منذ اللحظات الاولى لقيام دولة الامارات العربية المتحدة التي جاءت تجسيدا صادقا لارادة وتطلعات ابناء الامارات العربية وامانيهم الوطنية ادرك صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة، ان العمل الوطني الكبير الذي خاضه مع اخوانه حكام الامارات لم يكتمل بإقامة الدولة وإن اقامة الدولة انما هي بداية الطريق من اجل المستقبل المأمول وان تحديات كبيرة تنتظر ابناء هذه الدولة الفتية. ولأن الانسان يعد دائما الركيزة الاساسية في اي بناء حضاري ولانه ايضا هو الذي يقوم بعملية البناء هذه فقد حرصت القيادة الوطنية الحكيمة لهذه الدولة الشابة على توفير اقصى درجات الاهتمام بعملية بناء الانسان وتهيئته للقيام بالمهام الجسام المطلوبة منه في هذا البلد والحقيقة اننا لو اردنا تتبع نشاط الدولة في هذا المجال والذي جاء دائما بتوجيهات ومتابعة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة لوجدنا ان مثل هذه العجالة لا تكفي لاعطاء هذا الجانب حقه نظرا للمجهود الكبير المتشعب الذي قامت به الجهات المسئولة في هذا الاتجاه والذي شكل ثورة حقيقية بكل ما تعني به الكلمة, ففي الوقت الذي اقيمت فيه دولة الامارات العربية المتحدة وضعت الجهات المختصة الدراسات اللازمة واخذت تبحث بجد عن الوسائل والاساليب الكفيلة بنقل الانسان في الامارات الى العصر الجديد والقضاء على مظاهر التخلف التي كانت سائدة نظرا للظروف القاسية التي مرت بها المنطقة ولا سيما الاحتلال البريطاني. اما الخطوات التي اتبعتها الدولة فقد بدأت اولا بتوطين البدو وتوفير اماكن الاقامة المناسبة لهم سعيا وراء تحقيق التنمية الاجتماعية بالشكل الامثل لا سيما وأن بناء الدولة وتحقيق الآمال المرجوة منها لابد ان يكون عاما يشارك فيه كل افراد المجتمع بدون استثناء كما رافق ذلك اهتمام كبير بتحسين وتنمية البادية وتعميرها وتنفيذ الكثير من المشروعات الانعاشية فيها ذلك ان مفهوم التنمية يعني بناء القوة الذاتية للمجتمعات لكي تصبح قادرة على النمو والنهوض وتفجير الطاقة الذاتية الكامنة في اعماقها. ثانيا: انطلاقا من اهمية المعرفة والعلم في تكوين الانسان واعداده فقد بذلت الدولة منذ انشائها مجهودا جبارا يشبه المعجزة من اجل رفع سوية المعرفة ونشر العلم في صفوف المواطنين بدون ادنى تمييز بيد رجل امرأة او كبير وصغير حتى اضحى العلم والقضاء على الامية والجهل هدفا اساسيا في هذه الدولة الفتية. كما سخرت الدولة كل الامكانيات اللازمة لتطوير المعاهد والجامعات فيما بعد في اطار خطط التنمية البشرية الطموحة التي اعتمدتها واستطاعت ان تحقق في هذا المجال قفزة نوعية اهلها للحصول على المركز الخامس والاربعين في دليل التنمية البشرية للعام 1995 الذي صدر ضمن تقرير التنمية البشرية للامم المتحدة وبالتوقف عند التفاصيل ونحن نتحدث عن التعليم في الامارات والذي يعتبر اساسا في اي عملية حضارية نرى ان مجتمع الامارات شهد في ظل الاتحاد تحولات جذرية كبيرة على مستوى الثقافة بشكل عام. وساهمت هذه التحولات في نقل هذا المجتمع الى نور المعرفة والتواصل والتلاقي الفكري والثقافي والمعرفي مع ثقافات العالم الاخرى وحضارته. ونتيجة لذلك برزت في دولة الامارات العربية المتحدة شريحة اجتماعية جديدة ساهمت في دفع عجلة التطور والنمو قدما الى الامام من خلال طرح الافكار النهضوية الجديدة. كما تبوأت هذه الشريحة مراكز المسئولية المهمة في مختلف مرافق الدولة وهذه الشريحة كما هو معروف هي فئة الشباب المثقفين وخريجي الجامعات والفنيين الاداريين الذين يعتبرون بحق البناة الاساسيين لصرح دولة الامارات العربية المتحدة والذين يقول فيهم صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة: (ان نظرة واحدة الى مختلف المواقع السياسية والاقتصادية والتنفيذية والاعلامية في البلاد نجد على رأسها ابناء البلد المتعلمون الذين حصلوا على خبرات تمكنهم من ان يقوموا بأعمال تفيد البلاد وتدفعها الى الامام ولعل الكثيرين يعجبون من ان هذه الدولة تعطي المناصب الكبرى في الوزارات والسفارات للشباب, وكان يقال انهم اقل خبرة ولكنني اقول دائما انني أؤمن بالشباب ولابد ان يتولى المسئولية الشباب المثقف من ابناء البلاد, فالشباب لا ينقصه الحماس وما دام متحمسا ومؤمنا بوطنه فإنه قادر على استيعاب كل جديد, ولقد كانت تجربتنا في هذا الميدان ناجمة وكل ما ترونه الآن في دولة الامارات العربية المتحدة هو اولا من صنع ابنائها ونحن نسعى جادين الى تدريب ابنائنا وتعليمهم ولن يمضي وقت طويل قبل ان يتم ذلك وابناء البلاد يحتلون الآن كل المواقع المهمة). في الحقيقة ان هذه الكلمات لصاحب السمو رئيس الدولة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان هذا الرجل الذي آمن بقوة بأهمية الفرد في بناء المجتمع وصنع الحضارات تدل بوضوح على بعد النظر والرؤية الحكيمة التي يتمتع بها كما تدلل على مدى صدق وجدية القيادة الرشيدة في دولة الامارات في قبولها تحديات المستقبل اذ انه لا يختلف اثنان على ان التعليم ورفع السوية الثقافية في اي مجتمع الركزية الاساسية لتنشئة الاجيال كما ان التعليم يعتبر المقياس الاهم في معرفة تقدم الشعوب ومدى رقيها واذا كان التعليم هو عملية تزويد الاجيال الناشئة بمختلف انواع العلوم والمعارف فإن التربية هي التي يناط بها تحديد النظريات والاهداف والوسائل التي يجب اتباعها من اجل عملية تعليمية ومفيدة وذات نتائج صحيحة. وفي دولة الامارات العربية المتحدة وانطلاقا من ذلك كله وضعت القيادة وعلى رأسها صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان نصب اعينها اولا واخيرا بناء الانسان الذي يعد الركيزة الاساسية لمواجهة المستقبل فسخرت كل الامكانيات المادية والعلمية والمعرفية والمعنوية في خدمة العملية التربوية. وخلال عمر الاتحاد المبارك تطور التعليم في الامارات الامر الذي انعكس بفوائده ومنذ السنوات الاولى لقيام الدولة على المستوى الثقافي لشعب الامارات كما انه حقق الاهداف التي وضعتها الدولة وعلى رأسها ديمقراطية التعليم. واذا استعرضنا ابرز الخطوات التي قامت بها الدولة منذ قيامها نرى انه منذ عام 1971 تاريخ ميلاد هذه الدولة الشابة حرصت على ان تجعل من السياسة التربوية التعليمية جزءا لا يتجزأ من سياستها العامة كما تبنت فلسفة تربوية منبثقة عن الاهداف التي حددها الدستور الاتحادي حيث تقرر ان يصبح التعلم في كل الامارات تابعا لوزارة اتحادية كما نظمت الدولة القطاع التعليمي واصدرت التشريعات واللوائح المنظمة للعمل في هذا القطاع. ففي يوليو عام 1972 اي بعد سنة واحدة على قيام الدولة صدر القانون رقم (1) الذي نظم اختصاصات الوزارات وصلاحياتها دخول وزارة التربية والتعليم والشباب مسئولية الاضطلاع بنشر التعليم وتوفيره لكل مواطن. وفي الخامس من يناير عام 1987 ألزم مجلس الوزراء المؤسسات التربوية بالعمل على تحقيق خمس غايات اجتماعية عليا هي: 1ــ الترجمة العلمية لطموحات بناء الانسان الصالح. 2ــ العمل على تكوين المواطن حضاريا وثقافيا وفق احدث مضامين الفكر الانساني والتقدم التقني. 3ــ المعاونة على تحقيق مزيد من انتماء المواطن لارضه وللعروبة والاسلام. 4ــ السعي نحو تحويل العلم والمعرفة الى حيث يقيم المواطن . 5ــ التوزيع المتكافئ للخدمات والانشطة التربوية التعليمية. وقد لعبت هذه التشريعات دور الحوافز الدافعة الى تحقيق الاهداف التي وضعتها الدولة في مجال التعليم. وعمدت الدولة ايضا في مجال التعليم الى اعداد سياسة تعليمية متكاملة وذلك من خلال اعداد مجموعة برامج ومشاريع منها: 1ــ برنامج تطوير مرحلة رياض الاطفال. 2ــ مشروع تطوير التعليم الثانوي. 3ــ مشروع تطوير الانشطة التربوية. 4ــ مشروع الارشاد التربوي. 5ــ مشروع رعاية الموهوبين والمتفوقين. 6ــ مشروع تطوير التربية الخاصة. 7ــ مشروع جهود محو الامية.. الى آخره من المشاريع التي تهدف الى تطوير المؤسسات التعليمية المختلفة. ويعكس الواقع الحالي لدولة الامارات العربية المتحدة بالنسبة للتعليم في جميع مراحلة صورة مذهلة لحجم التطور الذي طرأ عليه حيث تزايد عدد المدارس الحكومية والخاصة بشكل كبير كما ان ميزانية وزارة التربية والتعليم زادت هي الاخرى ايضا نظرا لحجم الاعباء الملقاة على عاتقها وفي احصائية قدمها الكتاب السنوي لدولة الامارات في عام 1998 جاء ان ميزانية الوزارة في عام 1998 بلغت اكثر من ثلاثة مليارات و485 مليون درهم مقابل ( 19.3) مليارات درهم في عام 1997 كما انتظم مع بداية العام الدراسي 98ــ1999 اكثر من 315 ألف طالب وطالبة في 672 مدرسة حكومية تضم نحو 12 ألف فصل مدرسي فيما بلغ عدد اعضاء الهيئة التعليمية والفنية والادارية 27 ألفا و620 عضوا من بينهم 23 ألفا و570 معلما ومعلمة منهم حوالي 6 آلاف و350 مواطنة و650 مواطنا ونحو الفين و450 اداريا وادارية منهم حوالي 1500 مواطنة و500 مواطن و1700 فني وفنية منهم 850 مواطنة و150 مواطنا. كما انتظم في العام نفسه اكثر من 200 ألف طالب وطالبة في نحو 400 مدرسة خاصة ليرتفع عدد المدارس الحكومية والخاصة الى نحو 1072 مدرسة تضم اكثر من نصف مليون طالب وطالبة. اما بالنسبة للجامعات فإن الدولة لم توفر اي جهد في هذا المجال حيث انتشرت الجامعات في اكثر من امارة واصبحت اعداد الخريجين الجامعيين تزداد سنة بعد سنة فبعد ان كان هناك جامعة واحدة في عام 1976هي جامعة الامارات التي اقيمت في مدينة العين نرى ان هناك العديد من الجامعات والكليات الآن حيث انشئت جامعات عديدة حكومية وخاصة مثل جامعة البيان في ابوظبي وجامعة الشارقة والجامعة الامريكية في الشارقة وجامعة عجمان وكلية دبي الاسلامية والعلوم الطبية في دبي بالاضافة الى الكليات المتخصصة التي تتبع لمؤسسات حكومية او خاصة مثل كلية الافق التابعة لمطار الشارقة الدولي وكلية الطيران في دبي وغيرها من الكليات وكما احدثت في عام 1991 وزارة متخصصة لتنظيم مؤسسات التعليم العالي والاشراف عليها هي وزارة التعليم العالي والبحث العلمي. وتعزيزا للتعاون الاقليمي الدولي بين دولة الامارات العربية المتحدة ودول العالم في ميادين التعليم والعلوم والثقافة اصدر مجلس الوزراء في 9 سبتمبر عام 1997 قرارا بتشكيل اللجنة الوطنية لدولة الامارات العربية المتحدة للتربية والثقافة والعلوم برئاسة وزير التربية والتعليم وعضوية تمثيل عن وزارات الخارجية والاعلام والثقافة والتعليم العالي والبحث العلمي والزراعة والثروة السمكية اضافة الى تمثيل للمؤسسات والهيئات والجمعات والشخصيات المعنية بالتربية والعلوم والثقافة. واذا كانت دولة الامارات العربية المتحدة برئاسة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة قد اولت العلم والتعليم كل هذا الاهتمام فإنها في الوقت ذاته ادركت بسبب الحكمة وبعد النظر التي تتمتع بها قيادتها الوطنية انه لتحقيق الفوائد المرجوة من النهضة العلمية لابد اولا من توفير الشروط الصحية التي تساعد على وجود الانسان السليم والمعافى, ولذلك وحرصا منها على تحسين معيشة ابن الامارات اهتمت الخطط الحكومية وبشكل لافت للنظر بتحسين الاوضاع الصحية للمواطنين والمقيمين على ارض الدولة كما تصدرت الخدمات الصحية والطبية اولويات اهتمام صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئس الدولة الذي يؤكد دائما على اهمية الفرد في بناء المجتمع. ونرى هذا الاهتمام من الناحية الصحية من خلال ما جاء في المادة رقم (10) من الدستور المؤقت الذي اقر بعد قيام الاتحاد حيث جاء في هذه المادة (يكفل المجتمع للمواطنين الرعاية الصحية ووسائل الوقاية والعلاج من الامراض والاوبئة ويشجع على انشاء المستشفيات والمستوصفات ودور العلاج العامة والخاصة) ونلاحظ عن قراءتنا للفترة التاريخية التي اعقبت اقامة الاتحاد بين الامارات العربية السبع ان هناك تغييرا ايجابيا ملموسا وكبيرا قد طرأ على جميع انشطة التنمية الصحية مما يدلل بوضوح على مدى فعالية ونجاح البرامج المطبقة في هذا المجال. ولتوضيح ما نقول يكفي ان نذكر على سبيل المثال لا الحصر ان عدد وفيات الاطفال الرضع قد انخفض الى اقل من 9 بالالف بينما انخفض معدل وفيات الاطفال حديثي الولادة الى ما يقارب 14 بالالف وهذا بالطبع اضافة الى التراجع الملحوظ في معدلات حدوث الامراض بل وحتى اختفاء بعض الامراض نهائيا من الامارات بفضل الرعاية المستمرة التي توفرها الدولة تحت شعار (الصحة للجميع). ولم تكتف القيادة السياسية الحكيمة في دولة الامارات العربية المتحدة برئاسة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بهذا وانما اولت ايضا عناية خاصة بالشباب والطاقة الشبابية في المجتمع فشجعت اقامة الاندية الرياضية المختلفة في كافة انحاء الوطن ايمانا منها بأهمية الرياضة في تهذيب الخلق العام وتطوير العلاقات بين الناس. وهكذا وبفضل السياسة المدروسة والواعية التي انتهجتها الدولة بتوجيهات مباشرة من صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ومتابعة مخلصة وصادقة من الجهات المسئولة كافة استطاعت هذه الدولة الغنية ان تكون مثالا يحتذى ليس في منطقة الخليج العربي فحسب وانما على المستوى العربي والعالم ايضا كما استطاع ابناء الامارات العربية المتحدة دخول ابواب العلم والمعرفة بكل ثقة وجدارة وتمكنوا بفترة قصيرة نسبيا من استيعاب علوم العصر والتفوق فيها, فكانوا على الدوام رسالة الامارات الى العالم ووجهها الناصع المشرق. مما اكسبهم ثقة العالم واحترامه واكسب دولة الامارات العربية المتحدة بقيادة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة سمعة حسنة تثبت ان عظمة الدول لا تقاس ابدا بمساحتها الجغرافية او عدد سكانها وانما بمواقفها الكبيرة ومقدرتها على مواجهة تحديات العصر بشجاعة واقدام. كاتب فلسطيني