بالنسبة لمدمني السياسة ومشاهدة التلفزيون, تعد الانتخابات الرئاسية الامريكية مفاجأة سارة هبطت عليهم من حيث لا يعلمون. فلساعات طوال كل يوم, يتابع مشاهدو التلفزيون الامريكيون دراما سياسية مستمرة بلا توقف تدور معظم أحداثها في قاعات المحاكم بولاية فلوريدا التي تسمح قوانينها بدخول كاميرات التلفزيون لقاعات المحاكم. وهم يشاهدون بفضل ذلك أفضل عقول البلاد القانونية وهي تتصارع مع بعضها البعض. من بين هذه الشخصيات القانونية البارزة ديفيد بويز الذي يعمل لحساب الديمقراطيين في هذه القضية والذي اشتهر اسمه مؤخرا بعد آخر قضاياه الكبيرة وهي التي تصدى فيها لاحتكار شركة مايكروسوفت لبرمجيات الكمبيوتر. ولساعات طويلة يقف بويز وغيره ليتجادلوا حول شكل ومعنى الثقوب الموجودة في بطاقات الاقتراع. بيد أن الامر لا يقتصر على مدمني السياسة والتلفزيون, فقد سقط الامريكي العادي في فخ المتابعة المتواصلة تماشيا مع ولع الامريكيين بالديمقراطية الصاخبة وعشقهم للقانون. وأحيانا لا يتيح حظ المشاهدين لهم سوى متابعة تسجيلات لجلسات الاستماع في المحكمة, مثلما حدث الجمعة الماضي مع المحكمة الامريكية العليا في واشنطن التي سمع المشاهدون فيها أصوات المشتركين الحية مع عرض ثابت للقطات مصورة لهم. ووصفت صحيفة (واشنطن بوست) هذا العرض بالقول (لم يكن بثا تلفزيونيا مبهرا بالمعنى المفهوم). وركز المعسكر الديمقراطي أثناء الجلسة على أن مبدأ هاما أصبح في الميزان: هل كل الاصوات متساوية؟ فأنصار المرشح الجمهوري جورج بوش يؤيدون الفكرة الهدامة القائلة بأن (بعض الاصوات أكثر مساواة من البعض الاخر). وفي بعض اللحظات, يبدو ما يحدث داخل تلك القاعات وكأنه مسلسل تلفزيوني مطول زاخر بالتفاصيل الشخصية الدقيقة. وكأن القضية تدور حول الحياة الداخلية لآلة التصويت لا كيفية الوفاء بالمهمة الضخمة الملقاة على عاتق الاطراف المختلفة والمتمثلة في اختيار الرئيس المقبل للقوة العظمى في العالم اليوم. وكانت نتيجة هذا التطويل غير المبرر أن فقد القاضي ساندرز سول صبره بسبب شهادة غير واضحة أدلى بها بعض الشهود وقال له (من فضلك أجب فقط بنعم أو لا), كان الشاهد قد تحدث بإسهاب عما إذا كانت اللوحة المطاطية التحتية في آلات التصويت تميل إلى التصلب في الجزء الاوسط أو الايسر أو الايمن بفعل الاستخدام الزائد. د.ب.ا
