الملف السياسي : يعتبر انشاء دولة الامارات العربية المتحدة في مثل هذه الايام من العام 1971 واستمرار المسيرة الاتحادية طوال العقود الثلاثة الماضية على خطى ثابتة متحدية شتى الصعوبات، انجازا تاريخيا لابناء البلاد حقق لهم طموحاتهم في الاستقلال والوحدة والالتحام بالامة العربية والانتقال من حالة التشرذم والفرقة التي اخفق الاستعمار في تكريسها طوال مئة وستين عاما من سيطرته على الامارات الى بناء الدولة الموحدة التي اطلقت عملية تنمية سريعة قل نظيرها في بلدان العالم وأُبقي الباب مفتوحا لانضمام اي قطر عربي الى الاتحاد. وشمل البيان الصادر عن المجلس الاعلى للاتحاد في الثاني من ديسمبر سنة 1971 بدء العمل بالدستور المؤقت وانتخاب صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حاكم اماراة ابو ظبي رئيسا للدولة لمدة خمس سنوات والمغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم امارة دبي نائبا للرئيس للمدة نفسها. وتألف الاتحاد في البداية من ست امارات ما لبثت ان انضمت اليه امارة رأس الخيمة في العاشر من فبراير 1972. وأجاز الدستور المؤقت في مادته الاولى ان ينضم الى الاتحاد اي قطر عربي مستقل بموافقة المجلس الاعلى وبإجماع الاراء. بالاضافة الى ذلك نص الدستور على ان الاتحاد جزء من الوطن العربي الكبير تربطه به روابط الدين واللغة والتاريخ والمصير المشترك وان شعب الامارات شعب واحد وهو جزء من الامة العربية, كما نص على ان الاسلام هو الدين الرسمي للاتحاد والشريعة الاسلامية مصدر رئيسي للتشريع فيه. والواقع ان الاعراف والقيم العربية والاسلامية التي كرسها الدستور شكلت المرجعية القيمية لعملية البناء الداخلي. لقد قامت النهضة الاقتصادية والعمرانية والتطور البشري والتنمية الشاملة على قاعدة ان بناء الانسان ركيزة اساسية لبناء الوطن وفي هذا الصدد يقول صاحب السمو الشيخ زايد (ما انجز يفوق كل وصف وليس هناك مستحيل امام العزم واخلاص النوايا) ويضيف (التقدم والنهضة لا يقاسا ببنايات من الاسمنت والحديد انما ببناء الانسان وكل ما يسعد المواطن ويوفر له الحياة الكريمة). ويلاحظ الخبراء ان الامارات التي شكلت الاتحاد كانت تتباين من حيث الحجم السكاني والموارد الاقتصادية. ومع ان الدستور نص على ابقاء الموارد الطبيعية والثروات في كل امارة مملوكة لشعب الامارة الا انه في الوقت نفسه اعتبر المساواة والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص لمواطني الدولة جميعهم من الدعامات الاساسية لتسيير المجتمع. ولذلك تم اتخاذ العديد من الاجراءات التي من شأنها اقرار حرية تنقل الاشخاص والسلع والمنتجات ورؤوس الاموال بين مختلف امارات الاتحاد, كذلك وُضعت خطط اقتصادية على مستوى الاتحاد خلال الامارات الاكثر غنى تلك الاقل قدرة من الناحية الاقتصادية على تطوير قدراتها وامكانياتها البشرية والاقتصادية. وأدت عملية التحديث السريع في مختلف القطاعات الى تحقيق مزيد من الاتجاه نحو التكامل والدمج بين الامارات. واستخدمت عوائد النفط في عملية بناء مجتمع حديث متجانس ودولة عصرية. وتمت عملية التحديث بسرعة فاقت المعدلات التي شهدتها بلدان اخرى. وعلى قاعدة ردم الفوارق بين الامارات الداخلة في الاتحاد تتم عملية توزيع الدخل على قاعدة العدل فيما يتعلق بالمواطنين ومنذ تأسيس الدولة لوحظ ان حكومة دولة الامارات العربية المتحدة اولت موضوع توزيع الدخل الاهتمام الكبير. اذ مع تزايد العائدات النفطية ومع الرغبة في توزيع ثمار التنمية تضمنت الوثيقة الخاصة بالأهداف العامة للتنمية اشارة الى ضرورة اعتبار رفاهية المجتمع كهدف اساسي للتنمية والى استمرار زيادة مستويات المعيشة سواء في نواحي الاستهلاك او نواحي الخدمات وذلك على اساس من العدالة الاجتماعية. وقد نجحت دولة الامارات فور تأسيسها في نشر الخدمات الاجتماعية لتشمل مختلف فئات السكان مما حقق قدرا ملحوظا من تساوي الفرص امام الجميع من مواطني الدولة, وفي الوقت نفسه افاد العمال الوافدون عربا وآسيويين من الكثير من الخدمات الاجتماعية والصحية والتعليمية التي حظي بها المواطن الاماراتي. ويضيق المجال لعرض الانجازات التي تحققت طوال العقود الثلاثة الماضية لتحقيق توزيع عادل للدخل وتذويب الفوارق بين المناطق وفئات المجتمع. وعقب قيام الاتحاد بدأت انطلاقة جديدة في ميدان التربية والتعليم فبنيت منذ السنوات الاولى عشرات المدارس والمعاهد وتضاعفت الميزانية السنوية للتربية والتعليم وتضاعف عدد الطلاب وعدد المدرسين وأولت الدوائر المختصة اهتماما بالتربية الاسلامية بمقاصدها ومحتواها وقيمها المتكاملة لخدمة الانسان وأصبح نشر التعليم حقا للجميع كبارا وصغارا فأنشئت عشرات المراكز لتعليم الكبار ايمانا من الدولة بأهمية الثروة البشرية في دفع التقدم ومواكبة عصر التكنولوجيا والتجاوب مع قطاعات التنمية. ومع تحقيق قفزة هائلة في الانفاق على كافة المرافق التعليمية حظي القطاع الصحي باهتمام مماثل وتأمن العلاج بالمجان لكل مواطن وأولى صاحب السمو الشيخ زايد اهتماما خاصا بهذا القطاع الى جانب اهتمامه بالقطاعات الاخرى وحرص على المتابعة المباشرة من خلال جولاته على المستشفيات لعملية تطوير وتحديث القطاع الصحي. لقد شهد قطاعا التعليم والصحة تطورا ملموسا من ناحية نوعية الخدمات وحجمها. وانطلاقا من مبدأ المساواة في فرص التعليم والحق في الرعاية الصحية للجميع اتجهت الدولة نحو زيادة التخصيصات السنوية لهذه الخدمات تماشيا مع زيادة حجم السكان وتوسيع رقعة المستفيدين منها في مختلف انحاء الدولة. وأولت الادارات المختصة جهودا لانجاز الاصلاح الزراعي وتعزيز الثروة السمكية عبر توفير الآلات الحديثة واصلاح الاراضي وتفجير الحياة العذبة المنتشرة بكثافة في اراضي الدولة وتشجيع المواطنين على تطوير مزارعهم وتقديم القروض الميسرة للمزارعين. واهتمت الدولة بالاسكان الشعبي وتوفير المسكن المناسب لكل مواطن. وخصصت الميزانيات اللازمة لهذا الغرض وتم بناء آلاف المساكن بعشرات ملايين الدراهم مع الحرص على ان تكون هذه المساكن لائقة وتتوفر فيها اسباب الراحة. وأولت دولة الاتحاد منذ انشائه اهتماما كبيرا برعاية الشباب وتطلعت الى تحقيق الرعاية الكاملة لشباب الدولة وفي شتى المجالات من رياضية واجتماعية وثقافية... فوضعت البرامج الاجتماعية والثقافية والفنية وبرامج المعسكرات والرحلات والخدمات العامة. ان عملية النمو السريع تطلبت ايلاء الشباب هذا الاهتمام الخاص بحيث تتعادل وتيرة التطور المادي في المجتمع مع درجة العناية بالتطور الاجتماعي والثقافي للشباب أما لجهة توفير الفرص امامه لاكتساب المعارف وتنمية المهارات وبناء الشخصية السليمة او لجهة تدريب الشباب على البذل والبعد عن الاتكالية واشعار الشباب بضرورة المشاركة والمساهمة في مشروعات الخدمة العامة. وبالنسبة الى كافة المواطنين حرصت دولة الاتحاد منذ انطلاقتها على رعاية حق المواطنين في العمل وعملت على مكافحة البطالة والمساعدة في توفير التدريب المهني ورفع المهارات الفنية والمستوى الثقافي للقوى العاملة وخلق فرص عمل في ضوء احتياجات المجتمع ووضع الخطط لمواجهة الاحتياجات الحاضرة والمستقبلية والاشراف على تنفيذها مستهدفة العدالة الاجتماعية. ومع الاستعانة بالايدي العاملة العربية والاجنبية يجري تطوير القوى العاملة الوطنية وايجاد العمل المناسب لها. وعملا بالشريعة الاسلامية وانطلاقا من نصوص الدستور وسياسة الدولة التي تهتم بالانسان وتوفر له الرعاية الكافية تجري العناية بالاسرة والطفولة والاشخاص العاجزين. كذلك خصصت في الميزانية اموالا لتقديم انواع مختلفة من الاعانات والمساعدات للمواطنين مثل: اعانة خفض تكاليف المعيشة ودعم السلع الغذائية وبيعها للمواطنين بأسعار منخفضة ويقوم رئيس الدولة بتمويل هذه الاعانة مباشرة. وتقدم الدولة سنويا دعما لاسعار بيع اللحوم خلال شهر رمضان المبارك بحيث تباع بنحو نصف ثمنها. بالاضافة الى ذلك بوشر بتقديم الاعانات الاجتماعية الى مواطني دولة الامارات العربية المتحدة على اثر حدود القانون رقم 13 لسنة 1972 في شأن الاعانات الاجتماعية. وقد حدد القانون الحالات التي تقدم فيها الاعانة بالارامل والمطلقات فضلا عن العجزة وكبار السن. ومنذ ذلك الوقت اصبح بوسع العديد من المواطنين التقدم بطلب الاعانة الشهرية في حالة اعتماد معيار معين لحدود دخل دنيا لهؤلاء لكي يصبحوا مشمولين بهذه الاعانات. كما دأبت الدولة على تقديم الاعانات العاجلة للاسر والافراد في حالات النكبات الخاصة والعامة واستمر العمل بالقانون المشار اليه حتى العام 77 حيث أُصدر قانون في شأن الضمان الاجتماعي الذي شمل تطويرا للقواعد المتبعة لتقديم المعاشات والمساعدات الاجتماعية ومساعدات النكبات. وتضمن القانون الجديد تقديم مساعدات شهرية الى فئتين ثم تحديدهما وهما فئة ذوي العاهات العاجزين عن العمل وفئة كبار السن من البالغين من الشيخوخة. ان الاجراءات الجدية والفاعلة التي اتخذتها دولة الامارات المتحدة منذ الايام الاولى لتأسيسها لحل ظاهرة التفاوت في توزيع الدخل بين الامارات الاعضاء وبين افراد المجتمع شكلت ركنا اساسيا في دعائم الاتحاد وثباته وبقائه مثالا يحتذى. ويلاحظ المختصون ان نجاح دولة الامارات على هذا الصعيد جنبها احدى اهم المشكلات والمعوقات التي اعترضت تجارب او مشاريع وحدوية اخرى ووفر لها منعة داخلية زادت من اسباب القوة والارادة على تحدي الصعوبات والاستمرار في مسيرة البناء الداخلي وفي الوقت نفسه دعم القضايا العربية وفي طليعتها قضية العرب الاساسية فلسطين, واحتلال دور رائد في جامعة الدول العربية وفي المنظمات الاقليمية الاخرى واكتساب احترام المجتمع الدولي. * كاتب لبناني