الملف السياسي : قضية (الوحدة) واحدة من القضايا التي شغلت الأمة بمثقفيها وسياسييها خلال العقود الماضية, ومنذ نشأت جامعة الدول العربية قبل قليل من منتصف القرن العشرين ودعوات الوحدة تتوالى ومشاريعها، لا ينقطع الحديث عنها على مختلف المستويات, ومن يتأمل الحصاد يجد وحدة مصرية سورية لم تكلل بالنجاح ووحدة مصرية ليبية سورية لاقت المصير نفسه, وإن كانت قد مرت دون أن تترك جراحا في العلاقات العربية كسابقتها. وثمة مشروعات وحدوية لم تتجاوز طور الفكرة. غير أن مساعي التوحيد لم تنته جميعا إلى المصير نفسه, فقبل نشأة الجامعة نجح الملك عبد العزيز آل سعود في توحيد أجزاء من شبه الجزيرة مكونا مملكة مترامية الأطراف, ونجح الليبيون في جمع أقاليم الدولة الثلاثة في كيان سياسي واحد, وتوحد شطر اليمن بعد دفع ثمن باهظ لم تزل فاتورته ترهق كاهل المجتمع اليمني ولم تزل جراحه مفتوحة. وتظل وحدة إمارات الساحل الشرقي للخليج العربي درسا مهما يستحق التوقف, فهذه الوحدة تجربة لم تتكرر حتى الآن مرة أخرى, بل شهد الوطن العربي بعد نجاحها تمزق دولة مثل الصومال, وتعرض وحدة دول أخرى لمخاطر شديدة (السودان). والدرس الأول الذي ينبغي الاستفادة منه في تجربة الامارات هو إمكان تحقق الوحدة دون أيديولوجية وحدوية تدفع (الجماهير) إلى تحطيم الحدود المصطنعة بين أجزاء الوطن الواحد, إذ تمت عبر تراضي النخبة السياسية في عدد من هذه الامارات على ضرورة التحول إلى كيان سياسي واحد وإنضمام إمارات أخرى إليها في مرحلة لاحقة. ولعل هذه التجربة الوحدوية (غير الثورية) بالمعايير التقليدية تلفت النظر إلى أن القومية كأيديولوجيا ليست الدافع الوحيد لنجاح الوحدة, بل قد تكون عبئا عليها. كما أن مرونة الاطار السياسي الذي جمع أطراف هذا التعاقد أظهرت أن بعض المفاهيم التي كانت وحتى وقت قريب تبدو راسخة, هي تصورات يمكن الدفاع عنها نظريا أكثر مما يمكن الوصول عبر تطبيقها إلى نتائج عملية. فتحول الأجزاء في لحظة تاريخية (فارقة) إلى دولة واحدة مركزية تنتزع كل السلطات من الوحدات الأصغر المكونة لها مفهوم غربي لم ينجح, حتى في الغرب نفسه. ولعل هذا أحد أهم الأسباب التي عصمتها من أن تخوض غمار تجارب مؤسفة خاضتها أنظمة عربية أخرى, رغم أن المحيط الجغرافي القريب منها يضم وحدات سياسية أصغر منها حجما بشكل واضح. ولعل هذا الإدراك الناضج هو الذي مكنها أن تحقق بعد أقل من ثلاثة عقود بناء دولة عصرية واقتصادية ناهض جعلها تحتل المركز الأول عربيا في متوسط دخل الفرد وحجم الاستثمارات الخارجية. وليس من شك في أن تجربة الوحدة إنجاز يعود الفضل فيه إلى عوامل متضافرة بينها الحنكة التي يتمتع بها الشيخ زايد, وليس من شك أيضا في أنها تلفت النظر, وبقوة, إلى أن المصالح المشتركة والأطر المرنة أكثر قدرة على تحقيق نتائج عملية على أرض الواقع من الأحلام الطوبارية. وقد روى لي المفكر القومي الكبير- الراحل- د. عصمت سيف الدولة, أنه التقى في بداية عقد السبعينات أحد القادة العرب المشغولين بقضية الوحدة وسأله أن يقترح عليه إجراء يسهل إنجاز الوحدة العربية, فاقترح عليه المفكر الكبير الإبقاء على كل الأوضاع السياسية العربية كما هي, واتخاذ إجراء واحد لا يمس سيادة أي قطر عربي هو منح كل طفل يولد في العالم العربي جنسية واحدة هي (الجنسية العربية), على أن نترك لهذا الجيل الذي سيحمل هذه الجنسية مهمة إنجاز الوحدة حسب معطيات عصره, وسخر المسئول العربي من اقتراح المفكر الكبير لانه يعني تأخر الوحدة العربية لربع قرن على الأقل, وقد رحل الدكتور عصمت وأهملت فكرته, أما الوحدة العربية فصارت أبعد كثيرا مما كنا نظن, ولعل هذا الدرس هو نفسه ما وعاه الشيخ زايد وإخوانه, أن ما يبدو في نظر البعض قليلا ليس في الإمكان انتظار ثماره هو ما يمكن البناء عليه لإنجاز الكثير. * كاتب مصرى