كيف واجه المعماريون أكبر تحديات العالم ، هرم خوفو شيد بوضع كتلة صخرية كل دقيقتين في الفصل الثاني من كتابنا هذا يطلق المؤلف على نهر النيل وصفا خفيف الظل, إذ يقول انه (نهر حسن السير والسلوك) فهو يتدفق من افريقيا بسرعة تتصف بالجلال ولكن بالثبات أيضا إذ تبلغ سرعته ثلاثة أميال في الساعة. وفي كل تسعة أيام من عشرة تهب رياح مساوية في السرعة آتية من البحر الأبيض المتوسط, الأمر الذي يزيد من متعة الرحلات النيلية بالمراكب المسماة بالفلايك, والتي تستأجر بالساعة من مواقعها على كورنيش النيل. ولكن الرياح تتغير أحيانا وخاصة في شهر ابريل إذ تهب من الشرق إلى الغرب حاملة رمال الصحراء إلى المدينة. ولقد ظلت ضاحية الخليفة على مدى أربعة عشر قرنا تمثل نقطة التقاء المدينة بالصحراء, وهي تقع بين جدران القلعة العالية وجبل المقطم الذي يرتفع 650 قدما, والذي يعتبر صخرة صحراوية تسد الوادي من الشرق. وقد أخذ المؤلف يتأمل ثلاثة رجال وهم يقطعون الحجارة من ذلك الجبل, وقد جعله هذا المنظر يعود بالذاكرة إلى أصداء قديمة بعيدة آتية من سنوات بداية نشأة المدينة وأخذ عقله يتساءل: كم من ملايين السنين شهدت رجال مثل هؤلاء الثلاثة وهم يقومون بالحركات ذاتها والعمل نفسه؟! لقد بدأ تقطيع الحجارة منذ خمسة آلاف سنة, بعد أن أقام الملك مينا موحد القطرين مدينة منف عبر النهر من المكان الذي كان يقف عليه المؤلف وهو موضع القلعة بالقرب من المقطم. وبعد أربعة قرون في عهد الأسرة الثالثة أصبحت حجارة هذه الصخور المادة المختارة للبناء, وعندما كان المصريون يريدون بناء شيء كي يدوم, كان لابد من استخدام الحجارة, أما المادة الأولية الأخرى المتاحة, وهي طمي النيل, فقد كانت تستخدم في صناعة قوالب الطوب اللبن وربما كان ذلك هو السبب في اندثار المدن المبكرة, أسلاف مدينة القاهرة, فقد أدت الأمطار وفيضان النيل إلى اكتساح هذه القوالب في منف وهليوبوليس, ولكن الذي صمد للزمن هو ما كان المصريون القدماء يسمونه قلاع الخلود, أي مدافن الملوك والنبلاء. اختراع الخلود لقد اعتبر أهل منف ان البناء الحجري اختراع يرقى إلى أهمية اختراع الكتابة, وبلغ اهتمامهم بذلك انهم حولوا أول بناء بالحجارة, وهو امحوتب الوزير في الأسرة الثالثة, إلى شخصية تستحق التقديس. وينسب نقش اكتشف في سقارة قائمة بالألقاب إلى امحوتي, منها مستشار ملك مصر السفلى, التالي لملك مصر العليا, مدير القصر العظيم, المولى الوارث, كاهن هليوبوليس الأعظم, البناء, النحات ـ غير ان دليل عبقرية امحوتب لم يكن مجرد نقش على الحجارة, ولكنه تمثل في الخلود نفسه, إذ كان هو الرجل الذي بنى الهرم الأول. وقبل امحوتب كانت أكبر قبور الفراعنة تتصف بالضخامة, وتشبه الغرف المحصنة تحت الأرض, ولكنها كانت مبنية بقوالب الطوب اللبن, ولكن الملك زوسر طلب بناء شيء أكثر راحة لحياته الأخرى, وقد أراد بناء نصب لا يتمتع بالخلود فحسب بل ويعلو أيضا على منف, ويمثل عظمة ملكه. وقد تفتقت عبقرية امحوتب عن بناء نصب يرتفع إلى مئتي قدم, ويرمز إلى عبادة رع رمز الشمس. وكان هرم زوسر المدرج يمثل سلما لفرعون كي يصعد إلى السماء وصورة ضخمة لأشعة الشمس وهي تنتشر على الأفق. أما الملك خوفو فقد اختار موقعا أفضل لمدفنه, وكان هرمه على هضبة الجيزة هو الأكبر والأكمل وأعظم دليل على عظمة بلاط منف. ويتصور المؤلف مدى الذعر الذي أحس به البناؤون عندما عرفوا مواصفات بناء الهرم المذكور, وهي القيام برص 2.3 مليون كتلة حجرية فوق بعضها تزن الواحدة منها في المتوسط 2.5 طن, والارتفاع بالبناء إلى 480 قدما على قاعدة مساحتها 13 فدانا, بحيث يكون شكله المربع ومستواه بالغ الدقة, ويجب أن تكون الجوانب مائلة بانحدار دقيق بدرجة مقدارها 52ً 51ْ نحو نقطة مركزية محددة. وقال خوفو: ادفنوني داخله, واجعلوا زوار هضبة الجيزة يبدون اعجابهم بقوتنا ومهارتنا وثقتنا في آلهتنا إلى نهاية الزمن. ودعوهم يتعجبون كيف بني هذا الهرم العظيم! ومازال العجب قائما حتى الآن ولم يستطع أي مهندس حديث أن يقدم دليلا يشرح لنا كيف تأتى لإنسان أن يبني جبلا كهذا في ثلاثين عاما, هي عهد خوفو, أي ان البناء تم بوضع كتلة صخرية هائلة واحدة في مكانها كل دقيقتين, ناهيك عن ان سبعة عشر هرما أخرى من أحجام متنوعة قد تم بناؤها خلال عهد الأسرة الرابعة. ويرى بعض علماء المصريات ان حجم المشروع كان هائلا وكان حشد الرجال والمواد يمثل تحديا كبيرا, كما يرون ان بناء هرم خوفو لابد وانه أدى إلى تقوية البيروقراطية المركزية إلى حد كبير, مما جعل مصر أقوى دول العالم القديم بناء. وإذا قفزنا ألف سنة إلى الأمام سوف نجد ان روما قد سقطت, وأخذت أوروبا تتخبط في عصور الظلام, وطوى النسيان منف, ولكن ظلت المعابد تبنى في مدينة القاهرة القوية, واستمر البناء بكتل الحجارة من جبل المقطم, وسار البناء على المنوال نفسه عند بناء جدران وأبراج القلعة وكذلك المدافن الفخمة لحكام مصر المسلمين والشخصيات المهمة. وقفزة أخرى للأمام تحملنا إلى الوقت الحاضر ... وإذا أمعنت النظر لرأيت غبار انفجار ديناميت على البعد, فإذا تتبعت خط حافة جبل المقطم لمسافة خمسة عشر ميلا إلى الجنوب, وجدت سحابة بيضاء تصعد إلى السماء في مكان يسمى (طرة). وسحب الدخان هذه تخرج من المصانع التي تلتهم الحجارة القديمة نفسها وتطحنها لتحولها إلى أسمنت بورتلاند, قاذفة نحو مليون طن من غبار هذا المنتج إلى الجو كل عام تكفي لتلويث الضاحية المحيطة كلها بغبار بركاني. ويقول المؤلف ان القاهرة تبنى فيها مبان ومنشآت عديدة بهذا الاسمنت, ويضيف قوله: (ان آخر قبر هرمي في القاهرة هو في الواقع مجرد اطار للهرم يقف على أربعة قوائم حفرت عليها بخط كوفي أسماء الشهداء من الجنود المصريين. وقد بني هذا القبر الهرمي عام 1980 لتخليد الجندي المجهول. وهذا المبنى هو ضريح الرئيس المصري الراحل أنور السادات. مدينة الموتى الأحياء وعندما وصل العرب في عام 640 ميلادية تحت راية الإسلام لم تكن منف تزيد عن كونها شبحا لمدينة هي عبارة عن ثكنة عسكرية على الضفة المقابلة للنهر. وكانت بابيلون مقر أبرشية مهمة, كما ان سقوط بابيلون بعد حصار دام سبعة أشهر كان سقوطا لمصر المسيحية. وخارج أسوار القلعة الرومانية أقام العرب عاصمتهم وقيل ان قائدهم عمرو بن العاص كان يفضل الاسكندرية ولكن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يدرك جيدا الأهمية الاستراتيجية لموقع مدينة القاهرة. وأطلق الفاتحون على المدينة الجديدة اسم الفسطاط, وسرعان ما طوى النسيان مدينة منف. وفي الفصل الثالث من كتابه يسهب المؤلف في وصف منطقة المدافن المعروفة الواقعة في بطن جبل المقطم ويستشهد ببعض ما قاله ابن بطوطة بشأن المدافن في تلك المنطقة, ولكنه لا ينسى قبل ذلك أن يلوم الرحالة العربي على عدم اهتمامه بأهرامات الجيزة إلى درجة انه أخطأ في وصف القاعدة التي تقف عليها وأصر على انها مستديرة وان الأهرام تبدو مثل الكوز مخروطي الشكل. وعلى الرغم من ان ابن بطوطة زار القاهرة خمس مرات الا انه لم يهتم بعبور النيل والاقتراب من تلك الأهرامات. ثم يقتبس المؤلف بعض ما قاله ابن بطوطة بشأن المدافن ومنها انها تشغل منطقة واسعة وان الناس تبني فيها غرفا وتستأجر مقرئين لقراءة القرآن ليلا ونهارا بأصوات جميلة, وبعضهم قد يبني مسجدا أو مدرسة بجوار مدفن الأسرة. وهم يذهبون إلى المدافن مساء كل يوم خميس ويقضون الليل هناك مع أطفالهم ونسائهم, ويقول ابن بطوطة أيضا ان تلك الجبانة تضم عددا لا يحصى من قبور رجال بارزين في العلم والعقيدة, وفيها يرقد عدد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن شخصيات بارزة من أجيال سابقة ولاحقة. ويمضي ماكس رودنبك نفسه في وصف المنطقة بعد أن يتوغل داخلها فيلاحظ انها أصبحت منطقة منظمة تشقها شوارع مستقيمة تكتسب جلالا بوجود مدافن العائلات, وخلف بوابات من الحديد المشغول ترى بنايات ذات طابق واحد أشبه بالبيوت, وتلوح هنا وهناك بعض القباب التي تنبئ بوجود مدفن لشخصية مهمة مثل الصوفي الباطني ذي النون المصري (في القرن التاسع) أو المغنية الكبيرة أم كلثوم (في القرن العشرين). وقد بنيت المدافن القديمة بالحجارة, أما تلك الأحدث فقد بنيت بقوالب الحجارة الوردية الأنيقة التي تنبئ عن الحرص على الفخامة التي لا يقدر عليها إلا أثرياء القاهرة. ولا يدري أحد بالضبط كم من البشر يسكنون القبور, وتتراوح التقديرات بين 50 ألف نسمة وعشرة أضعاف هذا الرقم. ومثلما كان الحال في مدافن منف القديمة, فإن سكان مدينة الموتى في القاهرة كثيرو التنقل, ويعيش فيها بعض الحراس الموظفين لحمايتها هم وعائلاتهم منذ أجيال. وهناك آخرون دفعهم الفقر منذ عهد قريب إلى سكنى المقابر. وبعد أن يتحدث المؤلف عن بعض أضرحة أولياء الله الصالحين وبشكل خاص ضريح الإمام الشافعي ويبدو انه أيضا شهد الاحتفال بمولده في حي الخليفة ــ يحكي رودنبك مشاهداته في حي الحسين رضي الله عنه, وفي رأيه ان ضريح الحسين هو أكثر الأماكن الأخرى شعبية لانه ضريح حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويتعرض المؤلف للآراء المختلفة التي تتردد حول جثمان الحسين بعد استشهاده إذ يقال انه دفن في العراق, ويقال أيضا ان رأس الشهيد فقط هي التي دفنت في مصر بعد أن انتقلت إلى دمشق ثم إلى عسقلان في فلسطين, وظلت بها حتى عام 1153 حين هربت إلى القاهرة لانقاذها من أيدي الصليبيين. وبغض النظر عن هذا الخلاف يظل ضريح الحسين في القاهرة أكثر المزارات إجلالا, ففيه نرى على شاشة التلفزيون السياسيين وهم يؤدون الصلاة, وفي هذا الموقع يتجمع نحو مليون شخص مرة كل عام ولمدة أسبوع وكل ليلة للاحتفال بذكرى الحسين. ومع افتتان أهل القاهرة بالأضرحة في العصور الوسطى وجد الحكام الذين لا يتمتعون بشعبية ان من مصلحتهم ان يشتروا ولاء الناس عن طريق تزيين الأضرحة المشهورة, فمثلا تم ترميم ضريح الإمام الشافعي سبع مرات, غير ان السلاطين الأكثر طموحا خطوا خطوة أبعد فبدأوا في بناء أضرحة لأنفسهم. وساعد على هذه الفكرة النفوذ الأجنبي. ومنذ القرن الحادي عشر فصاعدا اندفع الأتراك إلى العالم الإسلامي منضمين بذلك إلى الفيض الدافن لشعوب من سهول آسيا الوسطى, الذي جاء بشعب الهون إلى نهر الدانوب, والتتار إلى الدون, والمنغوليون إلى أبواب دمشق. وفي مصر حمل الأتراك معهم عادتهم في دفن رؤسائهم في مدافن جميلة. وسرعان ما اقتنص معماريو القاهرة رغبة السادة الأتراك لتصميم لمسات مؤثرة, وتطورت تصميماتهم فشملت التأكيد على السمت الرأسي واللوحات المتدرجة والمداخل الضخمة والأحجار المخططة, وكل ذلك يشد البصر إلى الأعلى حيث تنتصب أعلى المنارات. وأدى تزايد كثافة سكان المدينة إلى تزايد خبرة بنائيها التي أبرزتها واجهات المباني الرائعة المطلة على شوارع المدينة. ولم تكن أناقة المباني وحدها هي ما دفع المماليك إلى بناء أضرحة مرتفعة, بل كان الموت المفاجئ شاسعا بين النخبة الحاكمة من المماليك الذين كانوا عبيدا سابقا. ومن بين 53 حاكما مملوكيا بين عامي 1257 و1517 قتل منهم أو أغتيل أو أعدم 19 مملوكا. ومات عشرة فقط في مقارهم لأسباب طبيعية, وعزل الباقون. وفي النظام المملوكي كان السلطان يمنح قادته اقطاعيات مقابل احتفاظهم بجيوش خاصة لحماية حكمه مما أدى إلى تركيز ثروات البلاد في أيدي عدد قليل من الأمراء في كل من مصر وسوريا وساحل شبه الجزيرة العربية الجنوبي. ولما كانت ممتلكاتهم تعود إلى الدولة بعد وفاتهم فقد شجع ذلك هؤلاء القادة على الانفاق وتبديد الأموال ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. ومن ثم استجابوا لاغراء بناء المدافن الكبيرة على أمل أن ينسى أهل القاهرة ذات يوم فسادهم وغدرهم وأن تتحول مدافنهم إلى أضرحة مقدسة. الجنون يجتاح المدينة كان هناك أيضا سبب آخر وراء انتشار موجة جنون بناء المدافن في عصر القاهرة الوسيط, وان كان ذلك السبب مبررا يدعو إلى الكآبة ويدفع الناس إلى البحث عن العزاء وسكينة النفس بأداء الصلوات في الجبانات. وكان ذلك بعد أن حل غضب السماء على القاهرة وفتكت المجاعات والأوبئة بأهلها عدة مرات. وتمددت مساحة الجبانات في موجات متلاحقة. كذلك جعلت نزوات الطبيعة مسألة مستوى مياه نهر النيل مثارا لقلق الجمهور العميق. وقد أقام حكام مصر الأوائل مقياس النيل وعندما يحين موعد الفيضان في نهاية الصيف ينطلق المنادون في المدينة ليعلنوا قراءة مقايس نهر النيل لذلك اليوم. وكان أصحاب المحلات يجزلون لهم العطاء نظرا لان مستوى النهر كان يؤثر على الأسعار وعلى تقديرات الضرائب. وعندما يصل المستوى إلى 16 ذراعا تطمئن الحكومة إلى ان المحصول سوف يكون وفيرا وان الخزائن سوف تمتلئ بالأموال. ولكن تبدأ المشكلات عندما يرتفع مستوى النهر أو ينخفض. حدث ذلك مرارا بين القرنين العاشر والرابع عشر مع نتائج مروعة. وكان التوتر الذي يصيب الناس من حالة النيل مخيفا إلى درجة ان مواطنا كان يمشي إلى جانبه متوجسا فرأى النحوي العربي ابن النحاس وهو يتمشى بحذاء ضفة النهر وهو يتمتم لنفسه بكلمات, فظن الرجل انه ساحر يؤثر بسحره على النيل فدفع به إلى الماء وأغرقه. وكان ذلك عام 950 ميلادية. وعندما ضرب الجفاف مصر في عام 967م كانت الفوضى الناشئة عنه سببا في سهولة غزو الفاطميين لمصر. وينقل المؤلف صورة مأساوية مفجعة لما حدث آنذاك نقلا عن المؤرخ العربي المقريزي وعن الطبيب العربي عبداللطيف البغدادي الذي تصادف وجوده في مصر وقت المجاعة. وقد اضطر الخليفة المستنصر إلى بيع كل الأشياء الثمينة التي كان يمتلكها من الفراش والخيول وحتى السلاح وكل ما يمكن حمله, وكان ينام على حصيرة فرشت على أرض غرفة عرشه. واضطر الناس تحت ضغط المجاعة إلى أن يأكلوا أي شيء ... الكلاب والحيوانات الأخرى, وحتى لحوم البشر. ويقول البغدادي ان عدد موتى المجاعة التي استمرت سنتين بلغ 110 آلاف شخص, وهو العدد المسجل للموتى الذين دفنوا بطريقة لائقة, ولكن البغدادي يظن ان العدد الحقيقي يتجاوز هذا الرقم بكثير. وكان الناس يحملون في القاهرة بين 100 و500 جثة يوميا, أما في الفسطاط فقد كانت الأعداد لا حصر لها, وفي النهاية لم يجد أحد من الناس من يقوم بدفن الموتى الذين ظلت جثثهم في الأسواق أو مرمية بين البيوت والدكاكين. ولا يملك أي مصري مخلص إلا أن يهدي هذه الصورة البشعة إلى أولئك الذين خانوا ضمائرهم بالهجوم الظالم على مشروع السد العالي وبحيرة ناصر بعد قرون من جفاف النيل, ورغم انه حمى مصر وأهلها من نزوات نهر النيل. وما لبثت القاهرة ان أفاقت من تلك الكارثة وعادت إلى الازدهار من جديد. غير ان القدر كان لها بالمرصاد ففي عام 1347 جاء إلى البلاد عدد من تجار العبيد من البحر الأسود يحملون معهم (الموت الأسود). وكان الطاعون قد هاجم معظم بلاد العالم المعروف آنذاك ولكنه لم يهاجم مكانا بقسوة ووحشية مثلما فعل في القاهرة. وفي نهاية هذا الفصل الكئيب من الكتاب والذي حمل اسم (مدينة الموتى) يقول المؤلف ان القاهرة الحديثة لحسن الحظ لم تعد تعرف المجاعة أو الطاعون. ومع ذلك فإن أهلها يهتمون بطقوس الموت اهتماما كبيرا, ويتجمع في جنازات المشاهير آلاف المشيعين, فعندما توفي الزعيم العربي جمال عبدالناصر (الذي يصفه المؤلف بأنه آخر أعظم الفراعنة) خرجت الملايين لتشيع جثمانه الى مثواه الأخير. ولسنا نرى هنا وجها للمقارنة الساذجة التي يعقدها المؤلف عن الاهتمام بطقوس الموت في مثل هذا الحدث الجلل ذلك لان خروج الملايين إلى شوارع القاهرة وغيرها من العواصم العربية كان تعبيرا تلقائيا عن الحزن الحقيقي والفجيعة الكبيرة في موت زعيم عربي عظيم.