التنافس الشديد يتحكم في علاقات أجهزة الأمن الإسرائيلية ، رؤساء الأجهزة الإسرائيلية الأخرى يعارضون تقارير الموساد عن سوريا يتضح في هذه الحلقة التنافس الشديد بين الأجهزة الأمنية, الإسرائيلية, خلافاً للصورة الخاطئة المترسخة في أذهاننا بفعل الهزائم المتلاحقة, حول التكامل النموذجي بين أجهزة الأمن في إسرائيل, والتي مكنتهم من الصمود الطويل، في مواجهة العرب. كارمي جيلون يتحدث عن خلافات متواصلة حول التسابق في توصيل المعلومة لمكتب رئيس الوزراء باعتبارها معلومة لجهاز معين, ويتحدث عن قيام أجهزة أمنية معينة بأخذ المعلومات من (الشاباك) ثم إعادة ضخها لمكتب رئيس الحكومة باعتبارها معلومات لذلك الجهاز. رغم ذلك علينا الاعتراف بأن هناك مسئولية جماعية لدى أجهزتهم حيال أي عمل كبير وحيال أي تقويم يتعلق بموضوع استراتيجي. لم يتركوا لجهاز (الموساد) على سبيل المثال أن يصل وحده لاستنتاج بأن سوريا على أبواب شن حرب على إسرائيل طبقاً لمعلومات يهودا جيل رجل الموساد الذي اعترف أنه كتب تقارير كاذبة حول هذه المهمة, بهدف الحصول على أموال. هكذا بصراحة ودون مواربة, وعارض رؤساء الأجهزة الآخرون ذلك التقويم الغريب. لكن ما يغفل المؤلف الإشارة إليه, أنه رغم تقويم رؤساء الأجهزة الأمنية السلبي إزاء معلومات جيل, فقد تم إعلان الاستنفار في الجولان, طبقاً لما ذكرته الصحف الإسرائيلية في حينه, بما يعني أن رؤساء الأجهزة الأمنية يتجاهلون قرارات اللجنة ويتوجهون للمستويات السياسية مباشرة, وإلاّ لماذا تم إعلان الاستنفار في حينه, ولماذا طلبت إسرائيل من وزير خارجية روسيا أن يستفسر من السوريين حول موضوع (الاستنفار) ولماذا بعثوا برسالة تهديد للسوريين. كما أنّ توصل بعض أجهزة الأمن الإسرائيلية لقناعة بأن دمشق على أبواب القيام بعمل عسكري ضد إسرائيل, هو استنتاج ساذج إلى حد كبير إذ لا يعقل أن تقدم سوريا على مثل تلك المغامرة ولم يتحدث أي محلل سياسي بمثل هذا الاحتمال. وأتساءل: هل ذلك الاستنتاج الغريب يعبّرعن نقص فادح في المعلومات أم أنه رعب متزايد من إمكانية أو احتمال تكرار تجربة حرب أكتوبر 1973م حيث فشلت كافة الأجهزة الاستخبارية في إسرائيل, في حينه, في التكهّن بإمكانية حدوث الحرب, وكانت تلك الفضيحة الأكبر في تاريخ المخابرات والاستخبارات الإسرائيلية. وفي واقع الأمر فإنه رغم ادعاءات كارمي جيلون بأن (الموساد) قد استعاد ثقة الجمهور الإسرائيلي عقب اغتيال المهندس يحيى عياش, إلاّ أن فضائح (الموساد) بعد ذلك قد كسرت الثقة بقدرة ذلك الجهاز, بعد معافاة محدودة, إذ جاءت فضيحة الفشل في اغتيال خالد مشعل وفضيحة التنصُّت في سويسرا وفضيحة قبرص لتثبت جميعها أن ذلك الجهاز الذي رسموا حوله هالة أسطورية لم يكن كذلك في واقع الحال. ولكن هذه الحقائق يجب أن لا تدفع بنا نحو الاستخفاف بقدرة أجهزتهم الأمنية وبإمكاناتها وبشبكة علاقاتها مع أجهزة الأمن في الغرب وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية. لا بد من نظرة متوازنة لا تبالغ في الخوف من قدراتهم الأسطورية كما ساد لدينا الانطباع بعد نجاح عملياتهم الخاصة ضد قادة فلسطينيين, منذ نجاحهم الساحق في حرب يونيو 1967م: حرب الديبلوكس ونزهة الدبابات كما أسموها, وفي الوقت نفسه لا يجوز خلق الانطباع بعدم وجود قدرة لدى مخابراتهم بما تمتلكه من تنظيم ومن إمكانات, إذ كان ديفيد بن جوريون منذ تشكيل المخابرات الخارجية ــ الموساد ــ, قد أعطى أهمية قصوى لتوفير كل الإمكانات لهذا الجهاز لأنه سيكون, في رأيه, من يتولى مهمة إنذار الشعب من المخاطر القادمة لتخفيف الإصابات والخسائر. إسرائيل دولة تعتمد نظام الاحتياط ولا تعتمد على جيش محترف كبير, وهي تعتمد أفضل نظام في العالم لاستدعاء الاحتياطي في غضون أربعة وعشرين ساعة, لا يتفوق عليها في هذا النظام إلاّ سويسرا حيث أخذوا منها في عهد ثاني رئيس أركان للجيش الإسرائيلي إيجال يادين, نظام الاحتياط, ولهذا ثمة أهمية قصوى لبناء قدرة على التنبؤ بأية حرب قبل وقوعها. مع ذلك فإن في تاريخهم أشكالاً صارخة من الفشل في توقعات المستقبل. لم يتوقعوا حرب أكتوبر 1973م وقالت لجنة رؤساء الأجهزة الأمنية إن الهدوء على جهة السويس سيكون طويلاً وفاجأتهم الحرب وجنودهم في ملابسهم الداخلية في يوم عطلة ــ يوم الغفران ــ. ولم يتوقعوا الانتفاضة الفلسطينية في ديسمبر 1987م بل تحدثت أجهزتهم عن هدوء طويل سيسود (المناطق المحتلة) في تقرير مشترك قدموه للمستوى السياسي قبل ثلاثة أسابيع من اندلاع الانتفاضة, ولم يتوقعوا زيارة السادات للقدس وقالوا إن أي سلام بين دول عربية وإسرائيل سيحتاج لجيل كامل على الأقل, وفي الأسابيع الأخيرة لم يتوقعوا الانتفاضة :انتفاضة الأقصى, ولهذا سمحوا بزيارة شارون للمسجد الأقصى والقائمة طويلة. تحدث جيلون عن معارضته لإنشاء مجلس للأمن القومي خشية تعارض الصلاحيات مع لجنة رؤساء الأجهزة الأمنية ورأى أن مثل هذا المجلس قد يكون مطلوباً لدولة كبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية لديها العديد من الأجهزة فيما لا ينطبق ذلك على إسرائيل. لا نعرف شيئاً عن رأيه بعد أن أقرّت حكومة ايهودا باراك إنشاء مجلس للأمن القومي وبعد أن وضعت على رأسه الجنرال عوزي دايان نائب رئيس الأركان والذي جرت إعارته من الجيش, كما يبدو, لهذا المنصب, حيث يحتفظ بموقعه العسكري, وهو أمر غريب في التقاليد العسكرية. إذ كيف يكون مسئول ما ضابطاً يخضع لأوامر رئيس الأركان, ومسئولاً عنه في الوقت نفسه بحكم مسؤوليته السياسية كرئيس لمجلس الأمن القومي. لقد احتج الجنرال شاؤول موفاز رئيس الأركان على هذا التعيين, لكنه لعق جراحه فيما بعد ورضخ للأمر الواقع. وتحديد مسئولية الأجهزة الأمنية الإسرائيلية عن متابعة نشاطات الفلسطينيين في الضفة والقطاع, ما زالت غير واضحة. لقد كان (الشاباك ــ الأمن العام ــ) مسئولاً عن النشاطات الفلسطينية باعتبارها أراض محتلة, ومنذ قيام السلطة الوطنية ثمة اتجاه للتعامل الأمني مع الفلسطينيين باعتبارهم يعيشون في دولة مجاورة لم تعد تابعة لهم, وذلك يتطلب أن يصبح (الموساد) مسؤولاً عن متابعة نشاطاتهم , إضافة للاستخبارات العسكرية (أم ان) ومع ذلك مازالت الصورة غير واضحة ومازال القرار السياسي الذي سيحكم تقسيم المسئوليات غير واضح أيضاً. في اللحظة الراهنة تتبادل هذه الأجهزة الثلاثة المعلومات حول الفلسطينيين وتخطط معاً لحدود الرد العنيف على الانتفاضة, ويدخل الجيش بقيادته المتشددة على الخط أيضاً, ويقوم داني ياتوم رئيس مكتب باراك للتنسيق الأمني بغربلة المعلومات والمواقف ويلخصها لرئيس الوزراء محدداً الخيارات والأولويات, ولهذا فإن لرئيس الموساد السابق ياتوم دوراً رئيسياً في القرارات العسكرية والسياسية في هذه الأيام. الرؤساء يتحدثون تضم لجنة رؤساء الأجهزة الاستخبارية رئيس الموساد للاستخبارات والوظائف الخاصة (الاسم الكامل للموساد), ومسئول لجنة شعبة الاستخبارات العسكرية في جيش الدفاع, ومسئول الشاباك وبمشاركة السكرتير العسكري لرئيس الحكومة بصفة مراقب - ولكن طبيعة الجلسات غير رسمية مما يعطيه فرصة إبداء الرأي- وهناك سكرتيرة كاتبة تقوم بتسجيل بروتوكول الجلسة. وتجتمع اللجنة مرة في الشهر في مكتب رئيس الموساد, وقد ظل هذا العرف سائداً عشرات السنوات ومنذ أيام ايسرهارئيل عندما تولى مسئولية الجهاز الذي كان اسمه آنذاك (شين بيت) ثم تحول فيما بعد إلى الشاباك, ومسئول اللجنة هو مسئول الموساد وهذا أيضاً من منطلق العرف. مع أنه ومن الناحية الموضوعية يمكن الاعتراض على ذلك إذ ينبغي أن يتولى رئاسة اللجنة مسئول جهاز الاستخبارات العسكرية تحديداً و ذلك بسبب منصبه المحدد في القانون (المسئول عن التقديرات القومية) وهو يخضع لسلسة من الجهات منهم رئيس الأركان ووزير الدفاع ورئيس الحكومة بينما يخضع مسئولو الموساد والشاباك لرئيس الحكومة مباشرة. ولم يكن الأمر بالنسبة لي كمسئول للشاباك مزعجاً في جعل رئيس الموساد شفتاي شفيط رئيساً للجنة الاجهزة الاستخبارية, وهو عكس ما كان الأمر بالنسبة لمسئول الاستخبارات العسكرية اوري ساجي. ومع أن مسئول الموساد يترأس اللجنة إلا أن جدول الأعمال يتم وضعه بالمشاركة ورئيس اللجنة ليس مخولاً باسقاط أي موضوع من هذا الجدول كما لا يوجد تصويت في اللجنة والمواضيع الخلافية يتم عرضها على رئيس الحكومة للحسم فيها عن طريق سكرتيره العسكري. من جانب آخر, تجري اللجنة عملية مراجعة يومية سواء على المستوى الاستراتيجي أو على الصعيد التنفيذي حتى فيما يتعلق بالقضايا الأكثر سرية. وعمليات مثل اعتراض مطلوبين تناقشها اللجنة دون الغوص في التفاصيل التنفيذية لأن المعلومات تكون في العادة سرية للغاية. كما أنه معروف لدى اللجنة بأن مسئول أي جهاز يخطط لعملية معينة ينبغي عليه إبلاغ زملائه بشأن حقيقة تلك العملية, وذلك من منطلق الوعي بأنه من المحظور على الزملاء الخوض في مثل هذه الموضوعات أمام العاملين معهم, وواضح بأن الأمر يضع مسئول الجهاز في مأزق أحياناً ولكن لا يوجد ما يمكن فعله. فاذا لم يتم الحفاظ على هذا النظام فان مسئولي الأجهزة لا يستطيعون مشاركة زملائهم باكبر الأسرار. هذا ويتوجب القول بأن ما يدور في هيئة لجنة الأجهزة الاستخبارية لا ينتمي إلى أحاديث الصالونات إذ أنه بمجرد تبليغ أي مسئول جهاز بعملية ما فأنه يتحول إلى شريك في المسئولية نتيجة اطلاعه على الأمر, صحيح أنها أقل من حجم المسئولية التي يتحملها رئيس الجهاز المسئول عن العملية إلا أنه لا يمكن القول بأي حال من الأحوال بأنها ليست مسئولية قائمة. وعلى سبيل المثال لو تم طرح عملية للنقاش ضمن المسئولية الكبرى لاحد الأجهزة الاستخبارية فان باستطاعة مسئول جهاز آخر الاعراب عن معارضته. وبذلك تتوفر الفرصة للتعبير عن الرأي وإذا لم يتلق جواباً شافياً فان بمقدوره ــ بل يكون ملزما ً في نظري ــ بالتوجه إلى رئيس الحكومة والذي تربطه به صلة مباشرة. كما أنه من المستحيل الركون إلى حقيقة الاعراب عن الرأي ضمن دائرة لجنة الأجهزة الاستخبارية والاختباء خلف مقولة (لقد فعلت ما علي) خاصة وأنه لا يوجد أحد من المتواجدين في الهيئة يخضع لآخر من زملائه, والزمالة تلزم أي رئيس جهاز يعارض العملية التي تقع في دائرة مسئولية جهاز آخر أن يعلن تحفظاته, ولكن ينبغي عليه عدم الوقوف عند هذا الحد بل المضي بموقفه قدماً نحو رئيس الحكومة. أما عملية تدفق المعلومات إلى اللجنة فهي تبادلية ــ مع أنه يجب تصنيف هذه المقولة. فالتبادلية تقتطع من طبيعة المنظمة المعنية ومن شخصية القائم عليها, فخلال الفترة التي شاركت فيها بمناقشات اللجنة كان مسئول الموساد شحيحاً جداً في تقاريره, لا سيما في العمليات الخاصة التي يتورط بها جهازه. وفي المقابل كان مسئول جهاز الاستخبارات العسكرية ذا توجه استراتيجي واسع بحيث يتقاسم المعلومات والمعارف مع زملائه, واعتقد بأن, هذا الأمر ينطبق أيضاً على مسئولي الموساد والاستخبارات العسكرية الآخرين. من جهة أخرى فان الهدف من هيئة لجنة رؤساء الأجهزة هو تسوية الخلافات ويخطيء من يظن بأن رئيس الموساد ومسئول الشاباك يتهاتفان مع بعضهما ثماني مرات في اليوم. وبشكل عام فحينما يكون هناك تماس بين الأجهزة فان كل ضابط أو مدني بمرتبة موازية يتحدث مع من يوازيه على الصعيد المهني وأن الحالات التي لا تصل إلى حل متفق عليه تصل إلى القمة. وابرز مثال على ذلك يحضرني هو النقاش الذي دار حول التقارير التي جاء بها رجل الموساد (يهودا جيل) بشأن تقدير النوايا السورية تجاه الحرب, هذا النقاش الذي شهد جدلاً حاداً بين اوري ساجي مسئول الاستخبارات العسكرية وبين شفتاي شفيط مسئول الموساد حين أعطى شفتاي أهمية كبرى لمصدر تقارير جيل بينما ارتأى ساجي عدم إعطاء الأمر أهمية كبيرة. ومع هذا كله يجب التأكيد على ان التقديرات والقرارات لا يتم اتخاذها اعتماداً على معلومة واحدة, فالاستخبارات العسكرية والموساد يلعبان دوراً فاعلاً في جمع المعلومات بينما لا يفعل الشاباك ذلك, ويجري بعد ذلك معادلة وموازنة هذه المعلومات. ومعلومة من شخص واحد قد تشوه الصورة قليلاً ولكنها لا تغيرها تماماً. كما أن رئيس الحكومة لا يتخذ القرار بناء على مصدر واحد فالنظام يقوم على طريقة لا تمكنه أو تسمح له بفعل ذلك. وهذا ما حدث بالضبط مع يهودا جيل الذي تبين فيما بعد أنه زود الجهاز بمعلومات كاذبة. وفي جلسة النقاش المشار إليها ساد توتر شديد بين ساجي وشفيط حتى ان ميتكا المرأة الطيبة والطامحة إلى تحقيق الانسجام والتناغم كانت مكفهرة الوجه, وقد همست في أذني مراراً تدعوني للتدخل فيما بينهما وتحسين العلاقات. ومع أن هذا التوتر لم يمس اطلاقاً بموضوعية النقاش ــ وقد تبدو هذه ميزة إيجابية ــ إلا أنه يثقل في الواقع على جميع الحاضرين, ويمنعهم من تجاذب أطراف الحديث, وأذكر أنني في أول جلسة لي في لجنة رؤساء الأجهزة الاستخبارية اكتفيت بالاصغاء والتعلم, وعندما خرجنا قال لي بيري (احدى الوظائف التي ستكون لك داخل هذه الهيئة هي المحافظة على الأجواء كي لا تزداد سخونة أكثر من اللازم). وفيما بعد أنهى ساجي عمله كمسئول لجهاز الاستخبارات العسكرية وحل محله يعلون فتحولت الأجواء إلى الهدوء. البحث عن الانسجام ومن الناحية المبدئية لا أعتقد بوجوب التطلع إلى انسجام كامل بين الموساد وجهاز الاستخبارات العسكرية اللذين يلعبان في ساحة واحدة, بينما الشاباك يقف بعيداً في الخارج لأن جلّ نشاطه يتعلق بالمسائل الداخلية. ولكن لابد من نشوء الجدل بين الحين والآخر, وليس من الصحيح أن تكون الصورة زاهية على الدوام. هناك تنافس حقيقي بين الموساد وجهاز الاستخبارات, والتنافس بالطبع يؤدي إلى خصومة, ولكن لأجل الحصول على نتائج جيدة فلابد من المحافظة على هذا التنافس, وفيما يخص موضوع (شفيط ساجي) فان الأمور انزلقت نحو شبكة علاقات متوترة بين الشخصين أي ان التنافس تخطى القضايا المهنية إلى العلاقات الشخصية التي أفرزت خصومة, ولكنني لا أريد هنا أن يتكون انطباع من أن اللجنة منحت فرصة لكليهما كي يقوما بتفريغ شحنات غضبهما, فان العكس هو الصحيح, فقد تم طرح قضايا رئيسية مثل الاستخبارات المتعلقة بالسلام بالمقارنة مع النوايا الحقيقية للعدو وقدرته الحربية, أو موضوع نوايا الأسد الحقيقية, وكان هذا الموضوع قد انطرح مراراً وبأفضل الطرق موضوعية. وهناك مسألة إضافية مهمة هي العمليات الاستخبارية بهدف الحصول على معلومات فعلى سبيل المثال ولأجل التعرف على التفكير العربي وماذا يفعلون في الدول العربية, فأنا بحاجة إلى عدد كبير من الوسائل ــ وتجب الإشارة هنا إلى أن هذه الوسائل ليست مورداً غير محدود ــ إذ تحتاج الاستخبارات العسكرية أحياناً إلى مساعدة الموساد وبالعكس. وهذا مجال لخلق خلافات واختلافات حيال موضوعات كثيرة كالتحقق مثلاً من قدرة الاسلحة غير التقليدية (النووية والكيماوية والبيولوجية) على الردع, ولماذا ينبغي منحها الأولوية في مجال تكريس الوسائل الاستخبارية, كما تظهر خلافات في الرأي حيال تحديد الخطر الرئيسي: لنفترض أن المخابرات العسكرية تعتبر العراق في الدرجة الأولى من حيث التهديد بينما يعتبر رئيس الموساد أن إيران هي التي تمثل ذلك وفي الوقت نفسه ينظر مسئول الشاباك بالأساس إلى الخطر الكامن وراء هذا التهديد. ومناقشة سلم الأولويات بكل جدية وعمق هو الأمر المرغوب به والمطلوب, وقد يتم التوصل أحياناً إلى اقتناع متبادل وأحياناً تبقى الخلافات على حالها حيث يستوجب الأمر حسم رئيس الحكومة, ويميل مسئولو الشاباك ــ بشكل عاطفي ــ نحو عدم الوصول بخلافات كهذه إلى رئيس الحكومة, لأن من يتولى مسئولية الجهاز يعتبر شخصاً كبيراً مخولاً بصلاحيات ومسئوليات واسعة جداً وأن الحدس يقضي بأفضلية التوصل إلى اتفاق داخل لجنة رؤساء الأجهزة. كنت أحرص مثلاً على الوصول إلى اجتماع اللجنة المذكورة متقدماً بنصف ساعة كي أتبادل الأحاديث مع شفيط في مكتبه بينما كان ساجي يصل عند الوقت بالضبط كي يتجنب حصول لقاء غير رسمي, ومن خلال معرفتي وتجربتي تبين لي بأن العلاقة الشخصية الناجمة عن اللقاءات غير الرسمية أمر في غاية الأهمية خاصة في ميدان حل المشكلات وإنشاء التعاون بين الأجهزة. وقد واجهتني في بداية رئاستي للشاباك مشكلة من قسم الأبحاث في الاستخبارات العسكرية الذي كان لديه ادعاءات قاسية بأن الشاباك لا يبلغهم أو يحيطهم علماً بمعلومات عن الفلسطينيين لصالح التقديرات الخاصة بأبحاثهم, في الوقت الذي كانت لدى الشاباك هو الآخر ادعاءات بأنهم يأخذون معلومات الشاباك ويروجونها على أنها معلوماتهم. وكانت الخطوة الأولى التي قمت بها هي عقد اجتماع لساجي ويعقوب عميدور مسئول قسم الأبحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية ومسئولي الابحاث في الشاباك لبلورة انماط عمل وحل المشكلات القائمة بين الطرفين. وتجدر الإشارة إلى أن الجدل الذي نشأ لأول مرة بين بيري وساجي ــ ولا يزال قائماً حتى اليوم بين الاستخبارات العسكرية والشاباك, كان يتركز حول مسألة من ينبغي عليه تولي مسئولية التقديرات الاستخبارية المتعلقة بالفلسطينيين وعلاقاتنا بهم, فقد كانت الاستخبارات العسكرية هي التي تتولى الموضوع عندما كان عرفات يتواجد في تونس أما اليوم فان المعلومات اليومية تتدفق في قناتنا. وقرار رئيس الحكومة المبدئي في ذلك لم يكن كافياً والكل مرتبط بمستويات العمل, وحتى لو اتخذت كمسئول للشاباك قراراً بتحويل المعلومات إلى الاستخبارات العسكرية فإن ذلك سيكون غير متكامل من حيث الدوافع, وسبق لي أن ذكرت أن أجهزة الشاباك والاستخبارات العسكرية والموساد تتسم مسيرتها العملية بالحسد المهني وينطبق عليها المثل القائل (حسد الأدباء يكثر الحكمة) لابد من وصول هذا الحسد إلى التنافس والسباق. واعترف أيضاً بأننا في الشاباك انتابنا الغضب بعد أن نقلنا إلى الاستخبارات العسكرية معلومات خام وقبل الانتهاء من تحليلها قاموا بنقلها إلى المستوى السياسي لاحراز سبق التنافس والنجاح. واعتقد بأن هذه الديناميكية معروفة لكل رئيس حكومة ووزير دفاع صاحب خبرة, فقد استطاع رابين وبيريز بفضل حكمتهما السياسية وتجربتهما الهائلة السيطرة على هذا العامل واحباطه. إذ أن رئيس الحكومة في الواقع لا يولي أهمية كبرى لمسألة من هو الطرف الذي وضع المعلومات على طاولته, وأنا من جهتي أيضاً عالجت هذا الأمر بابتسامة خفيفة وفي نفسي كنت أتخيل طاولة رئيس الحكومة وعشرات بل مئات الوثائق والاوراق عليها وهو يقرأها دون فحص شارة الجهاز التي تحتل صدر الصفحة. فهو في نهاية المطاف بحاجة إلى المعلومة الصافية وليس لاسم الجهاز. ولقد ادركت هذه الحقيقة وذلك ما أغضب العاملين تحت إمرتي وفي اعتقادهم أنه ينبغي علي أن أكون وطنياً محلياً أكثر حيال الجهاز الذي أنا مسئول عنه, بينما كنت التزم جانب نقل المعلومة الجيدة لرئيس الحكومة بالدرجة الأولى وليس محاولة اكتساب المكانة الأولى أو الشرف, والاختبار الحقيقي هو في النتائج كما أعتقد بأن الحسد المهني ينطوي على بركة وأن التوازن الأمثل هو في الوسطية. وعلى صعيد آخر فان الميزة الكبرى الإيجابية لجهاز كلجنة رؤساء الأجهزة الاستخبارية ــ والتي يتميز بها عن مجلس الأمن القومي مثلاً ــ هي أن الأعضاء هم قادة الأجهزة ولا يتعلق الأمر بجهاز وسط بين المستوى السياسي والمستوى التنفيذي, وإنما يتعلق بقادة يحددون الجدول اليومي وسلم الأولويات الخاصة بأجهزتهم كما أنهم يتحدثون مباشرة مع رئيس الحكومة ووزير الدفاع, لذا فإن جهازاً رفيعاً أياً كان نوعه مثل مجلس الأمن القومي لن يشكل بديلاً لقوة لجنة الأجهزة ولا يمكن بأي حال من الأحوال القيام بمحاولة لإلغاء هذه القوة بل العكس يجب الإبقاء عليها. لكن هذا لا يعني عدم اللجوء إلى إجراء تحسينات على أداء اللجنة والعلاقات المتبادلة بين الأجهزة الاستخبارية. ولقد نشر مؤخراً تقرير صادر عن مراقب وزارة الدفاع في مكتب مراقب الدولة اللواء احتياط افيعيزر يعري ويتعلق هذا التقرير بمجال البحث الاستخباري وتحويل المعلومات بين الأجهزة الاستخبارية, ويشير يعري أحد أكبر الخبراء في إسرائيل بالنظرية الاستخبارية في تقريره الرقابي إلى وجود حالات خلل يجب تصحيحها ووجوب ادخال تعديلات جديدة دون أن يعني ذلك بأن البيئة القائمة للتنظيمات الاستخبارية يعتريها الخلل من أساسها. واعتقد بأن فكرة مجلس الأمن القومي وفق النموذج الأمريكي لا تناسب دولة إسرائيل الصغيرة, فالولايات المتحدة قوة عظمى ونشاطها يمتد في كل العالم, كما أن عدد الأجهزة الاستخبارية لديها كبير جداً والتسلسل الوظيفي والتراتبية المهنية فيها متعددة ومتنوعة. وإسرائيل دولة صغيرة تعمل في المجال الاستخباري بسبب التهديدات المباشرة التي تتعرض لها فيما يتعلق بأمنها ووجودها ــ خلافاً للولايات المتحدة ــ وعدد الأجهزة الاستخبارية لدينا قليل والصلة التي تربط مسئولي الأجهزة برئيس الحكومة مباشرة وسريعة ــ أي أنه من غير الضروري تعقيد الجهاز دونما حاجة لذلك. وإذا كان القصد من تشكيل مجلس الأمن القومي هو تعزيز عامل استراتيجي فإنه بهذه الحالة سيكون مهما وستكون الجدوى مشروطة بنوعية الأشخاص الذين سيعملون في اطاره وبالشخصية التي ستتولى مسئوليته, إما إذا كان الهدف هو أن يحل المجلس محل لجنة رؤساء الأجهزة الاستخبارية أو يكون بديلاً عنها فإن النتيجة ستكون الخسارة.