بيان الاربعاء : فتحت الزيارة التي قام بها نور الدين يزيد زرهوني وزير داخلية الجزائر الى المغرب الأسبوع الماضي المجال واسعا أمام المراقبين لطرح سلسلة من التوقعات حول ما ستحمله من جديد بعد نحو ست سنوات من إغلاق الحدود بين البلدين وتقليص العلاقات الى مستوى التمثيل الدبلوماسي الشكلي. ونشرت الصحافة في الجزائر والمغرب وبلدان أوروبا وحوض البحر المتوسط عشرات المقالات حول الموضوع, ووصفتها الأوساط الرسمية بكونها (لبنة هامة في مسار تعميق التعاون وأواصر الأخوة وحسن الجوار). وجاءت زيارة زرهوني الى المغرب تتويجا لاتصالات عديدة على مستويات مختلفة كان أهمها اللقاءات التي جرت بين الرئيس عبد العزيز بوتفليقة والملك محمد السادس على هامش اجتماعات وندوات إقليمية ودولية. وينتظر أن تتكثف المشاورات والاتصالات خلال الأشهر المقبلة بغرض إيجاد آلية العمل المشترك وبعث اللجان التحضيرية لاستئناف اللجنة المختلطة الكبرى الجزائرية ــ المغربية في أقرب الآجال. ولئن كانت المسائل المعلن عنها حتى الآن بمناسبة لقاء وزيري الداخلية إجرائية تقنية فإنها بلا شك تستند الى قرار سياسي وإرادة سياسية بإيجاد الصيغ التي من شأنها طرح جميع الملفات المرتبطة بالعلاقات بين البلدين ودراستها بصفة شاملة والبت في القضايا العالقة موازاة مع إجراءات إعادة فتح الحدود. وكانت الحكومة المغربية قد سعت الى إعادة فتح الحدود مباشرة بعد تعيين عبد الرحمن اليوسفي على رأسها قبل أزيد من عامين لكن الطرف الجزائري اشترط أن تكون مسألة فتح الحدود مجرد نقطة في جدول أعمال شامل لتسوية الأوضاع بين البلدين, فيما اعتبرها المغرب مدخلا ضروريا لدراسة بقية القضايا المشتركة, كانت هذه (معركة إجرائية) من نوع (أيهما اسبق الدجاجة أم البيضة), لكن في العمق كان العائق الأكبر مشكل الصحراء الغربية. ويبدو أن التغيير الذي طرأ على قيادة البلدين عام 1999م بوصول كل من عبد العزيز بوتفليقة ومحمد السادس الى مركز القرار حمل جديدا في هذا الشأن. فقد اتفق الرجلان في لقاء عابر خلال اجتماع القمة الأوروبية ــ الإفريقية بالقاهرة في أبريل الماضي على تحرير العلاقات بين البلدين من تأثير مشكل الصحراء الغربية الذي سمم العلاقات بينهما منذ أزيد من ربع قرن من الزمن. ويعتقد الملاحظون أن الاندفاع نحو تطبيع العلاقات سيكون بوتيرة سريعة خلال العام 2001م, لاسيما وأن تيارا واسعا في الحكم الجزائري لا يعارض (الاختيار الثالث) بخصوص التسوية بين المغرب والصحراويين إذا كان هذا الاختيار يعطي نتائج سريعة فيما يتعلق بالتكامل المغاربي وتدفق رؤوس الأموال الأجنبية للنهوض بالمنطقة ككل. حكم ذاتي ويقضي الاختيار الثالث بأن تمنح للصحراويين سلطات واسعة في إطار حكم ذاتي ضمن المملكة المغربية وهو الحل الذي قد يكون البديل للمأزق الذي آل إليه الموقفان المتناقضان الصحراوي والمغربي. حيث يصر الأول على إجراء استفتاء تقرير المصير وهو ما يعني ضمنا اعترافا من المغرب بأن الصحراء أرض قائمة خارج ترابه وبأن تواجد قواته العسكرية وعشرات الآلاف من مواطنيه بالإقليم منذ (المسيرة الخضراء) عام 1975م إنما هو احتلال غير شرعي, ومقابل ذلك يبرر المغاربة تواجدهم بكون الإقليم مغربيا سلبه منه الأسبان بطريقة تعسفية ومن الطبيعي أن يعود الى البلد الأم بعد رحيل المستعمر. وتساند الجزائر الموقف الأول وتآزر الصحراويين بمختلف الوسائل بما فيها الديبلوماسية حيث أصبحت (الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية) عضوا كامل الحقوق بمنظمة الوحدة الإفريقية بعدما اعترفت بها أغلبية بلدان القارة, وكانت الجزائر وقتها من أهم أقطاب القارة الإفريقية سياسيا وديبلوماسيا إن لم نقل أقواها, وهذا أدى بالمغرب الى تجميد عضويته بها منذ مطلع الثمانينيات. ولقد كادت هذه المسألة الشائكة أن تنسف المنظمة الإفريقية عام 1998م في دورتها على مستوى القمة بواجادوجو عاصمة بركينا فاسو, حين طرحت بعض البلدان الإفريقية الفرنكوفونية وفي مقدمتها ساحل العاج والسنغال وبوركينا فاسو وغينيا مسألة إعادة النظر في عضوية الصحراء الغربية واسترجاع المملكة المغربية عضويتها, وجرى صراع كبير حسمته جنوب افريقيا وزيمبابوي و ناميبيا وبلدان أنجلوسكسونية أخرى بتأكيد مساندتها لعضوية الصحراء وإبقاء مجال العودة مفتوحا في أي وقت للمغرب. وأكثر من ذلك تقرر في نفس المؤتمر ان تحتضن الجزائر المؤتمر المقبل للمنظمة وتترأسها وقد اعتبر المتتبعون وقتها ذلك الحدث (مباراة ديبلوماسية) جرت بين المغرب الذي تدعمه فرنسا والدول التابعة لها بإفريقيا من جهة والجزائر المدعومة من البلدان المنبثقة عن حركات التحرر الوطني الجذرية التي كانت حليفا لها منذ عقود لاسيما ناميبا وزيمبابوي وأنجولا وجنوب افريقيا ذات التأثير على معظم أقطار القارة, من جهة أخرى, ولا يستبعد ان تكون أطراف من خارج إفريقيا تدعم هذا الموقف بشكل من الأشكال. سياسة مرنة والحال أن هذه (المباراة الديبلوماسية), وإن كانت وقتها قد زرعت الشك الى حد الإحساس بأن الخطر يحوم حول وحدة المنظمة, فإنها كرست موقع الجزائر كقوة اقتراح ووساطة يدعوها وزنها ونفوذها الى العمل أكثر من غيرها لإيجاد مخارج للمعضلات التي تاهت وسطها القارة بكاملها ومن بينها معضلة الصحراء الغربية. ويكون هذا الدور أهم العوامل التي دفعت نخبة الجزائر حاليا الى اعتماد سياسة أكثر مرونة بصدد المشكل الصحراوي, قد تصل الى حد الانضمام الى موقف يدعو الى ايجاد حل خارج اتفاقيات هوستن الموقعة بين المغرب والبوليساريو بإشراف الولايات المتحدة الأمريكية, التي اتفق بموجبها الطرفان على تنظيم استفتاء تقرير المصير بالإقليم. ولقد أفرزت الاتفاقيات المذكورة جملة من المشاكل الإجرائية التي توقفت عندها اجتهادات الطرفين المتنازعين والأطراف المشرفة والملاحظة بما فيها منظمة الأمم المتحدة التي عجزت تماما على تنفيذ مسار التسوية, حتى أن كوفي عنان هدد في أكثر من مناسبة بالتخلي عن استمرار نشاط (لجنة الأمم المتحدة المكلفة بمتابعة مسار تقرير المصير في الصحراء الغربية) المرابطة بالمنطقة منذ سنوات. وهذا الوضع المعقد دفع الى البحث عن اقصر طريق للتسوية وقد يكون (الاختيار الثالث) القاضي بمنح الإقليم حكما ذاتيا وبسلطات واسعة في إطار المملكة المغربية هو الحل الأمثل في غياب بديل ممكن. ومع مرور الزمن وتراكم التعقيدات الإدارية والعجز الأممي المزمن في هذا المقام سيجد حتى أكثر المتفائلين بإمكانية الاستقلال التام للصحراء الغربية أنفسهم أطرافا في البحث عن الحل الوسط. ولاشك أن من ببين هؤلاء الجزائر التي ظلت لعقود كاملة المؤيد الرئيسي لنهج الاستقلال والولايات المتحدة راعية اتفاقيات هوستن لتقرير المصير. ويبرر موقف كل منهما موقف الآخر في البحث المشترك عن صيغة جديدة لإنهاء النزاع كونهما تورطتا في مسار التسوية المبنية على تقرير المصير بالشكل المعروف تقليديا, وهو الاستفتاء. وموقف الجزائر فيما يخص التسوية والصيغة التي تتم بها حاسم كونه يؤثر بشكل أو بآخر ليس على قيادة البوليساريو فحسب بل وعلى مواقف الدول الإفريقية التي ناصرت حتى الآن مبدأ تقرير المصير وعلى مواقف البلدان والمنظمات الأوربية المساندة لتحرير الصحراء, كما أن الولايات المتحدة إن تبنت (الاختيار الثالث) تكون قد أرضت جميع الأطراف وأعطت لنفسها دورا كبيرا في شمال افريقيا الذي انفردت به حتى الآن فرنسا. ويشترك البلدان ــ الجزائر والولايات المتحدة ــ في كونهما يسعيان لتطوير التعاون الأمريكي ــ المغاربي لاسيما بعد عرض الولايات المتحدة ما أصبح يسمى (مبادرة ايزنستات) للشراكة الأمريكية ــ المغاربية. وتتعلق المبادرة هذه ببناء أسس شراكة قوية بين ثلاثة بلدان مغاربية هي المغرب والجزائر وتونس من جهة والولايات المتحدة الأمريكية من جهة ثانية, وهي مبنية على إقامة مشاريع تتكامل فيها اقتصاديات البلدان المغاربية ويلعب فيها القطاع الخاص دورا أساسيا يؤهله لقيادة التحولات المقبلة. وقد تنضم ليبيا آليا للمبادرة عند إنهاء ملف لوكيربي. وعندئذ تصبح مسألة إقامة الحدود بين الصحراء الغربية والمملكة المغربية أمرا ثانويا بالقياس الى الانتعاش العام الذي يحتم التكتل والتكامل. ولا يختلف اثنان في أن تحول الذهنيات في ظل هذا المسعى الكبير يقلص النزعة القطرية وإن في الأمد البعيد ويفسح المجال أمام البرجماتية التي تفضل فيدرالية مغربية صحراوية متطورة على دولتين منفصلتين متخلفتين, بل وتصبح الحدود بين مختلف البلدان المغاربية مسألة شكلية لا غير. ذلك أن انطلاق مشروع تحول كبير في المنطقة سواء تعلق الأمر بمبادرة (إيزنستات) أو بتكثيف التعاون والاندماج مع الاتحاد الأوروبي يستدعي استقرارا بالمنطقة من غير الممكن تصوره بعيدا عن الاجتهاد لحل مشكل الصحراء.