العتبة, أما المحكمة الخاصة بالوطنيين فقد نقلت بعيدا في حارة خلفية. وخلف واجهات المحال الواقعة في الميدان كان هناك مركز المشاة الجديد المسقوف بالزجاج والحديد وبه ممرات عديدة للمشترين, وكان المركز يتميز بالدقة في مواعيد العمل, ووجود مفتشين صحيين. وفي عام 1910 كان ثُمن سكان القاهرة الـ 700 ألف نسمة, من الأجانب, وفي غرب ميدان العتبة كان عدد الاجانب يزيد على عدد المصريين بنسبة ثلاثة الى واحد وكان للأجانب (الخواجات) في مصر حلاقوهم الخصوصيون وبائعو الخردوات وصانعو احذيتهم ومستشفياتهم ونواديهم ومدارسهم, اما القاهرة الاخرى فقد أصبحت بالنسبة لهم مجرد منظر مسرحي خلفي, مكانا للمغامرة بزيارته من أجل إثارة وقتية أو لرسم موضوع يصلح لوحه. وبشكل متزايد اصبحت النظرة الاجنبية للأمور هي نظرة المدينة لنفسها ففي عام 1925 اصبح ثلث تلاميذ القاهرة مسجلين في المدارس الاجنبية ويتعلمون العديد من المذاهب الدينية ونحو ست لغات. وبالنسبة للمصريين الطموحين اصبحت معرفة الانجليزية التقنية أو الفرنسية الدبلوماسية من متطلبات التقدم. بصمة البارون إمبان في رأي المؤلف أن بريطانيا بعد احتلالها لمصر اخذت تدير شئون البلاد وكأنها مشروع تجاري هدفه الاول سداد أقساط الديون وتكوين ثروة تكفي لشراء السلع البريطانية. ولتحقيق هذه الغاية ألغي نظام المدارس الذي كان الخديوي اسماعيل قد أنشأه, ولم تعر بريطانيا أي اهتمام باعتراضات الوطنيين المصريين, وحولت وزارة المعارف العمومية الى دائرة في وزارة الأشغال العامة وخفضت نصيبها من ميزانية الدولة الى أقل من 1%. وتجاهلت سلطة الاحتلال الاحتياجات الصحية والإسكانية للفقراء. ووجهت الاستثمارات بدلا من ذلك الى حفظ النظام والتوسع في البنية الاساسية للهواتف وخطوط الترام والسدود والترع والطرق. ونجحت الخطة على الأقل لصالح المحتلين ونخبة المصريين. وتجمعت ثروات كبيرة من المضاربة في العقارات والقطن, ومن السياحة, ونشأت صناعات كبيرة مثل صناعة السكر والنسيج بدءا من العشرينيات, ولكن مصر ظلت دولة فقيرة الى درجة كبيرة, غير ان نصيب الفرد من الدخل في عام 1913 كان ثلثي دخل الفرد في ايطاليا واعلى بكثير من الطبقة المتوسطة في الحضر, وارتفعت عمليات التمويل في سوق الاسهم من 7 ملايين جنيه استرليني عام 1890 الى 100 مليون جنيه عام 1910. واصبحت السجائر المصرية أفخر انواع السجائر في العالم وكانت تصنعها فتيات عاريات الأقدام في مصانع سيئة الإضاءة في القاهرة. وكان من أبرز ملاكها اليهوديان كوتاريللي وسيمون آرتز وارتفعت اسعار الاراضي ارتفاعا فاحشا. وللمضي في الخطة الاستعمارية الهادفة الى ابتلاع ثروات البلاد سعى المحتلون البريطانيون الى بناء سد أسوان في عام 1902 وقامت شركة بريطانية تسمى (جون إيرد وشركاه) ببنائه مستغلة عرق العمال المصريين واموال مصر, وبعد بناء السد استقرت ضفتا نهر النيل في القاهرة مما سمح بالبناء عليهما فقام حي جاردن سيتي من مجموعة من البيوت الفاخرة المطلة على النيل, وقام احد اقطاب الفندقة السويسريين باستغلال جزيرة (الجزيرة), وقسمت مصالح فرنسية اراضي حي حدائق القبة, واسرع رجل الصناعة البلجيكي البارون إدوارد إمبان الى القاهرة بعد أن حقق ثروات في الكونغو, ومن إنشاء مترو باريس. ولما كان قد جاء الى مصر مسلحا بأموال ضخمة فقد حث الحكومة على إعطائه مساحة هائلة من الاراضي الصحراوية شمال شرق القاهرة, وهناك أقام مدينة هليوبوليس التي اصبحت مدينة حديثة من الفيللات والشقق السكنية ارتبطت بالقاهرة بخطوات ترام سريعة, واحتوت واحة الرجل الصحراوية على مضمار لسباق الخيل وسوق وحدائق وفندق فخم و25 ألفا من السكان المقتدرين وذلك في عام 1925. وكان قصر البارون امبان نفسه على طراز المعابد الهندية. وعلى بعد خمسة عشر ميلا جنوب القاهرة ثم تطوير نبع ماء كبريت قديم الى منتجع فخم, وبالاضافة الى الحمامات الكبريتية الشافية والمساكن الفخمة زود حي (حلوان الحمامات) بحديقة يابانية, وقد جعل هواء الصحراء النقي من ذلك الحي مكانا مثاليا لركوب الخيل والنزهات. وبدءا من عام 1890 قامت مجموعة مقاولين مترابطين من اسرة شيباردي بهدوء بشراء الحقول الممتدة الى جانب خط السكك الحديدية الذي يربط بين حلوان والقاهرة, وفي عام 1904 كانوا قد نجحوا في حشد اراض تكفي لاقامة مشروعهم واحضروا المهندسين والمساحين, ووضعت التصميمات للبناء. وهكذا ظهرت قرية المعادي التي ما لبثت ان تحولت في الثلاثينيات إلى ضاحية فسيحة يقطنها المصريون من الطبقة الارستقراطية الى جانب رجال البنوك والسماسرة الاجانب. وفي عام 1910 كان قلب المدينة قد انتقل بعيدا عن ميدان العتبة في اتجاه نهر النيل. واصبح ما كان وسط المدينة سابقا منطقة مزدحمة بالمحلات والمكاتب. ونشبت الحرب العالمية الأولى في عام 1914. ولما أيد السلطان العثماني المانيا وجدت مصر نفسها في موقف محرج فهي من الناحية الرسمية جزء تابع لإحدى القوى (أي الدولة العثمانية) بينما هي في الواقع محتلة من عدو تلك الدولة. وكان ذلك وضعا غريبا لا يتحمله البريطانيون فأسفروا عن وجههم الحقيقي واستبدلوا الخديوي اسماعيل ووضعوا حسين كامل مكانه واعلنوه سلطانا كما اعلنوا مصر محمية بريطانية وفرضوا عليها الأحكام العرفية. ووضع الأتراك والألمان والمجريون ــ النمساويون في معسكرات اعتقال. وتدفق الى مصر مهاجرون ارمينيون (ومهاجرون من جزر اليونان وروسيا البيضاء فيما بعد). ونفى زعماء المصريين الوطنيين الى مالطا. وازدحمت الثكنات البريطانية في القاهرة بقوات جديدة وكذلك بعض الجيوب الاخرى في المدينة. ومارس الجنود الاستراليون تدريباتهم بجوار الاهرام, واندفعوا الى الحانات الرخيصة خلف حدائق الازبكية. وفي عام 1917 انطلقت القوات البريطانية من مصر عبر الطريق البري لتحتل الاقليمين العثمانيين سوريا وفلسطين, وقد ربح الاغنياء من وراء الحرب وعانى الفقراء بل وكادوا يموتون جوعا بعد الارتفاع الفاحش في اسعار المواد الغذائية بسبب نقصها. وصادر الجيش البريطاني آلاف الخيول, وليس هذا فحسب بل وأجبر 20 ألف فلاح مصري على الالتحاق بكتائب عمل, وقد مات ربع عددهم بفعل المرض. وقد أثار هذه التسلط غضب المصريين الذين كانت مشاعرهم الوطنية قد التهبت منذ وقت مضى, وجاءت الشرارة عندما منعت بريطانيا وفد مصر من حضور مؤتمر السلام في فرساي, واعتقلت أو نفت زعماءها وعلى رأسهم سعد زغلول باشا. وفي ربيع عام 1919 شلت المظاهرات والاضرابات البلاد, وانضمت كافة طبقات الشعب الى المظاهرات في القاهرة وتميزت بسابقة مهمة وهي اشتراك النساء فيها مطالبات بالإفراج عن الابطال الوطنيين. وانطلقت الجماهير تسخر من الجنود البريطانيين وتهاجمهم احيانا. ودمرت خطوط السكك الحديدية والتلغراف والكهرباء, وقاطع الشعب المصري البضائع البريطانية. وبعد ثلاث سنوات من الاضطرابات اذعنت بريطانيا. وقد استعادت مصر كبرياءها واستقلالها في عام 1922 واسفرت الانتخابات بالأغلبية عن اختيار الزعيم سعد زغلول الذي كلف برئاسة الوزارة. ويقول مؤلفنا ماكس رودنبك ان هذا الزعيم الشعبي كان الى جانب صلابته رجلا واقعيا ايضا فقد وافق على بقاء النفوذ البريطاني, وبقى المستشارون الاجانب في البلاد حتى موعد تقاعدهم, وبقيت الامتيازات القنصلية كما هي, وسيطرت القوات البريطانية على قناة السويس, وظلت تحتل القلعة وثكناتها على ضفة النيل بالقرب من المتحف المصري. وعندما توفى السلطان حسين كامل منح الحاكم الجديد سلطات أوسع ولقبا اكثر فخامة. كان الحاكم الجديد الابن الثاني عشر للخديوي اسماعيل وتلقى تعليماً ايطالياً, وكان الملك فؤاد الأول أنيقا وقاسيا وكان ايضا جشعا ومتسلطا ومتعاليا على رعاياه المصريين. مسمار جحا وبعد أن يستعرض مؤلف الكتاب مفاسد الملك فاروق الذي ولي العرش بعد والده الملك فؤاد نلاحظ انه اغفل الى حد كبير الحديث عن نشاط الحركة الوطنية المصرية المنادية بالحرية والاستقلال والتي وقف منها الملك وبريطانيا موقف العداء. ثم يقفز الكاتب الى الحديث عن حريق القاهرة يوم 26 يناير 1952 بينما كان فاروق يقيم مأدبة لكبار ضباط الجيش احتفالا بولي عهده الوليد. ويحكى المؤلف لقرائه حكاية جحا الشخصية الضاحكة في الفولكلور المصري, فقد باع جحا بيته ذات يوم. وما كاد المالك الجديد يسكن البيت حتى اندفع جحا داخلا اليه وكأنه مازال يمتلك المكان, ومن دون ان ينبس بشفة اتجه الى حائط وعلق عباءته على مسمار فيه ثم غادر البيت. وفي اليوم التالي عاد لكي يأخذ عباءته, وفي الليل عاد ليعلقها على المسمار مرة أخرى, وظل على هذا الحال عدة أيام. وأخيرا وبعد ان يئس الساكن الجديد طلب منه أن يفهمه بأي حق يقتحم عليه داره على هذا النحو, فهز جحا كتفيه وقال له: (لقد بعت لك البيت ولكني لم أبع لك هذا المسمار). كان الاحتلال البريطاني في نظر المصريين يتصرف مع مصر مثل جحا, فقد استعادت مصر بيتها في عام 1947 بعد ان اطلق المحتلون النار على المتظاهرين فقتلوا ثلاثين مصريا خارج الثكنات البريطانية في ميدان قصر النيل في قلب القاهرة, وانسحبت القوات البريطانية من العاصمة وارتفع العلم الذي يحمل الهلال والصليب معا فوق القلعة للمرة الأولى منذ اربعة وستين عاما, ولكن بقى 80 الف جندي بريطاني يسيطرون على منطقة قناة السويس. ولما رفضت بريطانيا الانسحاب من قناة السويس تحولت الاضطرابات في القاهرة الى اضرابات ومظاهرات, وألهب الخطباء الوطنيون مشاعر الجماهير. وفي أكتوبر عام 1951 الغى مصطفى النحاس باشا رئيس الوزراء آنذاك المعاهدة التي تمنح البريطانيين قواعد على قناة السويس. وحث وزير داخليته فؤاد سراج الدين الاخوان المسلمين على شن هجمات فدائية, وفي تصوري ان المؤلف أخطأ في فهم ما جرى, ذلك ان قوى وطنية مصرية عديدة شكلت مجموعات فدائية للعمل ضد القوات البريطانية المحتلة في منطقة القناة بمن فيهم الاخوان المسلمون, وفرض الانجليز حظر التجول ووضعوا الحواجز, على طرق المنطقة. وتحدث سراج الدين بغضب في إذاعة القاهرة معلنا ان الانجليز اطلقوا الكلاب لمهاجمة أسيرات من نساء مصريات مكبلات. وقدمت صحيفة يومية جائزة قدرها مئة جنيه استرليني مقابل قتل كل ضابط بريطاني وبدأ موظفو الحكومة البريطانيون بما فيهم أساتذة الجامعة يستعدون للرحيل, وأصدر الملك فاروق مرسوماً بتمصير جميع مجالس إدارة الأندية. وعندئذ بدأت الكارثة... وكان البريطانيون يبحثون عن كبش فداء للومه على هجمات الفدائيين فأرسل القائد البريطاني العام قواتاً لنزع سلاح قوة الشرطة المصرية في مدينة الاسماعيلية. وقاوم رجال الشرطة... وساندهم في ذلك وزير الداخلية, فقام البريطانيون بقصف المكان بمدفعية الدبابات وقتلوا خمسين شهيدا من هؤلاء الرجال, وكان رجال الشرطة المصرية في مبنى محافظة الاسماعيلية يقاتلون قوات الاحتلال ببنادقهم رافضين تسليم أسلحتهم رغم حصار البريطانيين للمبنى. ولما عجز البريطانيون عن اقتحام المبنى استخدموا الدبابات. وتجمعت الجماهير الغاضبة في القاهرة عندما وصلتها أنباء تلك المذبحة. وفي ميدان الأوبرا تجمع بعض الناس أمام (كازينو بديعة). وبدأ الهدير وأشعل عود الثقاب. وعندما وصلت عربات الإطفاء مزق المتظاهرون خراطيمها, وقيل إن رجال الشرطة أنفسهم انضموا الى المتظاهرين, وامتدت ألسنة النيران الى مبنى سينما أوبرا المجاور. ولما أصبح واضحاً ان رجال الشرطة رفضوا التدخل اشتعلت المظاهرات واجتاحت كل شيء. وقد ألقى البعض باللوم على الاخوان المسلمين, وألقى آخرون المسئولية على فوضويين من الجناح اليميني أو على الشيوعيين أو حتى على رجال البوليس السري. واتجهت المظاهرات الغاضبة صوب المحلات وأشعلوا فيها النيران, وألقوا بالجازولين على دور السينما وأشعلوا فيها النار, واجتاحوا نادي سباق الخيل وأصابوا العديد من الأجانب. وفي الساعة الثانية بعد الظهر اندفعت الجماهير الى فندق شبرد وأحرقوه, وانطلق بعضهم في عربات نقل وأشعلوا النار في الملاهي الليلية في المدينة, ثم اتجهوا الى شارع الهرم وفعلوا الشيء نفسه بما في ذلك حرق النادي الليلي المفضل لدى الملك فاروق, وكان اسمه (باريس في الليل) وانتهز البعض الفرصة ونهبوا محتويات المحلات الكبرى مثل بنزايون وجاتينيو وغيرهما, لاحظ ان تلك الأسماء يهودية وتعود لملاك يهود منهم بن زيون ولعله بالعربية بن صهيون!! وعندئذ تدخل الجيش وسمعت طلقات الرصاص, وهدأت الشوارع في ظل حظر التجول. وعندما لاح الفجر وانتشر ضوء الصباح كان الدخان الأسود يخيم على القاهرة... وكان حجم الدمار كبيرا... وتحول كل شيء يرمز الى المدينة الكوزموبوليتانية الى خراب... نحو 700 محل ومبنى, وشوارع بأكملها ذات مبان أنيقة... بنوك ومكتبات ومعارض سيارات, ومكاتب سياحة. ويعود المؤلف بعد سرد تفاصيل كثيرة الى قصة مسمار جحا ويرى انه ما دام الناس غير قادرين على خلع المسمار فليحرقوا البيت كله. وبعد ستة أشهر من حريق القاهرة كان الملك فاروق يمرح في قصره المطل على البحر في الاسكندرية كانت السيارات المدرعة تهدر في ليل القاهرة, ودون إطلاق رصاصة واحدة استولى الجيش على الوزارات ومبنى البرلمان والقصور. وعبر إذاعة الدولة أذاع ضابط شاب بياناً وهو أنور السادات. وجاء في البيان ان التنظيم السري للضباط الأحرار تولى السلطة لإعادة الاستقرار الى البلاد. وبقيام ثورة 23 يوليو 1952 أرسل الملك فاروق وعائلته الى المنفى وحوكم رجال بلاطه والمقربون وأودعوا السجن, وفقد الباشوات ألقابهم. ويصل المؤلف الى عام 1956 ويقول إن الغرب رفض تمويل مشروع السد العالي على نهر النيل, ونتيجة لذلك أعلن الزعيم جمال عبدالناصر تأميم شركة قناة السويس في شهر يوليو من العام نفسه, وردت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل بمحاولة غزو مصر. ويعود المؤلف فيعزو انسحاب القوات المعتدية, الى (الغضب الدولي) متجاهلاً المقاومة الوطنية المصرية المدعومة بغضب عربي عارم في الوطن العربي كله الى جانب الموقف الدولي من العدوان الثلاثي. ويقول المؤلف إن جميع البريطانيين والفرنسيين قد تم طردهم من مصر بعد الاستيلاء على ممتلكاتهم وكذلك أخذ يهود القاهرة في الاستعداد للرحيل وكذلك بعض الأجانب الآخرين. ويبدو تحامل المؤلف على ثورة 23 يوليو بوضوح في تناوله لقرارات التأميم التي حمت اقتصاد مصر وخاصة تأميم الشركات والبنوك التي كانت حكراً في أيدي الأجانب, وكثير منهم من اليهود.