بينما انغمست الولايات المتحدة في دوامة الازمة الانتخابية, يبدو أن أحدا في الادارة الامريكية لا يلقي بالا لحقيقة أن إنجازات السياسة الخارجية لادارة الرئيس بيل كلينتون آخذة في الافول. فهناك بطبيعة الحال انهيار عملية السلام في الشرق الاوسط. ولكن الانتفاضة التي تفجرت في أواخر سبتمبر في أراضي السلطة الفلسطينية ليس سوى ذروة الانهيار البطيء لدور الولايات المتحدة كوسيط نزيه في النزاع الاسرائيلي ــ الفلسطيني. وفي بقاع أخرى ملتهبة من الشرق الاوسط, يبدو أن إدارة كلينتون ليس لديها الرغبة أو القدرة على وقف ما يبدو أنه كسر لطوق العزلة الاقتصادية المفروض على العراق. فالحكومات العربية, في رد فعل جزئي على الانحياز الواضح من جانب واشنطن للاسرائيليين على مدى عقود طويلة, بدأت علانية في تحدي الحظر المفروض على رحلات الطيران المدني إلى بغداد. وكما أن منطقتي الحظر الجوي اللتين تفرضهما الولايات المتحدة في شمال العراق وجنوبه يجري الان خرقهما برحلات الطائرات إلى بغداد حيث ان المقاتلات الامريكية لا يمكنها المخاطرة بإسقاط طائرات مدنية تحمل على متنها مسئولين ودبلوماسيين عرب. وأقوى الحلفاء السابقون في المنطقة, يجهرون الان بانتقاد الولايات المتحدة لاخفاقها في فهم التضامن العميق في العالم العربي إزاء قضية حرمة الاماكن الاسلامية المقدسة في القدس الشرقية. وتأتي بعد ذلك بطبيعة الحال قضية إقليم البلقان المزمنة التي لا يبدو أن حلها صعب المنال. فبعد حالة الانتشاء الغامرة في بادئ الامر بسقوط دكتاتور يوغسلافيا السابق سلوبودان ميلوسيفيتش, يبدو أنه لم يفقد شيئا من مكره ودهائه السياسي حيث أن الكثير من زمرته لا يزالون في مواقع السلطة في صربيا. وفي تحرك يحمل في ثناياه إشارة رمزية واضحة للادارة الامريكية, رفض خليفة ميلوسيفيتش الذي تدعمه الولايات المتحدة, فويسلاف كوستونيتشا, الاجتماع على انفراد مع وزيرة الخارجية الامريكية مادلين أولبرايت خلال اللقاء الموسع الذي عقدته مؤخرا منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في أوروبا. وفي نفس الوقت, يتحرك الاوروبيون بقوة في اتجاه إنشاء قوة خاصة بهم للانتشار السريع التي لم يعرف حتى الان مدى علاقتها مع بقية الدول الاعضاء بحلف الناتو. وتزعم أولبرايت وغيرها من مسئولي الادارة الامريكية أنهم شعروا (بالابتهاج) إزاء مشروع تشكيل القوة الاوروبية المستقلة عسكريا. إلا أن بعض الساسة في واشنطن يحذرون من أن هذا التطور الاوروبي يمثل بداية انقسام في صفوف الحلف الغربي عبر المحيط الاطلسي. وبالنسبة لقارة آسيا, لا يبدو أن تحرك السياسة الخارجية الامريكية بها أكثر حظا. فما زالت علاقات واشنطن مع بكين يشوبها الحذر. فبينما يبدو أن الخلافات التجارية بين البلدين قد تمت تسويتها, فإنه يبدو أن الصينيين يعتزمون بناء قوة عسكرية يكون هدفها المحدد مواجهة الولايات المتحدة, وليس أي دولة أخرى. ويبدو أن الحرب الباردة, بعد مرور فترة قصيرة لالتقاط الانفاس في أعقاب انهيار الامبراطورية السوفييتية, قد عاودت الظهور من جديد وبشكل مختلف. وقد توقف التدخل الدولي لوقف العنف الاندونيسي في تيمور الشرقية وعادت الميليشيات الاندونيسية والقوات العسكرية ثانية لتأكيد سيطرتها على المناطق المدمرة التي كانت مسرحا للاشتباكات. وفيما يبدو وكأنه صورة مصغرة للازمة غير الملحوظة في السياسة الخارجية الامريكية, لم يعد وزير الخارجية الروسي, إيجور إيفانوف, يرد على المكالمات الهاتفية من نظيرته الامريكية أولبرايت. والبيت الابيض, إما لانه مشغول أو واقع في حيرة بسبب أحداث الستة أسابيع الماضية, لا يلاحظ أو يبدو أنه لا يهتم إزاء تلاشي ما كان في يوم من الايام مبعث الفخر الذي حققته حيوية وذكاء نائب الرئيس آل جور وهو ضمان الاحتفاظ بعلاقة حيوية بين موسكو وواشنطن. د.ب.ا