هكذا اقتحمت خيوله الأزهر ، بونابرت يمهد بـ (منشور سري) لنزوله إلى بر مصر ، محمد علي ينفذ أكبر عملية انتزاع لملكية الأراضي في التاريخ في ربيع عام 1798 قام نابليون بونابرت بغزو مصر لأسباب عملية كثيرة, منها قدرات مصر الاقتصادية, وضعف حكامها العثمانيين, وجنون العظمة لديه ونظرته الرومانسية إلى الشرق, ورغبته في تهديد قبضة بريطانيا على الهند, ورغبة منافسيه في باريس في التخلص من ذلك الجنرال الجموح ذي الثمانية وعشرين عاما بارساله إلى أبعد مكان ممكن عن فرنسا. وفي الفصل السادس من كتاب ماكس رودنبك, والذي اختار له عنوانا موحيا هو: (العنقاء حبيسة القفص), يقول المؤلف إن بونابرت تعلل أيضا بسوء معاملة التجار الفرنسيين. وقد توجه إلى مصر على متن سفينة القيادة المسماة (لوريان) بينما كان بعض جواسيسه يوزعون منشورا وجهه إلى المصريين يتمسح فيه بالإسلام الحنيف, ويدعي انه يجيء إلى مصر لكي ينقذ أهلها من ظلم المماليك, وان الفرنسيين يدينون بالولاء للسلطان العثماني. ويستشهد مؤلف الكتاب في ذلك بما جاء في كتاب (تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار) للعلامة الشيخ عبدالرحمن الجبرتي. وبدلا من ترجمة ما نقله الكاتب الانجليزي من فقرات من ذلك الكتاب آثرت ان أقتطف لكم من الأصل العربي جانبا من الفقرات التي أوردها المؤلف. يقول الجبرتي رحمه الله عن رسالة (بونابرته) كما كان يسميه المصريون آنذاك: (... وصورة ذلك المكتوب: بسم الله الرحمن الرحيم, لا إله إلا الله لا ولد له ولا شريك له في ملكه. من طرف الفرنساوية المبني على أساس الحرية والتسوية, السر عسكر الكبير أمير الجيوش الفرنساوية بونابارته... يعرف أهل مصر ان من زمان مديد الصناجق الذين يتسلطون في البلاد المصرية يتعاملون بالذل والاحتقار في حق الملة الفرنساوية ويظلمون تجارها بأنواع الأذى والتعدي, فحضر الآن ساعة عقوبتهم...). ثم يمضي الجبرتي في نقل نص الرسالة التي لاقت انتقاده لركاكة أسلوبها وأخطائها اللغوية الفادحة ... تقول الرسالة: (... يا أيها المصريون, قد قيل لكم انني ما نزلت بهذا الطرف إلا بقصد ازالة دينكم فذلك كذب صريح فلا تصدقوه وقولوا للمفترين انني ما قدمت إليكم إلا لأخلص حقكم من يد الظالمين, وانني أكثر من المماليك أعبد الله سبحانه وتعالى وأحترم نبيه والقرآن العظيم. وقولوا لهم أيضا ان جميع الناس متساوون عند الله وإن الشيء الذي يفرقهم عن بعضهم هو العقل والفضائل والعلوم فقط, وبين المماليك والعقل والفضائل تضارب فماذا يميزهم عن غيرهم حتى يستوجبوا أن يتملكوا مصر وحدهم ويختصوا بكل شيء أحسن فيها, من الجواري الحسان والخيل العتاق والمساكن المفرحة...). يا خفي الألطاف! وفي 17 يوليو 1798 دعا بكوات المماليك إلى التعبئة العامة فحمل القادرون من الرجال سكاكين المطبخ والهراوات وانطلقوا ناحية ميناء بولاق, أما الجزء الرئيسي من جيش المماليك فقد ذهب لملاقاة الفرنسيين. ووصف الجبرتي حالة جنود ذلك الجيش فقال: (... ولكن الأجناد متنافرة قلوبهم, منحلة عزائمهم, مختلفة آراؤهم, حريصون على حياتهم وتنعمهم ورفاهيتهم, مختالون في رئيسهم, مغترون بجمعهم, محتقرون شأن عدوهم, مرتبكون في رويتهم مغمورون في غفلتهم, وهذا كله من أسباب ما وقع من خذلانهم وهزيمتهم...). تلك هي الحال التي وردت في كتاب الجبرتي الذي فضلنا أن نعود إلى نصه العربي مباشرة بدلا من ترجمة ما ذكره مؤلف كتاب (القاهرة) بلغته الانجليزية. وواضح ان ماكس رودنبك قد عاد كثيرا إلى ما أثبته الجبرتي من وقائع عن الحملة الفرنسية على مصر, وسوف نعود إلى أصل الكتاب كلما جاء ذكر الأخبار على لسان المؤرخ المصري العظيم. ويقول مؤلف كتابنا ان القوات, وقوامها 25 ألف جندي, تفوق قوة جيش المماليك من حيث العدة والعدد وأساليب القتال. ونعود مع الكاتب مرة أخرى إلى وصف الجبرتي: (... ثم ان الطابور الذي تقدم لقتال مراد بك (يقصد الطابور الفرنسي) انقسم على كيفية معلومة عندهم في الحرب, وتقارب من المتاريس بحيث صار محيطا بالعسكر من خلفه وأمامه (أي ان الطابور الفرنسي قام بما يعرف في الحروب الحديثة بحركة الكماشة) ... ودق طبوله وأرسل بنادقه المتتالية والمدافع واشتد هبوب الريح وانعقد الغبار, وأظلمت الدنيا دخان البارود وغبار الرياح, وصمت الأسماع من توالي الضرب بحيث خيل للناس أن الأرض تزلزلت والسماء عليها سقطت. واستمرت الحرب والقتال نحو ثلاثة أرباع الساعة ثم كانت هذه الهزيمة على العسكر الغربي...). ويمضي الجبرتي في وصفه قائلا: (ولما انهزم العسكر الغربي حول الفرنسيين المدافع والبنادق على البر الشرقي وضربوها. وتحقق أهل البر الآخر الهزيمة فقامت فيهم ضجة عظيمة, وركب في الحال إبراهيم بك والباشا والأمراء والعسكر والرعايا وتركوا جميع الأثقال والخيام كما هي لم يأخذوا منها شيئا, فأما الأمراء وإبراهيم بك والباشا فساروا إلى جهة العادلية وأما الرعايا فهاجوا وماجوا ذاهبين إلى جهة المدينة ودخلوها أفواجا أفواجا وهم جميعا في غاية الخوف والفزع وترقب الهلاك, والنساء يصرخن بأعلى أصواتهن من البيوت). وبعد أن هرب أمراء المماليك أو اختبأ بعضهم لم تعد هناك سلطة إلا المشايخ المصريين, أئمة المساجد الكبرى, الذين قرروا استسلام المدينة. وفي الرابع والعشرين من يوليو دخل الفرنسيون القاهرة بدون سلاح وهم يضحكون مع الباعة في الأسواق, ويدفعون أسعارا باهظة لمشترياتهم. وأقام نابليون بونابرت في قصر محمد بك الألفي في الأزبكية, الذي كان قد بناه صاحبه حديثا وهو من ثراة المماليك. ولاحظ عامة الناس في دهشة ان (بونابارتة) لم يكن على هيئة شيطان استطالت أظافر قدميه كما أفهمهم بكوات المماليك. ومرت بسلام الأشهر القليلة الأولى بعد الاحتلال الذي قدر له أن يدوم ثلاث سنوات. وانبهر أهل القاهرة بالبدع الجديدة التي أتى بها الفرنسيون إلى المدينة, مثل المقاهي والمطاعم التي أقامها بعض الايطاليين, وتجمع الناس لرؤية الجنود وهم يرتدون (البنطلون) المحكم ويجلسون على كراسي مرتفعة أمام موائد يتناولون عليها طعامهم باستخدام (الشوكة) وتأتيهم مع مشترياتهم فواتير مفصلة. وقد أثار خنوع الفرنسيين للنساء غضب الجبرتي. وكان بضع مئات من النساء قد أبحرن مع الجيش من فرنسا وأخذت هؤلاء النسوة تتجولن في المدينة من دون نقاب وهن يتضاحكن ويتبادلن النكات مع أفراد من أدنى طبقات المجتمع. وصف مصر للترفيه عن أهل القاهرة أعلن الفرنسيون انهم سيعرضون ابتكارا يستطيع الطيران إلى الفضاء وحمل الناس إلى بلاد بعيدة, غير ان البالون ذا الألوان الثلاثة سقط بعد فترة قصيرة من التحليق وشعر المشاهدون ــ مثل الجبرتي ـ بالارتياح لان الأمر تحول إلى أضحوكة يسخر منها الناس. فيقول الجبرتي: (... لقد أصبح مثل الطيارات الورقية التي يصنعها خدم المنازل لاستخدامها في الأعياد). ولما كان نابليون قد سيطرت عليه الرغبة في أن يترك بصمته على التاريخ, فقد جلب معه فريقا من العلماء البارزين يزيدون على المئة من الفلكيين وعلماء اللغات والآثار والنبات والمهندسين ... إلخ. وقد انكب هؤلاء العلماء على أداء مهامهم بكد واجتهاد أثارا دهشة المصريين وقد أسفرت ثلاث سنوات من البحث المضني عن كتابه دائرة معارف من أربعة وعشرين مجلدا باسم (وصف مصر). وقد ملأت الفجوة في معرفة أوروبا بمصر وشعبها وحرفها, والحياة الحيوانية والنباتية فيها, وآثارها القديمة. ويشير مؤلف الكتاب إلى ما اعترى الجبرتي من دهشة عندما لاحظ ان العلماء الفرنسيين رحبوا بالزوار المصريين للمعهد الذي أقاموه في أحد قصور المماليك المصادرة, كذلك تعجب المؤرخ المصري عندما رأي الجنود الفرنسيين يملأون مكتبة المعهد وهم يقرأون في صمت. وشاهد الشيخ الجبرتي أيضا في مختبر المعهد تجارب كيميائية حولت السوائل إلى جوامد, وأعطاه الفرنسيون صدمة من قوة غريبة تسمى (الكهرباء). وقد أبدى اعجابه بالدقة والبراعة في العمل التي تتسم بها (معدات الكفار العلمية), وقد تعجب كذلك لمهارة فنانيهم الذين سجلوا بالتفصيل الدقيق لا زهور مصر وحشراتها فحسب, بل وأيضا (أوثانها القديمة), بل وأيضا الشخصيات المصرية المهمة التي رسم لها الفنانون لوحات حية وكأنهم على وشك أن ينطقوا. وسرعان ما توترت العلاقة بين المحتلين والشعب الواقع تحت الاحتلال. ولم يكتف السلطان العثماني, حاكم مصر الأسمي, بانكار اشتراكه مع الفرنسيين بل بعث بقواته لطردهم من منطقة نفوذه. ولقد هزم نابليون الأتراك على البر ولكنه أخفق بالنسبة للبحرية البريطانية. وخلال أسبوعين من انتصار فرنسا في معركة الأهرام تمكن الأدميرال البريطاني نيلسون من اغراق معظم قطع الاسطول الفرنسي تاركا جيش الشرق العظيم في مصر دون وسيلة للرحيل, ولجأ نابليون إلى وسائل يائسة لجمع الأموال بعد أن عانى من قطع الامدادات والتعزيزات والنقود, الأمر الذي أغضب أهل القاهرة ودفعهم إلى الثورة عليه. وقد انفجرت أول مظاهر الانتفاضة خلال ستة أشهر من الغزو, فعندما أصدر الفرنسيون مرسوما يحدد الضرائب على العقارات في أكتوبر عام 1798, دعا رجال الدين عامة الناس إلى شن حرب مقدسة. وهتفت الجماهير بالنصر للإسلام وهاجمت الغزاة بكل ما وقع في أيديها من أسلحة, وتكبد الفرنسيون 300 قتيل في يومين من التمرد. وكان ردهم هو قصف المدينة قصفا مستمرا لكل فترة, بعد الظهر مركزين على الجامع الأزهر. وفي الليل انطلقوا إلى الشوارع المدمرة نتيجة القصف المتواصل واقتحموا الجامع القديم بخيلهم وأعملوا فيه النهب والسلب. ومرة أخرى نعود إلى نص رواية الجبرتي إذ يقول في (تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار): (... ثم دخلوا إلى الجامع الأزهر وهم راكبون الخيول وبينهم المشاة كالوعول, وتفرقوا بصحنه ومقصورته وربطوا خيولهم بقبلته وعاثوا بالأروقة والحارات وكسروا القنابل والسهارات وهشموا خزائن الطلبة والمجاورين والكتبة, ونهبوا ما وجدوه من المتاع والأواني والقصاع والودائع والمخبآت بالدواليب والخزانات ودشتوا الكتب والمصاحف وعلى الأرض طرحوها وبأرجلهم ونعالهم داسوها...) وسيطر (الافرنج) ـ كما يسميهم الجبرتي ــ على المدينة بعد أن فقدت ثلاثة آلاف من أبنائها. وصمد جيش الشرق الفرنسي سنتين أخريين, وتسببت الأمراض وحملة لا جدوى لها ضد الأتراك في فلسطين, في استنزاف أعداد الجنود. وتسلل نابليون هاربا تاركا جيشه يدبر أموره في مصر وانسل عائدا إلى باريس ليواصل عمله. وثارت القاهرة مرة أخرى في عام 1801, وفي هذه المرة فقد الفرنسيون السيطرة على المدينة لمدة خمسة أسابيع كاملة وشقوا طريق انسحابهم بقصف مدفعي سوّى أحياء بأكملها بالأرض. وعندما توقفت المدافع عن قصف ميناء بولاق وحي الأزبكية والحسينية معقل الطبقة العاملة, كانت كلها قد تحولت إلى أكوام من الحجارة. ويرى مؤلف الكتاب انه في نهاية الأمر لم يكن شعب القاهرة ولا السلطنة العثمانية الواهنة هم الذين أخرجوا (الكفار) من مصر, فقد نزلت قوة بريطانية في الاسكندرية, ولما كان الجيش الفرنسي مرهقا بدرجة لا تسمح له بمنازلة نظيره المساوي له تقنيا, توصل إلى اتفاق سمح له بالانسحاب في سلام. وفي 15 مايو 1801 خرجت آخر القوات الفرنسية من القاهرة وقد تركوا المدينة مدمرة ماديا ومعنويا وجرحوا كبرياءها. وداعاً للمماليك ينتقل المؤلف إلى بداية عصر محمد علي في مصر, فيقول ان السلطان العثماني أرسله على رأس قوة من المرتزقة الألبان لنجدة مصر, ولكنه لجأ إلى الخديعة للتخلص من الحاكم العثماني المعين منذ وقت قريب وطرده من القلعة. وكان محمد علي يعلم جيدا ان السلطان في القسطنطينية البعيدة كان منغمسا في الهموم الداخلية والحروب مع روسيا مما لا يترك له وقتا ليهتم بما يفعله محمد علي في مصر. ولما لم يكن أمام السلطان من خيارات أخرى غير قبول الانقلاب, اعترف بتابعه المتهور نائبا له في مصر. وفي عام 1807 قاتل جنود محمد علي الألبان غزوا بريطانيا سيء التخطيط واحتفلوا بانتصارهم بتعليق رؤوس بضعة مئات من الانجليز حول القاهرة. وما لبث محمد علي أن انتهى سريعا من آخر مصدر لتهديد سلطته فقام بدعوة الأمراء المماليك إلى مأدبة في القلعة. وبعد أن أتخموا بالطعام نزل 24 زعيما من المماليك وأتباعهم المسلحون وعددهم 400 رجل, في صف واحد وراء الآخر عبر ممر شديد الانحدار يؤدي إلى البوابة السفلية للحصن, وقام الألبان باغلاق الأبواب وانهالوا بطلقات الرصاص على الفرسان الواقعين في الفخ, ثم تبع ذلك اصطياد أكثر من ثلاثة آلاف مملوك في شوارع المدينة. وبعد أن ثبت أقدامه بلا منازع نفذ محمد علي أضخم عملية انتزاع للأراضي في التاريخ فصادر المزارع الاقطاعية الخاصة بزعماء المماليك, ثم ما لبث بعد ذلك أن انتزع من المؤسسات الإسلامية في القاهرة 600 ألف فدان من أراضي الوقف. وبضربة واحدة استطاع أن يقطع رأس نظام حكم القاهرة في العصور الوسطى وانتهى نفوذ كل من البكوات ورجال الدين, وأصبحت مصر المزرعة الخاصة لنائب السلطان, غير ان السيد الجديد كان ــ على عكس من سبقوه ــ رجلا يتمتع برؤية خاصة وبطموح كبير خاصة وانه نشأ في مدينة سالونيك متعددة اللغات وذات المظهر الغربي. وقد ساعدته خبرته العسكرية في ادراك أسباب التخلف النسبي للامبراطورية العثمانية, واتجه إلى اعادة تشكيل القاهرة على شكل الجيوش الأوروبية النظامية التي كان معجبا بها. وبمساعدة مستشارين فرنسيين ــ وكثير منهم ضباط سابقون في جيش نابليون ــ أجرى محمد علي تغييرات هائلة. وقد أمر بالتوسع في زراعة مساحات واسعة بالقطن الذي سوف يحقق المحصول النقدي الذي يغذي الانعاش الاقتصادي. وأطاح بتقليد استمر ألفي عام عندما دفع المصريين باصرار إلى الالتحاق بجيشه والأشغال العامة الضخمة الخاصة بمشروعاته. وأعاد تنظيم الحكومة وأنشأ لها مكاتب مزودة بموظفين رسميين أجرى عليهم الرواتب, وتتم ترقيتهم بناء على كفاءتهم. وقد بنى أول مدارس علمانية في القاهرة وأخذ يرسل المصريين في بعثات إلى خارج البلاد لدراسة اللغات الأوروبية والعلوم. وأضاف شق الترع مليون فدان جديد قابل للزراعة, مما أدى إلى سرعة تصدير القطن. وقد جعل القطن من مصر بلدا غنيا, أو بالأحرى جعل حاكمها ثريا, وهيأها للدخول إلى عالم التجارة والمال العالمي. وحقق الجيش ـ المدرب على أيدي الفرنسيين ــ انجازات من نوع آخر, وباسم السلطان العثماني هزم عصيانا أصوليا في الجزيرة العربية, وتمردا في اليونان. وغزا الجيش السودان لحساب محمد علي الشخصي, ثم قام باقتطاع مقاطعات تابعة للسلطان العثماني المشلول الإرادة. وبحلول عام 1830 وما بعده من أعوام كانت مساحة مصر وتوابعها أكبر من دولة المماليك في القرن الخامس عشر, وقد أصبحت بلاد السودان والحجاز (بما في ذلك مدينتا مكة المكرمة والمدينة المنورة), وسوريا وفلسطين, وحتى نصف الأناضول التركي, تحت سيطرة محمد علي. وقاد ابنه ابراهيم باشا حملة ناجحة أوصلت الجيش المصري النموذجي على بعد مئات قليلة من الأميال من القسطنطينية. وكانت نهضة مصر تحديا لوجود الامبراطورية العثمانية ذاته. وأصبح محمد علي لاعبا أساسيا ولكن خطأه انه أسرع بكشف أوراقه في لعبة السياسة الخشنة. ولما كانت بريطانيا وفرنسا تخشيان أن تستغل روسيا ضعف الدولة العثمانية فتندفع إلى البحر الأبيض المتوسط, فقد تدخلتا بأساطيلهما, ووجد محمد علي ان جيشه في سوريا قد أصبح مهددا بعزله عن مصر انحنى محمد علي للقوة الأوروبية ووافق على الانسحاب في اطار صفقة معروفة. اكتشاف منابع النيل وبينما كانت الحرب الأهلية مشتعلة في الولايات المتحدة وقعت أحداث مهمة في مصر. واكتشف رجل انجليزي يدعى جون هاننج سبيك منابع النيل الأبيض عام 1862, واعتلى العرش رجل آخر في القاهرة وتضاعف سعر القطن في عام واحد عندما حاصر الأسطول الأمريكي الشمالي الموانئ المتحدة. وخيل للخديوي اسماعيل حفيد محمد علي ان الثروة المفاجئة تكفي لتحويل مصر إلى فرنسا, والقاهرة إلى باريس, وبلاطه إلى فرساي. وبتحريض من رجال البنوك الأوروبيين الذين تزاحموا عليه لتقديم القروض, أخذ إسماعيل ينفق وينفق بلا حساب. وكان الخديوي في عجلة من أمره, ولقب الخديوي هو الاسم الذي حصل عليه برشوة قدمها إلى القسطنطينية. وكان يخطط لاقامة أضخم حفل يشهده العالم بمناسبة افتتاح قناة السويس والذي دعا إليه ضيوفه من الأسر المالكة الأوروبية. واقتضى الأمر انشاء ميادين تزينها تماثيل ضخمة وشق شوارع مضاءة بالغاز بين القصور والفيللات, وانشاء حدائق ذات كهوف وممرات صينية وبحيرات للهو تسير فيها زوارق تسير بضغط الأقدام على الدواسات. وكان من الضروري أيضا أن يبني في القاهرة مسرحا ودارا للأوبرا ومتحفا ومكتبة ومعاهد علمية مثل الجمعية الجغرافية الخديوية. وهكذا أصبحت قطعة الأرض ــ مساحتها 1*2 من الأميال والواقعة بين القاهرة ونهر النيل ــ موقعا فسيحا للبناء. وشقت الطرقات مع ممرات جانبية للمشاة, ومنحت قطع الأراضي لأي شخص ينفق 2000 جنيه استرليني لبناء فيللا على أن ينهي البناء خلال ثمانية عشر شهرا, ومنحت الامتيازات لشخص معين هو شارل لوبون للقيام بامدادات الغاز والماء. واستعان الخديوي بمسيو بارييه دي شامب كبير مهندسي المناظر الطبيعية المصممة لمدينة باريس لتحويل ضاحية الأزبكية إلى حديقة للبلدية على نفس نمط غابة بولونيا الفرنسية. وكان افتتاح قناة السويس عام 1869 يمثل انتصارا كبيرا للخديوي اسماعيل. وكانت القاهرة قد (تحضرت) إلى حد كبير, على حد تعبير مؤلف الكتاب لدرجة انها أصبحت بالفعل مركز الامبراطورية المصرية المترامية الأطراف, ذلك ان الجيش المصري كان قد اندفع إلى عمق افريقيا, ووصلت مساحة الأقاليم التي فتحها بحلول عام 1870 نصف مساحة الولايات المتحدة مما جعل من امبراطورية مصر أضخم الامبراطوريات في افريقيا في ذلك الوقت. وبرعاية الخديوي اسماعيل قام المستكشفون الأوروبيون برسم الخرائط وتسجيل تفاصيل أوصاف حوض النيل الذي كان بالكامل تحت الحكم المصري لأول مرة في التاريخ. وبعد انتهاء الاحتفالات بمدة تمتعت القاهرة بعدة مناسبات كان من بينها تقديم أوبرا عايدة على مسرح دار الأوبرا المصرية التي اشترك فيها عدد من العبيد الأحباش من بين ثلاثة آلاف شخص الذين اشتركوا في تقديمها. (كان الخديوي إسماعيل قد كلف المؤلف الموسيقي الايطالي جيسيبي فيردي بتأليف أوبرا ذات موضوع مصري لتقديمها بمناسبة افتتاح قناة السويس, ولكن المؤلف لم يستطع الانتهاء منها في الموعد المحدد, ولذا فقد افتتحت دار الأوبرا بالأوبرا الايطالية ريجوليتو). على أي حال لم يقتصر جهد الخديوي اسماعيل على اللهو فقط بل بنى في عصره 5000 مدرسة مما أتاح لمصر نظاما تعليميا حكوميا أفضل مما كان موجودا في روسيا القيصرية مثلا في ذلك الوقت واتسعت شبكة السكك الحديدية وشبكة ترع الري في قفزات سريعة وواسعة النطاق. وأقام إسماعيل برلمانا وسن قوانين مماثلة لقوانين نابليون.