تميز رمضان العام الماضي بحدث ما زالت اصداؤه وتداعياته تشكل حضورها الكثيف في ساحة السلطة الرسمية .. فقد شهد الاسبوع الاول منه قرارات البشير الشهيرة التي اطاحت بعرش الزعيم المتنفذ د. حسن الترابي بحل البرلمان الذي تستعد البلاد لاجراء انتخابات في الاسبوع الثالث من الشهر الجاري بشأنه ورئاسة الجمهورية. تلك القرارات تلاحقت ردود افعالها حتى استقرت على طلاق بائن بين جناحي الصراع (القصر والمنشية) افضى الى انشقاق في الحزب الحاكم مازال الجناح الذي يقوده د. الترابي يثير الغابر الكثيف من وقت لآخر رغم ما قيل من اسقاطات مسرحية في عموم المسألة. اما رمضان هذا العام فعلى غير العادة شهد لاول مرة انخفاضا في الاسعار بالنسبة لمعظم السلع وظلت الاسعار تشكل استقرارا كما هو الحال بالنسبة لبقية شهور السنة. فقد شهدت سلعة السكر انخفاضا واضحا في الاسعار التي اقامت الدنيا لاسابيع خلت اذ وصلت الى مراحل خرافية فاجأت الجميع بتصاعدها المطرد اذ بلغت في ظرف اسبوع اكثر من 90 الف جنيه للجوال مما جعل جمهور المستهلكين يميلون الى ارتفاع اكبر في شهر رمضان. ولكن لان الشهر كريم رحيم من نفس الرحمن, فقد سجلت اسعار السكر انخفاضا لا تخطئه العين اذا هبط سعر الجوال من 90 الف جنيه الى 75 الف جنيه, ومرد هذا التراجع في الاسعار الى ان الشهر الكريم حل ومصانع السكر بدأت مواسم انتاجها في الشهر الماضي وتشير كل التقديرات الى ان انتاجها سيفوق انتاج الموسم السابق بكثير خاصة مصنع سكر كنانة الذي تقدر انتاجيته لهذا الموسم الذي عد له اعداد سليما, بـ 390 الف طن, من السكر .. اسعار اللحوم هي الاخرى شهدت انخفاضا تهيأت اسبابه بنهاية الخريف التي يعقبها زحف قطعان الماشية الى مناطق الاستهلاك بعد ان اكتنزت شحما ولحما .. عضد ذلك ماشهدته ساحة الصادر الذي توقف بسب الحظر المفروض من بعض الدول العربية التي اصاب بعض مناطقها مرض حمى الوادي المتصدع وأدى ذلك الى حظر استيراد اللحوم الحية والمذبوحة من عدد من الدول السودان واحد منها, بيد ان جولة وزير الثروة الحيوانية د. عبدالله محمد سيد احمد التي قادته موفدا لعدد من الدول العربية منها قطر والكويت ودولة الامارات العربية المتحدة, ساهمت في انفراج الموقف. وتشير التوقعات الى ان الارتفاع الذي ظهر في اسواق اللحوم والذي رد الى تزايد الطلب عليها في الشهر المبارك سيمضي الى الامام اذا عادت الاوضاع الى طبيعتها بالنسبة للصادر خلال الايام والاسابيع المقبلة. تزامن حلول الشهر المبارك مع دخول فصل فامتلأت الاسواق بالخضروات من طماطم وما شاكلها من اصناف جعلتها الوفرة في متناول يد المستهلك الذي ساندته الظروف بدخول الحبوب الاخرى من ذرة وغيرها الى الاسواق باسعار تشير الى ان ما تردد من احاديث حول غزارة انتاجها هذا الموسم لم يكن للاستهلاك رغم الفجوات التي اعلنت في بعض المناطق بسبب قلة الامطار والجفاف. لكن الشهر ورغم استهلاله الطيب لم يخل من نزاع نشب هذه المرة بين التجار ومحلية الخرطوم .. وبالفعل فقد اغلقت معظم المحلات التجارية بالسوق العربي ابوابها في الاسبوع الاول من رمضان احتجاجا على التصاديق التي منحتها المحلية للباعة المتجولين. التجار اضربوا عن العمل لثلاثة ايام متواصلة معللين ذلك بان المحلية خرقت اتفاقها معهم حينما التزموا بدفع 130 مليون لها مقابل عدم التصديق لاولئك الباعة المتجولين الذين قالوا انهم يسدون الطريق الى محلاتهم ويعرقلون حركة السوق وان انتشارهم بهذا الشكل هو مظهر غير حضاري .. بيد ان المحلية قالت بغير ذلك وهو ان التجار لم يلتزموا بسداد المبلغ المتفق عليه .. ولما كانت المحلية بحاجة ماسة لمصروفات كثيرة لا يتوفر بند لسدادها قامت بتلك الاجراءات ومنحت التصاديق المؤقتة للباعة المتجولين وتستند المحلية الى انها درجت على اقامة معارض موسمية لمختلف المناسبات مثل بداية العام الدراسي والاعياد .. وانها اعتادت لسنوات خلت من اخذ ضرائب او رسوم من اصحاب تلك التصديقات التي تراوحت هذه المرة من 750 الف جنيه الى مليون جنيه. المحلية تعجبت لامر بعض التجار الذين رفعوا مذكرات يطالبون فيها بعدم منح التصاديق للباعة المتجولين وتجد ان قول التجار ان مظهر الباعة غير حضاري مردود عليه اذ توجد هذه الخيام والتدابير في ارقى الدول وان التجار ينطلقون من مصلحة ذاتية ضيقة دون النظر لاولئك الضعفاء الذين لا يقتربون من الاسواق الا في مثل هذه المواسم حيث يجدون مايتواءم مع امكاناتهم. وترد المحلية على بعض التجار كتجار الذهب وهم ضمن رافعي المذكرة ان وجود هؤلاء الباعة المؤقت لايشكل اي ضرر عليهم لانهم لا يبيعون ذهبا او فضة وهي سلع لها زبائنها المحدودون, لذلك وجدت سلطات المحلية ان الاسباب التي ساقها التجار لاغلاق محلاتهم لا تنسجم والواقع ذلك لان هذه التصاديق منحتها المحلية اولا لتغطية عجز في مصروفاتها كما اوضح القائمون على امرها لم يلتزم التجار بتوفيره حسب الاتفاق معهم. وثانيا يقول المسئولون بالمحلية ان التصاديق منحت لمعاقي العمليات الحربية المكفوفين ومنظمات الرحمة والهيئات الخيرية واتحادات الطلاب وانها قصدت منها توفير لقمة العيش الكريم لهذه الفئات واعادة البسمة لليتامى والمساكين وفضلا عن ذلك انها توفر احتياجات الناس باسعار متهاودة وانها مزار ليس لسكان العاصمة فحسب بل يقصدها كل ابناء السودان من مختلف ولاياته. لذلك لم يجد والي الخرطوم د. مجذوب الخليفة حرجا حينما اعلن وقوفه الى جانب الباعة المتجولين ومنحهم التصاديق موضحا ان التجربة اثبتت ان هؤلاء الباعة ساهموا بفاعلية في انخفاض الاسعار وان هذا الامر معمول به في اكثر الدول رقيا وحضارة .. فقط وجه الوالي بان يأخذ توزيع الترابيز والبكاس شكلا لايتضرر منه اصحاب المحلات التجارية الذين اسقط في يدهم تماما ولم يكن امامهم الا فتح محلاتهم بعد ثلاثة ايام من الاغلاق لجس نبض المحلية التي رأت ان اضرابهم واصدار منشورات ورفع مذكرات واغلاق محلاتهم يعد تعديا على حقوق الدولة والمحلية جزء منها واعتبرت ان مجرد الجلوس اليهم هو تنازل منها لان التصاريح هي من صميم اختصاصها ولايحق لاحد التدخل فيه . تبقى الاشارة الى انه حتى لا يتجدد النزاع عند كل مناسبة ان تحسب المحلية حساباتها وان تضع النقاط فوق الحروف لكل الاطراف لان البائع المتجول كما التاجر صاحب المحل هم رعاياها ومن ابهى صور العدل أخذ عين الرضا وسط الرعية.