ميزان اسرائيل العسكري والوجود الأمريكي في التوازنات الاستراتيجية العربية

بيان الاربعاء : قضيتان تشغلان مراكز الدراسات الاستراتيجية حاليا, في ظل تفجر الاوضاع في الشرق الأوسط, هما: التوازنات الاستراتيجية بين العرب واسرائيل, والتواجد العسكري الامريكي في الخليج العربي. اهمية التوازنات الاستراتيجية بين العرب واسرائيل تأتي من باب قياس القوة العربية والقوة الاسرائيلية حيث تذهب توقعات المراقبين ان اسرائيل التي ضمنت دائما تفوقا عسكريا على جيرانها تتجه نحو تركيع المنطقة بالقوة وهو نفس المنطق الامريكي في اليمن على العالم. وتأتي اهمية التواجد العسكري الامريكي في الخليج العربي من كون انتفاء ضرورة هذا التواجد واستهلاكه لميزانيات انفاق عالية اضافة لكونه يعد ظهيرا عسكريا وبعدا استراتيجيا لاسرائيل في ما لو ارادت اسرائيل خوض حرب مع العرب. هاتان القضيتان تناولهما المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية بدءا من قضية التسلح وانتهاء بمستقبل الوجود الامريكي في الخليج. على صعيد التوازنات الاستراتيجية, أثار التقرير السنوي الجديد (الميزان العسكري) وهو أحد الإصدارات التي يصدرها المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن وقد تأسس هذا المعهد في عام 1958 وهو عبارة عن مركز أبحاث ومعلومات ومناقشات حول قضايا الصراعات التي لها أو يمكن أن يكون لها مضمون عسكري هام, وكتاب التوازن العسكري يتم تحديثه كل عام لتقديم تقييم دقيق عن القوات العسكرية والنفقات الدفاعية لحوالي 180دولة العديد من التساؤلات حول التوازنات الاستراتيجية بين العرب وإسرائيل خاصة وأنه تزامن مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية وتصاعد حدة التوتر في المنطقة ويستعرض تقرير (الميزان العسكري) القوات المسلحة في الدول شارحاً بالتفصيل تعداد عناصرها وطبيعة تشكيلاتها وكميات الأسلحة والمعدات البرية والجوية والبحرية المتوافرة لديها. وانطلاقاً من هذا يمكن تناول قضية التسلح وتداعياتها في الشرق الأوسط من عدة زوايا لالقاء الضوء على تصعيد التسلح في ظل احداث المنطقة. الشرق الاوسط والميزان العسكري يشير تقرير الميزان العسكري إلى تراجع فرص السلام في الشرق الأوسط بعد تبخر الآمال التي كانت معقودة على وصول باراك إلى رئاسة الوزراء في إسرائيل, وقد شمل هذا التراجع المسارين السوري والفلسطيني وذلك في أعقاب فشل قمة جينيف التي عقدت في ربيع العام الماضي بين الرئيس الأمريكي بيل كلينتون والرئيس السوري الراحل حافظ الأسد, ومن ثم وفاة الأسد بعد ذلك بفترة وجيزة ومع المسار الفلسطيني بعد فشل القمة الثلاثية بين كلينتون وباراك وعرفات في كامب ديفيد. ولعل التطور الاستراتيجي الأكثر أهمية هو انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان ولكن رغم ذلك فإن الوضع في منطقة الشرق الأوسط لا يزال بعيداً عن الاستقرار بسبب الفراغ الذي نجم عن هذا الانسحاب. ويشير التقرير العسكري إلى أن حزب الله تمكن من سد هذا الفراغ بسرعة ودون حوادث تذكر ولكن لايزال هناك قدر من الغموض وعدم الوضوح فيما يختص بمسئولية المحافظة على الأمن في المنطقة. وفي نهاية تقديره للأوضاع الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط يعرب تقرير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية عن احتمالات عدم التوصل إلى تسوية دائمة على أي من المسارات التفاوضية في الوقت الحاضر أو في المستقبل المنظور. وقد رصد التقرير عدداً من التطورات التي شهدتها المنطقة على الصعيد العسكري والتسليحي ويمكن إبرازها على النحو التالي: 1ـ بدأت إسرائيل في نشر نظام الدفاع الجوي الاستراتيجي المضاد للصواريخ (أرو) الذي تم العمل على تطويره بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية وبالاعتماد على تمويلها, وقد استغرق نحو 15عاماً متواصلة, وقد قامت إسرائيل بنشر بطارية واحدة من هذا النظام على أن تستكمل نشر باقي النظام وإدخاله إلى الخدمة الفعلية خلال عام 2003. 2ـ رصدت إسرائيل خلال عام 1999 نحو 8.8 مليار دولار للإنفاق الدفاعي وهو ما يشكل 9% من ناتجها القومي الإجمالي وهذه النسبة منخفضة عن الأعوام الماضية بسبب ارتفاع الناتج القومي الإجمالي من جهة, وارتفاع حجم المعونات العسكرية الأمريكية التي تحصل عليها إسرائيل من جهة أخرى, والتي يقدر مجموعها حالياً بنحو ملياري دولار وسترتفع حتى تصل إلى 4.2مليار دولار سنوياً في عام 2005. 3ـ زيادة التعاون العسكري بين إسرائيل وألمانيا, حيث حصلت إسرائيل على صفقة من ثلاث غواصات هجومية جديدة من فئة دولفين وقد تم تسليم الغواصة الثالثة قبل أيام فقط. 4ـ قيام الولايات المتحدة باستكمال تزويد القوات الجوية الإسرائيلية بـ 25مقاتلة هجومية بعيدة المدى من طراز (ف ـ 15) والتعاقد على تزويد هذه القوات بـ50 مقاتلة إضافية جديدة متعددة الأغراض من طراز (ف ـ 16ف فالكون) سوف يتم تسليمها العام المقبل. المنطقة العربية في الميزان العسكري أما فيما يتعلق بالمنطقة العربية فقد أورد تقرير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في تقريره السنوي الجديد عدداً من التطورات العسكرية والتسليحية على المستوى العربي ومنطقة الخليج على النحو التالي: * أن القوات المسلحة المصرية باتت هي القوة العسكرية العربية الوحيدة التي تتقارب من حيث الكم والنوع تسليحاً وتجهيزاً وتدريباً مع نظيرتها الإسرائيلية, ويشير التقرير على سبيل المثال إلى ان القوات المصرية تسلمت مؤخراً 555 دبابة قتال رئيسية أمريكية جديدة من طراز (م ـ 1 أبرامس), وسوف تتسلم نحو 200 دبابة أخرى من هذا الطراز من واشنطن, علاوة على المعدات العسكرية الأخرى التي حصلت عليها من الطائرات والصواريخ. * ان هناك جهودا كبيرة تبذلها سوريا بهدف تطوير قدراتها العسكرية وخاصة في مجال التعاون مع روسيا ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد إلى موسكو عام 1999 قد أتت بثمارها خلال هذا العام. * أما فيما يتعلق بمنطقة الخليج فقد أورد تقرير (الميزان العسكري) أبرز التطورات التسليحية التي شهدتها منطقة الخليج وكان أهمها توقيع الإمارات على صفقة طائرات أمريكية تقدر قيمتها الإجمالية بحوالي 9مليار دولار وهي تتضمن 80 مقاتلة متعددة الأغراض من طراز (ف ـ 16فالكون) إلى جانب صواريخ وذخائر ومعدات وخدمات متنوعة ملحقة بها, ومن المفترض أن تحصل الإمارات على هذه الصفقة عام ,2002 كما تعاقدت الإمارات مع فرنسا كذلك في صفقة قيمتها نحو 6.3مليار دولار لتحديث طائرات ميراج إلى طراز (ميراج 2000 ـ 9) المحسن, ويشير التقرير إلى أن دولة الإمارات تعتبر من أكثر الدول الخليجية اهتماماً بتطوير قدراتها الدفاعية خلال الفترة الماضية. * على الجانب الآخر من الخليج, يشير التقرير إلى التطورات التسليحية والعسكرية في إيران والتي تمثل أكبر هاجس أمني يثير قلق إسرائيل والولايات المتحدة, وفي هذا الصدد يرصد التقرير التعاون العسكري بين إيران وكل من كوريا الشمالية والصين وروسيا, والاتجاه الإيراني لتطوير قدرات صاروخها (شهاب ــ 3) حتى يصبح هناك (شهاب ـ 4) يصل مداه إلى ثلاثة آلاف كيلو متر, ثم تطويره إلى (شهاب ــ 5) ويصل مداه إلى خمسة آلاف كيلو متر وسوف يدخل نطاق الخدمة الفعلية في عام,2005 علاوة على ذلك رصد التقرير مجالات التعاون الإيراني مع موسكو في مجال المعدات القتالية الحديثة بشتى أنواعها مؤكداً على أن إيران تحصل على دبابات وعربات مدرعة ومدافع وراجمات ميدانية وطائرات قتالية وطائرات تدريبية وصواريخ من فئات متنوعة. الدعم الامريكي لاسرائيل ومن ضمن التساؤلات التي أثارها تقرير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية لعام 2000 ـ 2001 عن دور الولايات المتحدة الأمريكية في دعم وترجيح التوازن الاستراتيجي والعسكري لصالح إسرائيل على حساب الدول العربية. فالعلاقات الأمريكية الإسرائيلية على المستوى العسكري مرشحة بدورها لكي تنتقل إلى طفرة نوعية غير مسبوقة بينهما تمكن إسرائيل من تحديث ترسانتها العسكرية التقليدية على المستويين الكمي والنوعي بشكل يضمن لها التفوق التقني إلى أبعد مدى على المستوى الإقليمي, وثمة عاملين سوف يساعدان على تعزيز تلك النقلة النوعية: 1ــ قرار باراك خلال مفاوضات كامب ديفيد الثانية في شهر يوليو الماضي بتجميد صفقة طائرات الفالكون للصين وهي الصفقة التي كانت تعول عليها الصناعات العسكرية الإسرائيلية كثيراً من أجل فتح أسواق جديدة لصادراتها في آسيا ورغبة الولايات المتحدة في تعويض إسرائيل عن خسارة تلك الصفقة. 2ــ إمكانات التسوية السياسية الواردة على المسارين السوري والفلسطيني ورغبة أمريكا في تعويض إسرائيل مادياً ومعنوياً من جراء انسحابها من جنوب لبنان أو ما يسمى بعمليات تمويل التسوية. وبالنظر إلى هذين المحورين نجد أن إسرائيل قد حققت العديد من المكاسب العسكرية على صعيد تطوير علاقاتها الاستراتيجية بالولايات المتحدة الأمريكية إلى مستويات غير مسبوقة من قبل. فعلى المستوى الأول: والخاص بإلغاء صفقة الفالكون حققت إسرائيل المكاسب العسكرية الآتية: ــ تراجع الولايات المتحدة عن مطلبها الخاص بفرض رقابة مشددة على جميع الصادرات العسكرية-الأمنية التي تدخل فيها تقنيات أمريكية لطرف ثالث, بحيث أصبحت إسرائيل تستطيع تصدير معدات عسكرية-أمنية إلى كل الدول الآسيوية ماعدا الصين وتايوان والهند وباكستان. ــ وعد الو لايات المتحدة بفتح المجال أمام إسرائيل للتزويد بمنظومات أسلحة أمريكية متطورة وبعيدة المدى تشمل نوعية من الصواريخ لم تحصل إسرائيل عليها من قبل, هذا الوعد من شأنه أن يدعم ويمكن إسرائيل من تحسين قدراتها العسكرية ومواصلة التفوق النوعي على حساب الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط ككل. ــ إحداث نقلة نوعية في المناورات العسكرية بين الجانبين, إذ بالإضافة إلى عمليات اختبار الأسلحة, ومدى الاستعداد القتالي واستيعاب الأسلحة الجديدة, فقد تقرر أن يجري الجيش الإسرائيلي بالتعاون مع الجيش الأمريكي مناورات عسكرية واسعة النطاق في غضون الشهرين المقبلين في البحر المتوسط, وسوف تحتوي تلك المناورات الجديدة على كيفية قيام الولايات المتحدة بتزويد إسرائيل بمعدات حربية في أوقات الطوارىء والأزمات. أما على مستوى التسوية: فإن نوعية المكاسب التي نالتها إسرائيل كانت هي الأوسع نطاقاً: 1ــ التوقيع على مذكرة تفاهم تضمن التزام الولايات المتحدة بالاستمرار في تقديم المساعدات السنوية الأمريكية لإسرائيل على المدى البعيد. بحيث تصل إلى 4.2مليار دولار بعد إلغاء المساعدات الاقتصادية في عام ,2008 وحتى تتمكن إسرائيل من الحفاظ على التفوق الاستراتيجي والعسكري عل ى حساب العرب. 2ــ التوقيع على اتفاق جديد ينص فيه صراحة على كون إسرائيل هي حليف استراتيجي مهم للولايات المتحدة على أن يشمل الاتفاق التزام الولايات المتحدة بالمحافظة على قوة الرد الإسرائيلية والحفاظ على تفوقها التقني عسكرياً بالمنطقة. 3ــ وعد الرئيس الأمريكي كلينتون برفع مستوى العلاقات الأمنية بين البلدين بعد قمة كامب ديفيد, الثانية, تتضمن اتفاقاً للدفاع المشترك ضد الصواريخ غير التقليدية والكيماوية والبيولوجية والنووية, وهناك لجنة بالفعل لصياغة مسودة هذا الاتفاق برئاسة ريتشارد كلارك المسئول عن مكافحة الإرهاب في مجلس الأمن القومي الأمريكي, وسفير إسرائيل في الولايات المتحدة. 4ــ رزمة مساعدات عسكرية خاصة لتحديث الجيش الإسرائيلي أمام التهديدات الإيرانية والعراقية على خلفية قيام إيران باختبار الصاروخ (شهاب ـ 3) وسوف تشمل الصفقة طائرات للإنذار المبكر وصواريخ أرض ــ أرض متطورة, ودعم الولايات المتحدة امتلاك إسرائيل منظومة صواريخ (آرو) من الجيل الثالث لتوفير الحماية لها من الهجمات الصاروخية المحتملة. والأهم من ذلك هو مشاركة إسرائيل في برنامج حائط الصواريخ الأمريكي الجديد, لتطوير تقنيات وأنظمة جديدة بهدف مواجهة الصواريخ الباليسيتية, بالإضافة إلى تمويل شراء 50طائرة حربية من طراز (ف-16). وهكذا سعت الولايات المتحدة بشتى الطرق إلى حفاظ إسرائيل على قوتها وترسانتها العسكرية على حساب الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط, الأمر الذي يخل في النهاية بميزان التوازن العسكري والاستراتيجي في المنطقة ولعل هذا ما يعكسه تقرير (الميزان العسكري) لعام 2000 ـ 2001. التوازن النووي حرصت إسرائيل في مختلف المراحل التاريخية المتصلة بمسألة امتلاكها أسلحة نووية على التأكيد على أنها لا تمتلك أسلحة نووية وأنها لا تنوي إنتاجها ما لم تقدم الدول العربية على غير ذلك, وفي الوقت نفسه عملت إسرائيل دائما على جعل العرب في موقف الشك القوي بأن لديها أسلحة نووية واستخدامها هذا الشك بطريقة غير مباشرة لتدعيم قوة الردع في نفوسهم. وقد كشفت إحدى الدراسات حديثاً أن إزالة الأسلحة النووية الإسرائيلية مازالت غير واردة لدى القيادة الإسرائيلية وكذلك على مستوى الفكر الاستراتيجي, حيث لم يتم حتى الآن الاقتناع بفكرة التخلي عن الأسلحة النووية بعد تحقيق السلام, نظراً لحاجة إسرائيل ـ من وجهة نظرهم ــ للسلاح النووي للحفاظ على ما تم التوصل إليه بالسلام, بالإضافة إلى تهديدها من جانب بعض دول المنطقة مثل إيران, أو للمحافظة على التوازن الإقليمي من وجهة النظر الإسرائيلية, أي أن الرؤية الإسرائيلية للأسلحة النووية تتمثل في التمسك بتلك الأسلحة ضمن تسوية الصراع العربي ـ الإسرائيلي, كما أن إخلاء المنطقة من الأسلحة النووية والذي كان مطروحاً في بداية التسعينيات يصعب تحقيقه على المدى القريب. بل ويواجه العديد من المشكلات التي يصعب حلها وخاصة بعد تعثر عملية السلام, ولا يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية ترغب في ممارسة ضغوط على إسرائيل لإنشائها منطقة خالية من الأسلحة النووية, والموقف الأمريكي من الأسلحة النووية الإسرائيلية يتناقض مع موقفها من دول أخرى في المنطقة مثل العراق, بل وموقفها من مناطق أخرى من العالم. والواضح إذن أن عملية إيجاد منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط قد أصبحت مرهونة بحدوث تغييرات في الموقف الإسرائيلي أو الأمريكي, وعلى سبيل المثال إذا حدث تحول داخل المجتمع الإسرائيلي والقيادة الإسرائيلية يؤدي إلى وجود إدراك واقتناع بالتخلي عن الأسلحة النووية مثلما حدث في جنوب إفريقيا نتيجة التحول الداخلي فيها. وأما بالنسبة للموقف الأمريكي فيتوقف على حدوث تحول تجاه الأسلحة النووية الإسرائيلية واعتبارها مصدر تهديد أمني للمنطقة كلها, بل وللأمن القومي الأمريكي, كما أن الموقف العربي مرهون بامتلاك قدرات نووية سلمية تكون بمثابة عامل توازن يدفع إسرائيل نحو الدخول في مفاوضات جادة لإخلاء المنطقة من الأسلحة النووية.وعلى أية حال يمكن القول أن إسرائيل استخدمت مسألة التهديد بقدرتها على صنع الأسلحة النووية وليس الاعتراف الصريح بامتلاك الأسلحة المذكورة فعلياً, من أجل الحصول على مزيد من الأسلحة التقليدية المتطورة التي تجعلها بقضية سبق التسلح في المنطقة العربية, كما وجدت الولايات المتحدة الأمريكية في هذا التهديد الإسرائيلي مبرراً كافياً في الاستجابة للمطالب الإسرائيلية منعاً لبدء سباق تسلح نووي في المنطقة. وفي ذات الوقت فإن الولايات المتحدة ليست صاحبة مصلحة في تبني إسرائيل أسلحة نووية بصورة علنية مؤكدة نظراً لخطورة مثل هذا الموقف على سياستها المطالبة للدول العربية بعدم السعي للحصول على أسلحة نووية إلى حد فرضها عقوبات قاسية على العراق بسبب سعيه للحصول على أسلحة نووية وكيماوية وبيولوجية ولكنها ــ أي الولايات المتحدة ــ لم تمارس ضغوطاً على إسرائيل كي تنضم إلى معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية التي جرى تمديدها أبدياً في 12/5/, 1995 بل أيدت موقفها في الامتناع عن توقيع المعاهدة كما اتضح من تصريحات روبرت بلليترو مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط الذي قال فيه (ليس من الممكن المقارنة بين موقف مصر وإسرائيل من المعاهدة المذكورة على نحو متساو, حيث أن مصر لا تتعرض إلى تهديد من قبل أية دولة, ومن هنا فليست مصر في حاجة إلى السلاح النووي, وفي المقابل فإن إسرائيل تتعرض للتهديد من قبل كل العالم العربي, ولذلك سيصبح بوسعها التوقيع على هذه المعاهدة بعد إقرار السلام). وفي ضوء ما سبق يصبح التساؤل المطروح هو: كيف تتصرف الدول العربية في هذا المجال؟ في إحدى الدراسات التي أجريت مؤخراً حول التسلح النووي بين الدول العربية والإسلامية وإسرائيل, دعت هذه الدراسة إلى اتخاذ خطوات عملية لتدعيم وتفعيل الاستخدامات السلمية للطاقة النووية خاصة في مجالات تحلية المياه وإنتاج الكهرباء وضرورة أن يصاحب ذلك برنامج لتطوير التعليم والبحث العلمي والتنمية التكنولوجية, وخلصت هذه الدراسة إلى مطالبة الدول العربية بضرورة توطين التكنولوجيا النووية والاستفادة من التجربة النووية الهندية, وقدمت الدراسة بعض الدروس التي يستطيع العالم العربي أن يستفيد منها وهي: * وضع التكنولوجيا النووية والتكنولوجيا المتقدمة على قمة الأجندة الوطنية وتحت قيادة سياسية رفيعة المستوى في إطار سياسة الاعتماد على الذات بهدف اكتساب وتوطين التكنولوجيا النووية. * تنمية الموارد البشرية وإدخال المفاعلات الصغيرة كأداة تعليمية وبحثية وخدمية في الجامعات العربية والإسلامية. * تحديد برامج قطرية نووية في الدول العربية والإسلامية في مجالات البحوث والمفاعلات التجريبية لتحلية المياه. * البحث عن الخامات الذرية وبناء دورة الوقود النووي المصاحبة للمفاعلات وأن تمتلك الدول العربية والإسلامية اليورانيوم والتكنولوجيا النووية وتكنولوجيا الطاقة المتجددة. وفي النهاية تجدر الإشارة إلى ضرورة السعي لبناء قدرة نووية عربية تشتمل على التكنولوجيا النووية السلمية لتحقيق بعض التوازن مع القوة النووية الإسرائيلية وتسهم في إيجاد التوازن في المعرفة النووية عند الاتفاق على إخلاء المنطقة والتأكيد على الشفافية الكاملة للبرامج النووية السلمية العربية لتجنب التهويل والتضخيم من جانب المجتمع الدولي بما يدحض تلك البرامج والاستفادة من التجربة العراقية في ذلك, وتشجيع التعاون الفني بين الدول العربية في المجال النووي وزيادة تبادل الخبرة بين الكوادر العلمية والفنية وضرورة الأخذ بالبعد التكنولوجي في الأمن القومي العربي وذلك عند الحديث عن التسلح النووي. التوازن التكنولوجي يشكل بعد التوازن التكنولوجي أحد أهم الأبعاد في مسألة التوازن الاستراتيجي بين إسرائيل والدول العربية, وقد اهتمت إسرائيل منذ إنشائها بجلب العلماء والمهندسين والفنيين اليهود ضمن موجات الهجرة الأولى ليكونوا نواة القاعدة البشرية التكنولوجية ومنذ عام 1948 بذلت إسرائيل جهوداً نشطة في مجال صناعة الذخائر والمفرقعات داخلها, مستفيدة من جميع الخبرات المهاجرة إليها من دول غرب وشرق أوروبا والولايات المتحدة, كما أرسل بن جوريون 12 من العلماء اليهود في الطبيعة النووية إلى الولايات المتحدة للحصول على الخبرات النووية التي اكتسبتها أمريكا عقب تفجيرها النووي في اليابان عام ,1945 وكان هؤلاء هم القاعدة التكنولوجيا الأولى للبرنامج النووي الإسرائيلي, وقد ساعد إسرائيل بعد ذلك اعتمادها على فرنسا وبريطانيا في الخمسينيات والستينيات ثم بدءاً من السبعينيات كانت الولايات المتحدة هي المورد الأول للتكنولوجيا لإسرائيل, بحيث أصبحت قادرة على بناء أسلحة القتال الرئيسية (طائرات قتال ـ دبابات بحريات مدرعة). وقد ساعد إسرائيل على ذلك حجم المساعدات الأمريكية الضخمة التي تصل إلى 3 مليارات دولار, منها 8.1 مليار للمجال العسكري والباقي مخصص للمجال الاقتصادي. وقد ساهمت الجامعات الإسرائيلية والمعاهد العلمية, خاصة المتخصصة في المجال التكنولوجي وكذلك مراكز البحوث والتطوير العلمية والتكنولوجية المنتشرة في المصانع والمؤسسات العلمية والتبادل والتعارف العلمي والثقافي الذي تحرص عليه إسرائيل مع الدول المالكة للتكنولوجيا المتقدمة. كما تحرص وزارة الدفاع الإسرائيلية على تخصيص 5% من ميزانيتها لأغراض البحث والتطوير, بالإضافة لما تقدمه المؤسسات والمصانع المدنية من أموال للمراكز البحثية لخدمة أهدافها التصنيعية, وتعد مشاركة إسرائيل في برنامج (حرب النجوم) مبادرة الدفاع الاستراتيجي التي قررتها حكومة الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان في الثمانينيات أكبر دليل على رجوح كفة إسرائيل في الاستعانة بأحدث برامج التطوير التكنولوجي في المجالات العسكرية في العالم من أجل تحسين أنظمتها الدفاعية. وفي ضوء الأهداف والغايات القومية الإسرائيلية التي حددت للعقد الحالي حتى عام ,2010 تحدد الهدف السياسي التكنولوجي لإسرائيل على النحو التالي: تطوير البنية الأساسية القومية المقامة في مجالات العلوم والاتصال والتقنية الآلية, والصناعات كثيفة العلوم, خصوصاً في مجالات التكنولوجيا الحيوية, والميكرو إلكترونية والذكاء الصناعي, والأدمغة الإلكترونية وغزو الفضاء وأنظمة المعلومات بما يشكل ركيزة وقاعدة للانطلاقة التكنولوجية التي ستسود بها إسرائيل المنطقة خلال القرن الحالي, بحيث تكون مالكة لكل المعارف العلمية والتكنولوجية التي تملكها الدول العظمى, وبما يساعد على الانطلاق رأسياً وأفقياً في مجالات التنمية الشاملة, هذا هو الهدف السياسي التكنولوجي لإسرائيل عام 2010. أما الدول العربية فليس أمامها هدف سياسي تكنولوجي ولو لمدة عشرة أعوام فقط, ولكن كل ما تنفقه للحصول على خبرات تكنولوجية من الدول الكبرى يقع تحت طائلة القيود العسيرة التي تفرضها هذه الدول المتقدمة. خلاصة القول ان التوازن الاستراتيجي بكل عناصره بين الدول العربية وإسرائيل ستظل دوماً في صالح إسرائيل وبمساعدات أمريكية على حساب الدول العربية, الأمر الذي ينعكس على مسألة سباق التسلح في منطقة الشرق الأوسط في ظل تعثر عملية التسوية السياسية بين إسرائيل والدول العربية, ولعل الحقائق التي كشفها تقرير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن عن الميزان العسكري يؤكد على هذه الحقائق. الوجود الامريكي في الخليج بعد هذا الاستعراض لتوازن المنطقة العربية العسكرية واسرائيل, تأتي قضية الوجود الامريكي وما يثيره من اسئلة هيمنت على تقارير المراقبين لاسيما ـ منطقة الخليج ـ في اعقاب تفجير المدمرة الامريكية (كول) في عدن والذي راح ضحيته 17 عسكريا امريكيا. ولعل السؤال الاهم الذي سيطر على الاجواء في المنطقة بعد انفجار العنف الاسرائيلي هو: هل ثمة خطر أو تهديد حقيقي يواجه القوات الامريكية أو بالاحرى الوجود الامريكي في الخليج, وما خطورة استمراره؟ ويبدو أن ردود الافعال الامريكية كرست هذا السؤال بشدة, إذ صدر بيان امريكي مقتضب اشار إلى رفع درجة الاستعداد في القوات الامريكية في كل من قطر والبحرين فضلا عن تركيا, الامر الذي يوحي بأن شيء ما (يقلق مضاجع الوجود الامريكي في الخليج), علي حد تعبير احد المحللين. تمتلك واشنطن في هذه المنطقة وجودا عسكريا دائما متعدد الأوجه والمهمات والادوار لاسيما منذ حرب الخليج الثانية التي انتهت بتحرير الكويت في عملية (عاصفة الصحراء) والتي شارك فيها كثر من نصف مليون جندي امريكي, وتحتفظ واشنطن منذ ذلك الحين بشبكة واسعة من القواعد والمنشآت والتسهيلات العسكرية في عدد من دول الخليج إلى جانب الانتشار التقليدي لقواتها البحرية والجوية في البحار والمحيطات والممرات المائية بالمنطقة, وفي هذا الاطار وكجزء من الوجود الامريكي في الخليج, لا يمكن تجاهل الاطار الوثيق للعلاقات التي تربط الولايات المتحدة بالدول الحليفة, والصديقة لها في الشرق الاوسط, وهو اطار تعمل الادارات الامريكية منذ سنوات عدة عن الارتقاء به وتحويله إلى نظام أمني ودفاعي استراتيجي شامل. وعلى الرغم من ان حادث تفجير المدمرة الامريكية في عدن يعول عليه كثيرا في فتح ملف الوجود الامريكي في الخليج, الا ان ثمة عوامل اخرى اسهمت في تصاعد التساؤلات حول مستقبل هذا الوجود ومن هذه العوامل: * الاحتقانات التي تصاعدت في المنطقة اخيرا في ضوء الانحياز الامريكي الواضح لاسرائيل فيما يتعلق بمواقفها من انتفاضة الاقصى, وهو عكس التصور الامريكي للمنطقة بانها اصبحت خاضعة للنفوذ الغربي, سواء عسكريا أو سياسيا, وبالتالي فانه ليس ثمة امكانية لردود فعل شعبية حادة على المواقف الامريكية حتي لو تطرقت في انحيازها لاسرائيل. * تصاعد الشعور بأن القوات الغربية وتحديدا الامريكية باتت غير مرغوب فيها, وان عمليات الترويج والترويع لدول مجلس التعاون من خلال الاشارة إلى التهديدات الايرانية ـ العراقية اصبحت اقل جاذبية واقل مصداقية بكثير لدول مجلس التعاون. * ان فكرة الاحتواء المزدوج, والتي تعد الركيزة السياسية للتواجد الامريكي العسكري في الخليج, بدأ يشوبها بعض الخلل والضعف لاسيما مع النهج الامريكي الجديد في التعامل مع ايران, الامر الذي يلقي بشكوك حول مصداقية هذه السياسة. في ضوء ما سبق يبرز السؤال المحوري, ماذا عن الوجود الامريكي في الخليج؟ وهل سيتعرض هذا الوجود إلى المراجعة في ضوء ما يواجهه من تهديدات متعاظمة؟ ام ان الوجود بات امرا نهائيا لا يقبل المراجعة؟ استراتيجية امريكا في اطار التساؤل المطروح يمكن التفرقة بين اتجاهين رئيسيين: * الاتجاه الاول استراتيجي. * الاتجاه الثاني ايديولوجي اقتصادي. يرى الاتجاه الاول عدم المساس بالوجود الامريكي في المنطقة لاسيما في المدى المنظور, استنادا إلى جملة من المبررات اهمها: 1ـ ان هذا الوجود جاء في اطار استراتيجية امريكية لم تشارك فيها دول المنطقة, يتمثل هدفها المركزي في تحقيق وحماية المصالح الامريكية, وبالتالي فان الوجود الامريكي سوف يستمر في المنطقة لاعتبارات تتعلق بكل دولة خليجية على حدة, وفي اطار المنظومة الامنية في المنطقة التي تعتمد عليها الولايات المتحدة. 2ــ ان السنوات العشر الماضية, عززت موقع الولايات المتحدة في الخليج, وفي هذا الاطار رصد مركز الدراسات الاستراتيجية في واشنطن عددا من الظواهر رؤى أنها اسهمت في تعزيز هذا الوجود ومنها: (أ) تحول النظام الايراني إلى الاعتدال بالقياس إلى ما كان عليه في السنوات الاولى من الاطاحة بنظام الشاه. (ب) اضعاف النظام العراقي, الذي اصبح مقيدا بالعقوبات التي فرضتها الامم المتحدة, الامر الذي حال بينه وبين الحصول على اسلحة تقليدية رئيسية منذ اواسط عام ,1990 كذلك تعرض معظم المخزون العراقي من الاسلحة الكيماوية والبيولوجية والصواريخ للتدمير, هذا فضلا عن تدمير الكثير من مصانعه التي كانت تستخدم لانتاج الاسلحة الكيماوية والبيولوجية والنووية. (ج) نجاح الولايات المتحدة في تطوير مراكز القيادة والسيطرة في المنطقة, ونجاحها في الانفراد بقيادة العالم ـ وليس المنطقة فحسب ـ حيث لم تعد تواجه اي خطر روسي حقيقي أو اي خطر خارجي, لاسيما بعد ان اصبحت منطقة وسط آسيا عازلة بين روسيا وبين المياه الدافئة في الخليج, بينما يفرض الاسطول الامريكي سيطرة مطلقة في مياه الخليج والمحيط الهندي والبحر الاحمر. 3ـ ان الولايات المتحدة الامريكية نجحت ـ من خلال جولة وزير دفاعها في ابريل الماضي ـ على الحصول على موقف خليجي واضح يتعلق بمسألة الوجود العسكري لبلاده في المنطقة باعتباره وجودا ضروريا ومطلوبا تمليه مصالح الدول الخليجية والولايات المتحدة, كذلك نجاح الولايات المتحدة في التأكيد في الوقت ذاته على الالتزامات المتبادلة بين واشنطن ودول المنطقة الاخرى, مثل الكويت وقطر والبحرين, وفيما يختص بالوجود العسكري الامريكي والتسهيلات البرية والبحرية والجوية الممنوحة للقوات الامريكية في هذه الدول, لاسيما على صعيد منشآت التخزين والتركيز المسبق للقوات والتي تشكل اساسا حيويا لخطط الانتشار والتدخل العسكري الامريكي في المنطقة. الا ان ما سبق ذكره من عوامل تدعم وجهة النظر القائلة بعدم اجراء مراجعة للوجود الامريكي في المنطقة, تقابله عوامل اخرى ذات تأثير سلبي على الارجح, لا يمكن القول بانها تهدد استمرارية هذا الوجود في المنطقة, وانما تطرح وبقوة احتمال اعادة النظر في السياسة حيال المنطقة. ايديولوجيا واقتصاد وأمن يمثل الاتجاه الثاني عوامل ذات تأثيرات سلبية, كما اشارت التقارير والدراسات وهي كما رصدها مركز الدراسات الاستراتيجية في واشنطن فيما يلي: * أولا ـ عوامل اقتصادية: وتتمثل في تزايد اعتماد الاقتصاد العالمي ومن ضمنه الاقتصاد الامريكي على صادرات النفط الخليجية بما في ذلك الغاز, الامر الذي يخلق مشكلات اقليمية جديدة يتعين على الولايات المتحدة مواجهتها, وهي تلك الخاصة بالصعوبات التي تواجهها العراق وايران في ادامة وصيانة وزيادة طاقتهما الانتاجية بسبب العقوبات المفروضة عليهما من قبل الامم المتحدة والولايات المتحدة, مع ملاحظة ان الولايات المتحدة يتعين عليها التعاطي مع هذا الموقف دونما تقويض لسياسة الاحتواء المزدوج والتي تعطي شرعية لوجودها في الخليج. * ثانيا ــ عوامل ايديولوجية: وهذه العوامل تفصل بين الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج, ويأتي على رأس القضايا الخلافية الموقف من الصراع العربي الاسرائيلي, الذي يظل عاملا من عوامل التوتر, في ظل عدم اتفاق حول تسوية بعض القضايا الخاصة والتي يؤدي عدم تسويتها بصورة عادلة إلى نمو حركات مناهضة للوجود الامريكي في المنطقة. * ثالثا ــ عوامل عسكرية وامنية: حيث دفع التفوق العسكري القتالي الامريكي العديد من دول العالم إلى اللجوء إلى اساليب وطرق غير نظامية لمواجهة هذا التفوق في التكتيكات والتكنولوجيا والثورة في الشئون العسكرية, الامر الذي يمثل تحديا للقوات الامريكية في الخليج والتي يتعين عليها تطوير ادواتها للتعامل مع الخطر الذي قد تمثله الحرب غير النظامية. * رابعا ــ عوامل سياسية: تتمثل في انهيار سياسة الاحتواء المزدوج نتيجة لفشلها في تحقيق اهدافها فمن ناحية فان الجمهورية الايرانية ورغم النهج المعتدل الذي اتبعته مؤخرا وادى إلى اقامة علاقات جيدة مع جيرانها الخليجيين, وعلاقات جيدة مع اوروبا, فإن ايران لاتزال تشكل مصدر تهديد للولايات المتحدة لاسيما بالنظر إلى قضايا التسليح الايراني, وعلاقات الدول الخليجية مع الولايات المتحدة وعملية السلام في الشرق الاوسط ودعم الحركات الاسلامية مثل حزب الله وحماس المعادية لاسرائيل. ومن ناحية أخرى, فان العراق ايضا ــ ورغم مرور عقد على حرب الخليج ـ لايزال يشكل قوة معادية رغم كونه محاصر بالعقوبات الاقتصادية, كما اخفضت في تطوير استراتيجية للاطاحة به, فضلا عن انهيار نظام التفتيش التابع للامم المتحدة, وهي امور كلها تلقي بظلال قاتمة حول فعالية السياسة الامريكية في المنطقة, والسؤال الذي يطرح في النهاية هو: هل يصبح الدفاع الخليجي المشترك بديلاً؟ واذا كنا قد انتهينا فيما سبق إلى توصيف حالة ووضعية الوجود الامريكي في الخليج, فان اعتبارات المصلحة الوطنية لدول الخليج تحتم عدم الاكتفاء بالتوصيف وتعديه إلى البحث عن بدائل تحسبا لحدوث اية احتمالات. وفي هذا الاطار يبرز البديل الخليجي لاسيما بعد ان خطت دول مجلس التعاون الخليجي خطوة كبيرة تجاه تحقيق التعاون الدفاعي المشترك كخيار متاح يضمن امن الخليج باقرار خطة زيادة عدد قوات درع الجزيرة وتنفيذ الحزام الامني والتغطية الرادرية الموحدة وشبكة الاتصالات العسكرية المؤمنة. ويقضي المشروع والذي اطلق عليه اسم (مبادرة التعاون الدفاعي) بتقديم معطيات آنية في حال اطلقت صواريخ, إلى مراكز قيادة في المنطقة بفضل نظام معلومات مؤمن للاتصالات. وتبلغ تكلفة مشروع الانذار المبكر في مرحلته الاولى 40 مليون دولار, بينما تصل تكلفة مشروع الغطاء الامنى إلى نحو 80 مليون دولار. وعلى الرغم من ان التعاون العسكري الخليجي لا ينتظر ان يحل محل الوجود الامريكي بصورة كاملة, الا انه ينبغي تنميته والعمل على تطويره, حتى يمكنه الاضطلاع بهذه المهمة في اقرب وقت ممكن.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات