قال وزير الزراعة اللبناني علي عبدالله ان اسرائيل تعالج أزمتها المائية بحرمان الدول المجاورة هذه المادة الحيوية. ودعا الوزير إلى اتخاذ موقف حازم للحفاظ على الثروة المائية من السرقة التي يقوم بها العدو الاسرائيلي. (البيان) التقت الوزير خلال ورشة العمل التي عقدت في بيروت مؤخرا تحت عنوان (بناء القدرات من أجل رفع كفاية استخدام مياه الري على المستوى الزراعي) التي قام بتنظيمها قسم الزراعة في شعبة القضايا والسياسات القطاعية التابعة للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية (اسكوا) بالتعاون مع المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (ايكادرا). وقد أطلق المشاركون في الورشة تحذيرا إلى الدول العربية من انها ستصبح من (الأقطار الشحيحة ونادرة المياه, إذا لم تواجه المشاريع المائية التي ترسمها اسرائيل للمنطقة, وذلك حتى العام 2015). وأشاروا إلى ان 65% من مياه الري العربية تذهب هدرا, ولهذه النسبة خطورتها باعتبار ان العالم العربي يستخدم 80% من المياه في القطاع الزراعي, محذرين بشكل خاص من المياه التي (تتبخر) من قبل اسرائيل التي تسيطر على 80% من مياه الينابيع المتجددة في الضفة الغربية, و40% من مياه الجولان وجنوب لبنان. وفيما يلي الحوار مع الوزير علي عبدالله: * هل هناك أرقام محددة حول سرقات إسرائيل للمياه؟ ــ إن الدخول في لغة الأرقام يبين لنا من خلال الدراسات المتخصصة ان سعة الموارد المائية المتاحة في العالم العربي من جوفية وسطحية تبلغ 371.85 بليون متر مكعب. يتم استخدام 208.82 بلايين متر مكعب منها سنويا, ويذهب 6.3% للاستخدام البشري مقابل 3.7% للاستخدامات الصناعية. وتبلغ فاعلية أنظمة الري المستخدمة في الزراعة 35% فقط, في حين ان هناك 65% من مياه الري تذهب هدرا, وهي نسبة تعادل 155 بليون متر مكعب على الأقل وذلك بسبب عدم فاعلية أنظمة الري والسياسات المستخدمة. * إلى أي مدى تلعب العوامل المناخية والجغرافية دورها حيال ذلك, وإلى ماذا تشير؟ ــ تفيد هذه العوامل ان النصيب الأساسي للدول العربية من المياه سيتضاءل إلى حد كبير خلال العقود المقبلة. ففي عام 1960 كان استهلاك الفرد الواحد في المنطقة من المياه للأغراض المنزلية والزراعية والصناعية يناهز 3300 متر مكعب سنويا, أما اليوم فإن حصة الفرد لا تتجاوز 1000 متر مكعب في السنة, وهي بحلول عام 2025. مما يعني ان معظم هذه البلدان ستصنف ضمن خانة الدول التي تواجه شحا أو ندرة في المياه. * ما حقيقة ان القطاع الزراعي في الأقطار العربية يستهلك معظم ثرواتها المائية؟ ــ يستهلك هذا القطاع العربي نحو 80% من المياه المستخدمة فيما العجز يقارب البليون متر مكعب فإنه من المتوقع أن يصل الطلب على المياه إلى 47 بليون متر مكعب بحلول العام 2015. وهذا ما يهدد بأزمة مائية على مستوى الوطن العربي كله, خصوصا إذا ما أخذنا في الاعتبار ان أزمة المياه في بعض البلدان العربية مثل لبنان وسوريا والأردن وفلسطين والعراق ومصر لها أبعاد ذات شقين, أولهما تقني والآخر سياسي مرتبط بالمشاريع المائية التي ترسم للمنطقة بواسطة العدو الاسرائيلي. المشاريع الاسرائيلية * ما هي المعطيات الرقمية المتوافرة حول هذه المشاريع؟ ــ في الضفة الغربية تسيطر اسرائيل على نحو 80% من مياه الينابيع المتجددة والتي تقدر سنويا بنحو 650 مليون متر مكعب فيما تبيع الـ 20% المتبقية للشعب الفلسطيني بواقع دولار لكل متر مكعب. وفي الجولان وجنوب لبنان تستولي اسرائيل على نحو 40% من مياههما. فالمسح الفني للمياه الجوفية في بعض مناطق الجولان أثبت وجود كمية ضخمة من المياه تعادل ضعفي كمية المياه السطحية التي تغذي بحيرة طبريا. وتقدر كميات المياه المعلومة بنحو 350 مليون متر مكعب والمياه المرتقبة بنحو أكثر من مليار متر مكعب. وفي الجنوب اللبناني فقد أقدمت اسرائيل على مد أنابيب مياه بقياس 6 انشات من نبع العين المتفرع عن نهر الجوز, وهو أحد روافد الحاصباني, كما تستغل بشكل كامل مياه الحاصباني والوزاني بمعدل يبلغ نحو 145 مليون متر مكعب في السنة. وبخصوص الأردن نصت اتفاقيات السلام المعقودة عام 1994 بالسماح لعمان بتخزين معدل أدناه 20 مليون متر مكعب لاستعماله الخاص من فيضان نهر الأردن جنوب التقاء نهر اليرموك خلال فترة الشتاء, و10 ملايين متر مكعب من المياه المحلاة من أصل حوالي 20 مليون متر مكعب تقدمها اسرائيل للأردن في تواريخ يحددها الأردن خارج فترة الصيف, كما تضمنت معاهدة (وادي عربة) تحت بند (مياه اضافية) ان يتعاون الطرفان لايجاد مصادر تزود الأردن بكميات اضافية مقدارها 50 مليون متر مكعب. ولكن اسرائيل لم تنفذ هذه الاتفاقيات تحت ذرائع مختلفة وذلك انسجاما مع أطماعها وسياستها التسلطية. وإذا كان قادة اسرائيل يقدمون أنفسهم دائما أمام الرأي العام العالمي على انهم مظلومون فإن الوقائع تثبت العكس تماما, لان اسرائيل تحل أزمتها المائية عن طريق حرمان الدول المجاورة من هذه المادة الحيوية التي هي في أمس الحاجة إليها. ولقد كذب ادعاءات اسرائيل أشهر خبير مائي عالمي هو فرانكلين فيشر من معهد ماساشوستس للتكنولوجيا عندما قال: ان مشكلة المياه ليست قضية حياة أو موت من وجهة نظر اسرائيل, وإنما هي مجرد سعر. وهذا يعني ان ربط اسرائيل السلام بالمياه إنما هو ذريعة لان تل أبيب لا تريد السلام ولا تفعل أي شيء من أجل تحقيقه. ومن هنا فلا يجوز لاسرائيل أن تحل أزمتها المائية على حساب دول تعاني أساسا من أزمات مائية. واسرائيل لا تتطلع فقط إلى ما أسلفنا ذكره بل بنت استراتيجيتها المائية على تحقيق ما هو أبعد من ذلك حيث سبق وأعلنت جولدا مائير في خطاب لها بقولها: (ان التحالف مع تركيا واثيوبيا يعني ان أكبر نهرين في المنطقة أي النيل والفرات, سيكونان في قبضتنا). ويبدو ان هذه الاستراتيجية قد تحققت أيضا بدليل ما نشهده الآن من تحالفات بين اسرائيل واثيوبيا وبين اسرائيل وتركيا (مشروع الغاب)). * ماذا يهدد الثروات المائية العربية خارج نطاق المشاريع الاسرائيلية؟ هل هنالك من خطر آخر عليها غير اسرائيل أيضا؟ ــ فعلا, هنالك أخطار أخرى أبرزها المعوقات التقنية أمام المياه العربية, ومنها محدودية الموارد المائية, تزايد معدل النمو السكاني, تصاعد الهدر المائي في ظل غياب شبه تام لسياسة ترشيدية من قبل المسئولين وأيضا المواطنين, وعدم اتباع الأساليب العلمية, وليس الحديثة فقط, في استعمال المياه في المجالات المختلفة. المياه في لبنان * أين يقف لبنان من خلال كل ذلك؟ وما هي الوسائل الرسمية المعتمدة لمواجهة نضوب مياهه من جهة, وسرقتها من إسرائيل من الجهة الأخرى؟ ــ إن لبنان جزء من المنطقة وخصوصا على صعيد مواردها المائية, وهذا الجزء ليس قصرا مائيا للمنطقة لان مصادر المياه المتاحة لديه محدودة, وآفاق العجز المائي متوقعة في المدى المنظور, لهذا لابد من موقف حازم لجهة الحفاظ على الثروة المائية الوطنية, من ناحية السرقة الموصوفة التي يقوم بها العدو الاسرائيلي, وأيضا من ناحية تنمية مصادر المياه وحسن استثمارها واستغلالها, واستخدامها الرشيد. فبحسب منظمة الأغذية والزراعة (الفاو), فإن معدل المياه الهاطلة من أمطار وثلوج هي بحدود 8600 مليون متر مكعب, يتبخر منها حوالي 50% تقريبا, ويتوزع الباقي بين سرقة اسرائيلية وهدر, فلا يبقى منها فعليا إلا حوالي 2600 مليون متر مكعب سنويا, وهذا الرقم معرض للانخفاض في سنوات الجفاف, ويبلغ نصيب القطاع الزراعي حوالي 880 مليونا فقط ــ إذا اعتبرنا ان الأراضي المزروعة والمروية هي في حدود الـ 100 ألف هكتار من الصعوبة زيادتها إلا على حساب الاستخدامات الصناعية والمنزلية للمياه. نقص المياه وبعلمية وواقعية بعيدة عن التشاؤم, فإن التقديرات تشير إلى ان نقصا في المياه سيواجهنا على عتبة العقدين المقبلين, مما يستدعي التحضر والتهيؤ أيضا بعلمية وواقعية ولذلك لابد من خطط واضحة تؤدي إلى التقليل من الآثار المترتبة عن نقص المياه ومنها: ــ المحافظة على مصادر المياه وزيادة مردود استثمارها بالشكل الأمثل اعتمادا على تطبيق تقنيات إدارة جديدة للمياه تخفف من الهدر الحاصل. ــ الإدارة السليمة للري, كما في عنوان ورشة عملكم القيمة هذه, وتطوير وبناء القدرات من أجل رفع كفاءة استخدام مياه الري على المستوى المزرعي. ــ تفعيل مشاريع انشاء السدود الصغيرة والمتوسطة للاستفادة من المياه السطحية التي بمستطاعها تأمين مخزون يمكن استخدامه في أوقات القلة والجفاف. ــ تفعيل مشاريع انشاء البحيرات الجبلية بالتعاون مع المنظمات العربية والدولية المختصة, وهنا يمكن ملاحظة الاستفادة من هكذا مشاريع على المستوى السياحي وعلى مستوى الثروة السمكية. ــ استثمار الأراضي المروية بالأمطار استنادا إلى اقتراحات بتعديل بعض أنواع المزروعات الموسمية ومواقيت زراعتها. ــ التوعية المستمرة لترشيد استخدام المياه في كل الاستعمالات وليس الاستخدام الزراعي أو المنزلي فقط والقيام بالحملات الاعلامية الضرورية لذلك. ــ دراسة تجارب وتكاليف اعادة استعمال مياه الصرف والمياه المبتذلة في الري لتكون مصادر بديلة. ــ الافادة من التكنولوجيا في وسائل وأساليب الري المستخدمة حاليا بحيث تروى المزروعات بحاجاتها الضرورية اللازمة واستثمار الفائض في زيادة الكميات المزروعة مما يؤدي إلى تحسين الانتاج الزراعي بشكل عام والأهم, انشاء بنك معلومات قطاعية مختص بالقطاع الزراعي يكون مفتوحا لكل المهتمين للاستفادة من التراكم العلمي والمعرفي, وبحيث يستفيد كل الباحثين والعاملين في هذا المجال من خبرات بعضهم البعض, خصوصا إذا كان من ضمن المعلومات المتوفرة في هذا البنك رصد منظم لكل الثروات المائية السطحية والجوفية في لبنان.