في مصر كل الطرق تؤدي إلى القاهرة ، نصف السيارات والصناعات المصرية تلقي بثقلها على العاصمة القاهرة ... أم الدنيا ... تاج البرية ... مدينة المدن ... المدينة المحروسة ... وحاضرة الدنيا.. تلك كلها صفات وأسماء أطلقها المؤرخون العرب على هذه المدينة العريقة التي يعود عمرها إلى فجر الحضارة البشرية, ذلك العمر الذي امتد عبر الزمان خمسين ألف عام, وتميزت عن غيرها من العواصم القديمة بصفة الاستمرار, منذ بدأت كعاصمة لمصر تحت اسم (أون) رمزا لوحدة وجهي مصر الجنوبي والشمالي أيام الفراعنة. ومن القاهرة العريقة تلك خرج للبشرية أول تقويم شمسي حدد السنة بثلاثمئة وخمسة وستين يوما وربع اليوم, ومنها أيضا برزت أول دعوة للتوحيد, ومن جامعاتها ــ منذ القدم ــ تخرج أمحتب وأخناتون, وتتلمذ على علمائها وأساتذتها علماء الإغريق وفلاسفتهم. ومن القاهرة, باسمها الإسلامي الذي سبقها, الفسطاط, بدأ نظام التصوف الذي انتشر من مصر إلى شتى أرجاء العالم الإسلامي. والقاهرة تلك, ذات الألف مئذنة, وقلعة صلاح الدين الأيوبي, والتي اتخذ اسمها من اسم النجم (القاهر) والتي كانت عاصمة الفاطميين ليبني فيها الجامع الأزهر, هذه المدينة كانت ولا تزال موضع اهتمام العديد من الكتاب والمؤرخين والسياح الذين تقلبوا عليها على امتداد عمرها الطويل, والذين دبجوا عنها المقالات والبحوث والمؤلفات. وأحدث من كتب عن القاهرة من هؤلاء الكاتب البريطاني ماكس رودنبك, مؤلف هذا الكتاب الماثل بين أيدينا بعنوان (القاهرة ... المدينة المنتصرة) والذي نتناوله بالعرض والمناقشة. وكان المؤلف قد عاش في القاهرة وعايش أهلها, وغاص في حياتها طولا وعرضا على مدى اثنى عشر عاما, ولكنه لم يلبث أن عاد إليها, ليعود فيقع في حبها من جديد, وليخرج منها بهذا الكتاب الذي يجمع بين استكشاف القاهرة الحديثة واستعراض تاريخها العريق. العودة إلى البدايات في الفصل الأول من الكتاب يعود المؤلف إلى (البدايات) وهو العنوان الذي أطلقه على ذلك الفصل, ولكنه قبل أن يغرق في ذلك يروي لنا ان الرحالة العربي ابن بطوطة كان قد خرج من رحلاته العديدة التي قطع خلالها 75 ألف ميل ــ بحكمة تقول: (لا تسافر عبر الطريق نفسه مرتين), ومع ذلك فقد كانت هناك مدينة توقف عندها مالا يقل عن خمس مرات, وكان من الطبيعي أن يحدث ذلك, لانها لم تكن فقط أكبر مدن عصره وأغناها ولا عاصمة أقوى مملكة فحسب, بل كانت أيضا تمثل مفترق أكثر الطرق نشاطا في التجارة والحج من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب. ويقول المؤلف ان القاهرة كانت سرة العالم وقد انبهر بها ابن بطوطة أكثر من أي مدينة أخرى, وقد وصفها بأنها (سيدة الأقاليم الفسيحة والأراضي الخصبة, ولا حدود لوفرة المباني بها, وبأنها فريدة في جمالها وبهائها, ويستظل بظلها المتعلمون والجهال, الجادون والمرحون, الحكماء والحمقى, النبلاء والعامة, وهي تتمتع بالشباب الدائم رغم طول السنين). وعندما وصل ابن بطوطة إلى القاهرة عام 1326 ميلادية كانت القاهرة حقا في قمة ازدهارها وثرائها, وظلت لثلاثة قرون أعظم المدن الإسلامية. غير انها كانت أقدم عمرا من مرحلة ظهور الإسلام. ويعود ماكس رودنبك إلى تاريخ مصر القديمة ويذكرنا بأن العلم ــ بعيدا عن الأساطير ـ يرى ان أول استيطان دائم في القاهرة بدأ بالقرب من نهاية العصر الجليدي الأخير, وان ذلك يعود إلى نحو عشرة آلاف سنة مضت, كما يرى ان الاحترار الكوني كشف عن الأرض المعشوشبة التي كانت تحد وادي النيل ذات يوم, والتي أرسلت ثروتها البرية الغنية من الفيلة والأسود والزراف نحو الأراضي الافريقية. وقد أضعفت النهر وروضت عادته التي تعود إلى عشرة ملايين سنة في شق مجرى أعمق فأعمق في حوضه المكون من طبقات جيرية في فجر الخليقة, ولكن النيل بدلا من ذلك أصبح يفيض مرة واحدة في السنة في أواخر كل صيف, وفي الخريف يخلف طبقة من الطمي الذي حمله من جبال اثيوبيا البركانية. وأدت هذه التغيرات إلى نهاية ثقافة الصيادين التي كانت قد ازدهرت في الصحاري. ودعت الضرورة جوالي العصر الحجري القديم هؤلاء إلى الاستقرار في الوادي إلى الأبد. وقد عثر على نصال من حجر الصوان عمرها مئة وخمسون ألف سنة بالقرب من مدينة أون. وبمرور الزمن تعلموا تسخير الحيوانات لخدمتهم وزراعة المحاصيل, واكتشفوا كيف يصممون أطرزة من الأواني الفخارية وقوالب الطوب لبناء الجدران. ومع تحسن مهارات المصريين التقنية أدى ذلك إلى تراكم الثروة ونشوء مدن أكبر في أماكن أخرى من مصر. وظلت المنطقة التي سوف تكون في المستقبل مدينة القاهرة مجرد قرى متناثرة. عبقرية الحضارة وفي باب آخر من الفصل الأول يرى الكاتب ان توحيد مملكتي مصر الجنوبية والشمالية قد زرع بذور عبقرية الحضارة المصرية كما ان وجود نظم حكومية متطورة تطلب وسائل أكثر تقدما للتسجيل مما أدى إلى اختراع الكتابة, وبذلك بدأ التاريخ نفسه, على حد قول المؤلف. ويجب أن ننظر إلى هذا الرأي ببعض الحذر, إذ ان كثيرا من الكتب التي تناولت تاريخ مصر القديمة يرى ان اختراع الكتابة في مصر ربما يعود إلى تاريخ أبعد من ذلك, ويتفق هذا الرأي مع النظرية التي وضعها أحد مؤتمرات تاريخ المدن الذي انعقد في مدينة فيينا قبل الحرب العالمية الثانية. وترى هذه النظرية ان تحديد تاريخ نشأة أي مدينة يجب أن يعتمد على معالم الحضارة الإنسانية أو حفريات آثار التجمعات الإنسانية في موقع المدينة نفسه. وبناء على هذه النظرية يرى بعض المؤرخين والباحثين في أصل الحضارة المصرية الذين أجروا الحفريات ان أقدم الحفريات في مصر تقع في ثلاث مناطق بالقاهرة, هي حلوان وعين شمس والعباسية, وان عمر العاصمة بناء على هذه الحفريات يبلغ نحو خمسين ألف عام. ويتحدث ماكس رودنبك عن ازدهار العاصمة التي أصبحت منذ حكم الملك مينا العاصمة الإدارية والتجارية لمصر الموحدة وبلغ عدد سكانها في أهم فترات ازدهارها مئة ألف نسمة. وشهدت المدينة أيضا وفرة وتطور الفنون والمهارات الحرفية, مثل بناء السفن وتشكيل المعادن والنحت والبناء. وتجلى ذلك في الأهرام الثلاثة العظيمة والمقابر والمعابر الأخرى التي حفلت بها أقدم المدن التي تذكر الأساطير الفرعونية القديمة انها كانت مدينة الإله الذي خلق أرض مصر القديمة وسميت (جب بتاح) ثم أسماها البابليون هكوبتاح, وسمعتها الأذن اليونانية القديمة إيجبتوس كما يقول هيرودوت, ثم تحولت إلى كلمة Egypt بعد ذلك والذي أصبح اسم الدولة كلها. كذلك أطلق الاغريق اسم هليوبوليس على مدينة أون أول عاصمة لوحدة المملكتين, وقيل ان كهنة هليوبوليس هم الذين وضعوا أول تقويم شمسي في التاريخ. كما قيل أيضا أن سولون وفيثاغورس وأفلاطون وإيودوكسس قد تلقوا تعليمهم في تلك المدينة. ويرى المؤلف ان الطريق من موقع مدينة منف القديمة إلى موقع مدينة هليوبوليس والذي يمتد من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي, يظل المحور المروري الرئيسي لقاهرة القرن العشرين (والحادي والعشرين حاليا). والآن بالطبع فإن السفن الكبيرة والزوارق المصنوعة من خشب الأرز هي التي تذرع مياه النيل جيئة وذهابا لا أوراق البردي. وتعبر القاهرة أعداد من الجسور الكبرى العريضة لا تقل عن عشرة, وبالقرب من هليوبوليس (مصر الجديدة الآن) تنطلق الطائرات النفاثة نحو أكثر المطارات ازدحاما في الشرق الأوسط. ومع صمود القاهرة في وجه عشرات القرون تبقى القاهرة ــ كما يقول المؤلف ــ أعظم مدينة في ذلك الجزء من الكون. وعندما ينتقل المؤلف إلى القاهرة الحديثة يقول ان المباني المرتفعة ليست شيئا جديدا على القاهرة وان مآذن العصر الوسيط السامقة يصل ارتفاعها إلى 250 قدما, وحتى المنازل السكنية التي يعود تاريخها إلى ألف سنة كان بعضها مكونا من سبعة طوابق, وقد يصل ــ وفقا لبعض التقديرات ــ إلى أربعة عشر طابقا. وترتفع ناطحات السحاب الآن بجوار نهر النيل إلى ثلاثة أو أربعة أضعاف ذلك الارتفاع, ويمكن القول انها تصل إلى نفس ارتفاع أعلى الأهرام على الطريق إلى الجيزة. وقد ظلت بانوراما مناظر القاهرة الكلاسيكية هي الشيء الذي يفتن رسامي المناظر الشرقية منذ قرن مضى. وفي الأيام الصافية الخالية من الضباب يبدو منظر القاهرة من ساحة القلعة مذهلا. ومن نفس ذلك المكان كان الحكام على مدى قرون يراقبون المدينة وهي تقبع تحت أقدامهم, وكانوا أحيانا ــ في وقت الاضطرابات ــ يقصفونها بالمدافع لاخضاع من لا يدينون لهم بالولاء. ولكن المشهد يشمل أكثر من بنايات وشوارع مدينة الوقت الحاضر, فهو يضم عبق الزمن نفسه. وعلى البعد نحو الغرب البعيد تبدو الصحراء على خط الأفق والتي تمتد ثلاثة آلاف ميل من هنا حتى المحيط الأطلسي. ولكن هناك على بعد عشرة أميال يبدو شكل هندسي عجيب ... مثلث دقيق الخطوط ... وهو هرم خوفو الأكبر في الجيزة الذي بني عام 2550 قبل الميلاد, وبعيدا عنه إلى اليسار عبر الضواحي الجنوبية تستطيع أن ترى هرم سقارة المدرج القديم الذي يقال انه أقدم بناء صنعه الإنسان في العالم. وعلى امتداد الصحراء ما بين الجيزة وسقارة توجد مقابر قديمة, وتقع بينها أهرامات أصغر حجما. وقد ظلت تلك المنطقة لمدة 2500 سنة تستخدم كجبانة تضم مقابر ملوك منف ونبلائها. وعلى مسافة قريبة تبعد عن القلعة نحو ميلين توجد صفوف طويلة تمتد في العمق من البنايات الشاهقة تحف بنهر النيل عبر المدينة, وتلك هي سلاسل الفنادق, ووزارات الحكومة, والمكاتب والشقق الفاخرة التي تتجمع في قلب المدينة الحديثة. وعندما كانت مدينة منف لا تزال مزدهرة كانت هذه المساحات الغالية من الأرض غارقة تحت المياه ولكن نهر النيل حفر قنوات جديدة له منذ ذلك الزمان وانحسرت مياهه أو اندفعت من اتجاه آخر بفعل تراكم طبقات الطمي, وربما انقسم النهر منذ نحو ألفي عام إلى فرعيه الرئيسيين المحيطين بالدلتا. وإلى عهد قريب من زماننا أغرق النهر كثيرا من هذه الأرض في مواسم الفيضان مما جعلها غير صالحة للبناء عليها. وقد توافق استقرار ضفتي النهر في نهاية القرن التاسع عشر مع خروج القاهرة من عزلة القرون الوسطى, وأدى الازدهار الذي تلاه إلى تحويل ذلك الجزء من المدينة إلى منطقة لطرق العربات والفيللات الأنيقة المبنية على الطراز الايطالي. ولم تلبث المدينة أن تعرضت للتغيير, فقد أخذت الطرق تزدحم وحلت محل الفيللات العمارات السكنية الضخمة على الطراز السائد في القرن العشرين. ومنذ ألف سنة وصف جغرافي فارسي مدينة مصر الفسطاط بأنها أغنى مدينة في العالم. مع مرور قرون من الزمان بدأ الأغنياء وذوو النفوذ في البحث عن مساحات أوسع في شمال المدينة في السهل المفتوح المنبسط نحو خرائب مدينة أون القديمة. فإذا اتجهنا يمينا من القلعة لكي نتتبع هجرة الثروات, فسوف نأتي إلى أقرب مشهد من موقعنا وهو مشهد قاهرة الأسواق والقباب والمآذن: المئذنة الحلزونية القصيرة لمسجد أحمد بن طولون الذي أقيم في القرن التاسع, والمبنى الأنيق لمدرسة السلطان حسن المقام في القرن الرابع عشر, والأبراج المدببة الحادة للعصر العثماني, وباب زويلة الذي أنشئ في القرن الحادي عشر والذي ظل لمدة طويلة مكانا تعلق فيه رؤوس المجرمين. وقد صمدت للدهر مساجد, وقصور عظيمة تعد بالعشرات لتذكرنا بالفترة من القرن العاشر إلى القرن السادس عشر عندما كانت القاهرة أكبر وأغنى مدينة في غرب القارة الهندية. ثم نأتي الآن إلى الشمال حيث يمتد الوادي خارجا وكأنه يفعل ذلك تحت ضغط الزيادة السكانية وضخامة القاهرة ومع ذلك كانت المدينة ما تزال أكبر مدن العالم الإسلامي وافريقيا والبحر المتوسط. وتمددت العاصمة مسافة عشرين ميلا لتكتسح مدينة أون القديمة وتشغل ضواحي مثل شبرا وهليوبوليس (مصر الجديدة) وكلتاهما تؤوي عددا من السكان يفوق أية عاصمة في أية دولة مجاورة. وعلى البعد تلوح عند حافة هذه القوة الحضرية الهائلة كتل الأبراج التي تزحف نحو الرمال, والمصانع التي تلتهم تربة الدلتا السوداء. وبعد أن يورد المؤلف بعض الاحصائيات الخاصة بمدينة القاهرة في الوقت الحاضر وتزايد عدد السكان زيادة كبيرة مما يمثل ضغوطا كبيرة على الخدمات العامة وعلى بيئة المدينة, ويثير توترا اجتماعيا ويخلف آثار سلبية على السكان, يقول الكاتب رودنبك: (في مصر كل الطرق تؤدي إلى القاهرة) ويشير بذلك إلى التركيز الشديد لكل شيء في القاهرة ... من ذلك مثلا ان نصف عدد السيارات ونصف الصناعات في البلاد يتمركز في العاصمة, ولا توجد صحف يومية خارجها, وحتى في الرياضة تحتل القاهرة أهمية أساسية, ويشير المؤلف في هذا المجال إلى المنافسات بين النادي الأهلي ونادي الزمالك القاهريين. ويرى مؤلف الكتاب ان النظام السياسي في مصر, بعد خمسة آلاف عام من الحضارة, مازال نظاما هرميا. وتنعكس هيمنة المدينة في التعبير اللغوي نفسه ... وبالذات في كلمة: (مصر) إذ مازالت هذه الكلمة تطلق على العاصمة حتى الآن في المفهوم الشعبي. ومثلما حدث خلط ذات يوم بين مدينة منف ومصر ككل, فإن الاسم المقابل لكلمة Egypt في كل من العربية والعبرية والتركية والفارسية والأوردو واللغة الهندية مازال هو: مصر أيضا (Misr). ولا ينحصر تأثير القاهرة في حدود مصر وحدها, بل انها تظل في نظر 250 مليون عربي وبليون مسلم المدينة التي تحتفظ بسحرها وتحتل مكانة رفيعة وتتمتع بجاذبية خارقة لا تنافسها فيها أية مدينة أخرى. وبالطبع فقد دخلت إلى مصر رموز العالم الجديد عن طريق الاستيراد مثل محلات الوجبات السريعة والملاهي وغيرها, ولكن القاهرة ــ على خلاف كثير من عواصم العالم الثالث ـ ظلت تحتفظ بعمقها الذي يولد أنماط حياتها الخاصة بها. فهي تطرح ايقاعاتها ولغتها الخاصة في كل مكان, فمثلا شريط الكاسيت الذي ينطلق منه الأذان في فضاء قرية في جاوة, هو بصوت مقرئ عذب اللسان من القاهرة, وأنغام الموسيقى التي تنبعث في إحدى القصبات المغربية, قد أتت هي الأخرى من القاهرة, وكذلك الحال بالنسبة للتمثيليات والمسرحيات المصرية الشائعة في البلاد العربية. وعندما يأتي ذكر القاهرة على لسان العرب فإنهم يفكرون فيها باعتبارها معقل العروبة, ومهد كبريات الجامعات وأكبر المكتبات, وأوسع الصحف انتشارا, والألحان الشعبية النابضة بالحياة, بل وحتى باعتبارها أكبر أسواق الجمال في العالم, وفضلا عن ذلك فإن القاهرة تجمع أفضل المواهب في كافة الفنون العربية. جانب آخر تتألق فيه القاهرة ويجتذب نوعا آخر مختلفا من الجمهور مثل كنوز توت عنخ أمون الهائلة, والمئة ألف قطعة أثرية المعروضة في المتحف المصري. وحتى الأشياء الصغيرة الخاصة بالحياة اليومية تنبئ عن تصميم جميل وبسيط. وقد تغنى شعراء مصر القديمة بمفاتن عاصمتهم. وفي إحدى أوراق البردى يحلم مسافر بتلك المدينة أثناء عبوره النيل ليلتقي بحبيبته, فيقول: ان منف قربان من الفواكه وضع أمام بتاح الإله ذي الوجه الجميل ... ولا مثيل لمدينة منف على الاطلاق. ثم يستشهد المؤلف بكتاب ألف ليلة وليلة ويختار إحدى قصصه وفيها يحكي رجل عن شبابه حيث كان يجلس ذات يوم في المسجد الكبير في مدينة الموصل العراقية. وكان أبوه وأعمامه يتبادلون الأحاديث بعد صلاة الجمعة وهم يتحلقون في نصف دائرة ويتحدثون عن أعاجيب بلاد بعيدة. ثم قال أحد أعمامه: (بعض المسافرين يقولون انه لا يوجد على وجه الأرض ما هو أجمل من القاهرة). فأضاف أبوه قائلا: (من لم ير القاهرة فكأنه لم ير الدنيا فترابها ذهب, ونيلها عجب, وبيوتها قصور, وهواؤها عليل ينعش القلب ... وكيف تكون غير ذلك وهي أم الدنيا). وبعد أن سمع الراوي هذه الأوصاف قضى الليل وقد جفاه النوم وظل يتطلع إلى تلك المدينة. وعندما كبر سنه سافر مع أعمامه التجار, ولما لاحت له الفرصة تسلل هاربا منهم وتوجه إلى مدينة أحلامه: القاهرة ... وكانت تلك بداية القصة.