في قصة حدثت قبل زمن بعيد لامبراطورية اخرى ليست بعظمة امبراطورية هوليوود, وفقاً للمؤرخ جيبون انتصر الامبراطور الروماني قسطنطين في إحدى معاركه ضد بعض الهمجيين من ذوي الحظ العاثر, وأراد أن يبني له قوس، نصر يخلّد ذلك الانتصار. وأخبره مستشاروه الامبراطوريون انه لسوء الطالع لا يمكن بناء قوس يحمل تماثيل منقوشة تمثل معركته المظفّرة لعدم بقاء فنانين في الامبراطورية على قيد الحياة لديهم المهارة الكافية لنقش التماثيل المطلوبة. فكرّ الامبراطور قسطنطين لبعض الوقت ثم قال: (حسناً, أزيلوا النقوش عن بعض الأقواس الاخرى وضعوها على قوسي). هكذا سيكون الحال في هوليوود في العام المقبل. هناك حشد من المشكلات, لكن أسوأ المشكلات وأكثرها دفعاً الى اليأس هي أن هوليوود لم تعد لديها تلك الموهبة والقدرة على صنع أفلام سينمائية عظيمة. وعندما يرى المرء فيلماً مثل (الجمال الامريكي) ويدرك تفاهته الصرفة وانعدام صلته بالواقع ولغته الطنانة, لا يسعه إلاّ ان يصرخ مطالبا بهوليوود التي اعتادت على صنع افلام كان لديها هدف تقوله. لكن (الجمال الامريكي) كان من أبرز الافلام التي فازت بجوائز الاوسكار. ولاولئك الذين يريدون ان يشعروا بالرثاء لما آلت إليه هوليوود, فليستعيروا (اتفاقية جنتلمان) مع جريجوري بيك, وهي قصة تعود الى ما قبل الخمسينيات حول المعاداة الامريكية للساقية, ويقارنوها بفيلم (الجمال الامريكي) أو فليشاهدوا حول الموضوع نفسه المتعلق بتفاهة ساكني الضواحي الفيلم الخالد (تمرد بدون سبب) وفي الواقع أنك ستكون مندهشا من القوة الظالمة من جهة ومن الترهل المشؤوم من جهة اخرى. وما لم يكن المرء يرى حمية دائمة من طعام هوليوود, فإن من الصعب منهم مدى القرب الذي وصلت اليه هوليوود من قعر البرميل من الناحية الابداعية والدرامية والاخلاقية جرّب مشاهدة فيلم كوميدي للشباب يدعى (جرذان مركز للتسوق) الذي يتحدث عن خاسرين يقومون بأعمال مشينة في أحد مراكز التسوق ثم يصافحوا الاشخاص الناضجين في المركز. وهذا يعد من ابرز الافلام التي اطلقتها هوليوود. أو شاهد فيلم (رحلة في الطريق) الذي تعد فيه فتاة شابة بطلة لإطلاقها تهديداً كاذباً بوجود قنبلة لمساعدة حبيبها في عدم تفويت امتحان تأخر عنه. وفي الفيلم نفسه, يقال لنا إن الطريقة التي يحصل بها الولد الابيض على أول تجربة عاطفية له هي في العثور على فتاة سوداء مستعدة لهذه العلاقة وان الطريقة التي تجعل والديك يكرهانك الى الابد هي ان تجلب الى البيت فتاة سوداء وتقول لوالديك انكما مخطوبان. هل يلفت هذا النظر الى تظاهر هوليوود بالتفوق الاخلاقي وخاصة فيما يتعلق بالقضايا العنصرية؟ إن هذا الأمر لا يهم, فالفيلم جنى ارباحاً مالية, وكان مضحكا بعض الشيء, وإذا كانت الافلام القوية والعظيمة لحرب النجوم تعرض السود بصورة فيها امتهان لكرامتهم, فكيف يمكن توجيه اللوم لفيلم كوميدي صغير للشباب؟ سيكون من السهل القول ان انتاج هوليوود كان على الدوام متحيزاً. ولكننا قد نصل الى مرحلة لن يكون فيها بشكل اساسي افلام جديدة للكبار أو للبالغين الشباب العنصريين. فهناك أفلام فاحشة للصغار, وافلام تظاهرية تافهة للكبار وأفلام رعب تظهر مدى المتعة المتحصلة من القتل. ان مستقبل صناعة الترفيه ماثل في غرفة إبني (تومي) البالغ من العمر 13 عاما. فلديه تلفزيون يعرض المصارعة والاعمال الكوميدية. غير أن ما يشد انتباهه هو لعبة فيديو معقدة يلعبها على شبكة الانترنت تدعى (ايفركويست) ولم يعد تومي ستين يرغب بالذهاب لمشاهدة الافلام السينمائية فهو يحصل على ضالته من شاشة كمبيوتره. وكما يتجه تومي تتجه الامة بأسرها. فالاقبال على شباك التذاكر ينخفض على نحو ينذر بالكارثة. وسلاسل دور السينما بدأت تعلن إفلاسها. وبات تومي وأقرانه لايفارقون شبكة الانترنت. وعلى نحو يائس, تبحث الاستوديوهات السينمائية عن افلام اكثر عنفا للتنافس مع (ايفركويست) لكن الكونجرس يلاحقها لردعها عن ذلك. وبصرف النظر عن مدى العنف والتفاهة الذي تصل اليه الافلام, فانها ليست تفاعلية فما الذي ستفعله الاستوديوهات عندما تفقد معملها الاخير من الاطفال المستهلكين فمن هم في عمر تومي لصالح الكمبيوتر؟ فهي قد فقدت منذ زمن بعيد الآباء والاجداد, والأخوة الاكبر لأقران تومي مبتعدون عنها تدريجيا. هل بمقدور اي كان ان يتذكر تلك الايام عندما كانت العائلة بأكملها تذهب لمشاهدة افلام المغامرات الكبيرة مثل (هاي نون) أو فيلم (حرب النجوم) الاصلي أو الافلام البريطانية الكوميدية العظيمة؟ كم عدد المرات التي ترى فيها اسرة في المسرح هذه الايام؟ تواجه هوليوود حشداً هائلا من التحديات يصل الى ما هو ابعد من انهيارها الفني. فهنالك برامج حاسوبية ستتوفر قريبا على نطاق واسع تتيح للاشخاص شراء جهاز DVD ومن ثم ارساله الى اصدقائهم الذين يمكنهم بدورهم ارساله الى اصدقائهم حتى لا يبقى شخص مضطر لان يدفع ثمن DVD في المحل. ان القرصنة موجودة في كل مكان وغير خاضعة للسيطرة. وهناك مشكلة التكاليف الازلية.. فقبل خمس وعشرين عاما, كان الفيلم السينمائي يكلف عشرة ملايين دولار لانتاجه, وبضعة ملايين اخرى لتسويقه. اما الآن, فان الدارج هو ان تكلف الافلام 100 مليون دولار للانتاج والتسويق, ومع ذلك قلة قليلة فقط من تلك الافلام هي التي تصمد في صالات العرض لأكثر من اسبوع. ان عجز هوليوود عن السيطرة على التكاليف لا يمكن ان يستمر الى الابد في عالم يشهد انخفاضا في الاقبال على شباك التذاكر. لكن اصل جميع مشكلات هوليوود السينمائية يكمن في ان هوليوود لم تعد تستطيع ان تصنع فيلما جيداً, إلا بالكاد. قد يتغير هذا الوضع اذا ما سمح للغرباء من ايستون وميريلاند أو مونسي وانديانا بالدخول الى دوائر هوليوود بدلا من الاستيعاب الاعتيادي من نيويورك وابناء المتنفذين في هوليوود. ولكن في الوقت الراهن, فان الوضع لا يظهر سوى امل ضئيل بالتحسن, وقد يشهد عام 2001 ازمة مع اضراب الممثلين ضد نظام الاستوديوهات الذي يعاني من عدم قدرته على صنع افلام تجد لها جمهورا مقدراً. بقلم: بن شتاين ، ناقد ومقدم برامج أمريكي ، ترجمة: ضرار عمير عن (ايكونوميست)