تجارة الانتخابات الامريكية ، مهرجان ملون لاعبوه الاعلام والشركات وأصحاب النفوذ

بيان الاربعاء : تحتاج الحملات الانتخابية ــ بطبيعتها ــ الى مال يغطي تكاليفها, سواء كان ذلك في الولايات المتحدة او في مكان آخر, الا ان العلاقة بين المال والانتخابات الامريكية ستأخذ ابعادا لم يسبق لها مثيل في تاريخ الولايات المتحدة, ولا في اي تاريخ آخر. فبداية من هذه القاعدة المنطقية, قاعدة احتياج الحملات الانتخابية لقدر من التمويل, بدت التطورات التالية تخرج بالامرين معا حجم التمويل, والحملات الانتخابية, عن اي منطق. في البدء كان المرشح يحتاج الى طباعة بعض المنشورات وتوزيعها, وربما صنع عدد من (الشارات) التي تعلق على الصدر, وتعميم ملصقات بدائية تعلق في الاماكن العامة, وربما السفر الى ولاية او اخرى لمقابلة بعض تجار هذه الولاية من قيادات الحزب او رجال الصناعة والزراعة او المؤثرين في الرأي العام. وفي العام 1924 استخدم الراديو لاول مرة في الاغراض الانتخابية وذلك ببث مقابلات مع المرشحين, ثم بعد ذلك باذاعة اعلانات لحسابهم ثم تلى ذلك استخدام التلفزيون ــ للمرة الاولى ــ في العام 1952 ولم يكن من الصعب ادراك ان هذه (الادوات) الجديدة تؤثر في مئات الآلاف من الناخبين دفعة واحدة, دون حاجة لجولات المرشح, او لتوزيع المنشورات والملصقات. وحتى يمكن رصد التطور التاريخي الذي حدث على مضمار تمويل الحملات الانتخابية يكفي ان نشير الى ان حملة ابراهام لينكولن في العام 1860 كلفت نحو مئة الف دولار, وبعد مئة سنة بالضبط كان جون كيندي يدفع مئة ضعف هذا المبلغ لتمويل حملته الانتخابية, اي عشرة ملايين دولار, وخلال الاربعين عاما الماضية وحدها, اي منذ ميزانية كيندي وحتى ميزانية جور أو بوش, سنجد ان هذا المبلغ تضاعف, بالنسبة لاي مرشح على حده, نحو ثلاثين مرة. فاذا مضت الامور بهذا المعدل ذاته فان انتخابات الرئاسة الامريكية قد تكلف بعد مئة عام اخرى ثلاثين مليار دولار للمرشح الواحد! ترى اي نوع من المرشحين هذا الذي يستطيع تمويل حملته اذا كانت الاسعار وصلت لهذا المستوى؟ ثم اي خلل يمكن ان يؤدي اليه هذا الثمن الباهظ في افراز حكومة تمثل الشعب الامريكي حقا؟ ورئيس يعكس بصدق ما يريده الناخبون؟ ظاهرة سلبية حاول الامريكيون مع ادراكهم لاستفحال هذه الظاهرة, وتأثيراتها السلبية على نظامهم الانتخابي تحجيمها بعد ارتفاع صوت الاحتجاجات الاجتماعية الصاخبة في الستينيات والسبعينيات فقد اطلقت حرب فيتنام موجة من النقد الداخلي في الولايات المتحدة ما لبثت ان تحولت الى اعصار مع تفجر مظاهرات الطلاب وحركة الحقوق المدنية وتمرد الامريكيين السود, وكان احد المواقع التي طالتها تلك العاصفة آنذاك هو آلية انتخاب رئيس الجمهورية, وحجم التمويل المتزايد الذي يتطلبه هذا الانتخاب. كان المطلب العام هو منع اي مرشح من الحصول على تبرعات او على دعم مالي من اية جهة اخرى, سواء كانت شركة او جماعة ضغط او اتحاد نقابي او عمالي, واقترح المطالبون بذلك ان تقدم الحكومة دعما متساويا لكل مرشح يحصل على توقيع عدد من المؤيدين لترشحيه وبحيث يعكس عدد الموقعين جدية الحملة الانتخابية لهذا المرشح, ويكون تقديم الدعم الحكومي لهذا المرشح مشروطا لحصوله على توقيعات عدد من المؤيدين يحدد سلفا كنسبة مئوية ممن لهم حق التصويت العام. ولكن المعارضين لهذا المبدأ اسسوا محاجاة متماسكة علي بند من الدستور الامريكي ينص على حق المرشح (في الارتباط) اي حقه في ان يشكل حزبا او مجموعة من المؤيدين تدعم مسعاه للفوز بكل السبل. لقد ساوى هؤلاء المعارضين بين حق تكوين الجماعات والاحزاب السياسية, وهو حق يكفله الدستور الامريكي بلا تحفظ, وحق حصول مرشح هذه الجماعات او الاحزاب على دعم مناصريه, بما في ذلك الدعم المالي. وعلى الرغم من ان المؤسسة السياسية الامريكية ــ عقب اسقاط ريتشارد نيكسون ــ كانت تبدل مفاهيمها بصورة كاملة بسبب تأثيرات موجات الاحتجاج الاجتماعي والسياسي الهائلة آنذاك الا ان ذلك لم يكن ليرقى الى تبديل هويتها بالكامل .. كان من المستحيل على هذه المؤسسة ان تجيز امرا من شأنه الاضرار بكل عضو من اعضائها, فد التحق هؤلاء الاعضاء بالمؤسسة السياسية الامريكية اثر فوزهم في انتخابات من نوع ما, سواء على مستوى الكونجرس او المجالس التشريعية في الولايات, او حكام الولايات, او رئيس الجمهورية. وهكذا قررت هذه المؤسسة امساك العصا من منتصفها, فقد اصدر الكونجرس تشريعا في العام 1975 يقضي بان تقوم الحكومة بدفع مبلغ مساو لما يجمعه كل مرشح على حده, وذلك بحد اقصى يتغير كل عام, بعبارة اخرى نص هذا القانون الذي يسمى قانون التمويل العام على ان تقوم الخزانة العامة بدعم المرشحين بدورها, كل دولار منها يمنح مقابل دولار آخر جمعه المرشح بنفسه من مؤيديه, ثم اضيف الى هذا القانون بند لاحق يحدد تبرع اي جهة منفردة لاي من المرشحين بالف دولار كحد اقصى, وذلك بهدف اجبار المرشح على اجتياز امتحان يثبت مدى اتساع قاعدته الانتخابية, فلو جمع هذا المرشح مليون دولار فان ذلك يعني ان له الف مؤيد على استعداد للتبرع كل بالف دولار, وهكذا تمنح الخزانة العامة هذا المرشح مليون دولار تمويلا عاما, اما اذا حصل المرشح على الف دولار فقط فإن ذلك يعادل تبرع شخص واحد, وهكذا تمنحه الخزانة العامة الف دولار اضافية. لقد كانت محاولة طيبة للحفاظ على جوهر العملية الانتخابية اي افراز ممثلين حقيقيين للناس العاديين, وابعاد المصالح الخاصة الكبيرة عن العبث بهذه العملية, الا انها اتسمت بقصور موضوعي مفهوم, ذلك ان المرشحين اللذين يستندون الى احزاب سياسية كبيرة بوسعهم وحدهم جمع اموال اكثر .. اكثر من المرشحين المستقلين بمراحل .. لقد آثر الكونجرس المزج بين رأى المعارضين ورأي المؤيدين بان سمح باسلوبي التمويل معا وذلك بعد ربطهما كل الى الآخر, اي اسلوب التمويل (الخاص) واسلوب التمويل الحكومي .. ورغم قصور النظام الجديد الا انه كان افضل ــ آنذاك ــ من ترك الحبل على الغارب. ولكن بقدر ما توجد قوانين, توجد وسائل ــ قانونية ايضا ــ للالتفاف حول هذه القوانين, ولن يستغرق الامر طويلا قبل ان تبدع المؤسسة السياسية الامريكية اساليب تمكنها من اعادة الامور الى ما كانت عليه, رغم انف قانون التمويل العام, بل انها ستبدع اساليب تجعل من قانون التمويل العام ذاته مصدر فائدة كبيرة للمرشحين الاساسيين بعد ان كان الهدف من سنه هو جعل الارض متساوية بقدر الامكان امام هؤلاء المرشحين الاساسيين ومن يرغب غيرهم في خوض الانتخابات. الاموال الامينة احد اهم اساليب الالتفاف هذه تتمثل فيما يسمى بـ (الاموال الأمينة) او الـ (سوفت موني) وقبل ان يشطح خيال اي شخص عما هو (المأمون) بالتحديد في الاوراق المالية التي لا تعدو كونها مجرد اوراق, يتحتم تفسير هذا المصطلح بوضوح, ذلك ان بوسع اي شخص او اي جهة, ان تنفق دون اي حد قانوني اقصى, لدعم (رسالة) احد المرشحين, شرط الا يتم ذلك بالتنسيق مع هذا المرشح او مع اي شخص يمثله, وهكذا, اذا كان بوش ــ مثلا ــ يطالب بخفض الضرائب سوف نجد مئات الاعلانات التلفزيونية التي تتغزل بخفض الضرائب وتصف محاسن هذا الخفض وفوائده للناخبين وذلك دون ان تذكر بوش .. بل وقد نجد اعلانات من هذا النوع تقول في نهاية مدتها؟ وانتم ــ ايها السادة ــ تعرفون من الذي يطالب بخفض الضرائب!! ان هذا الدعم لا يصدر من الوجهة القانونية ــ دعما. انه لايعد تمويلا لحملة المرشح او هجوما على خصومه, طالما ان الاسم لم يذكر انها (نكتة), وهي في الواقع نكتة سخيفة, كأي نكتة تهدف في الاساس الى خرق القانون ووضع مرشح المال في المكتب البيضاوي, ولكن على الرغم من ان احدا لم يضحك, الا ان أحدا لم يعترض ايضا, حتى لحظة اثارة السيناتور جون ماكين للمسألة برمتها, وفضحه للمستور منها. ولكن ــ قبل التعرض لمحاولات اصلاح النظام مجددا ــ قد يتطلب الامر الاستفادة من دراسة طرق تمكنت (المؤسسة) من اختراقه في السابق, وذلك لمحاولة سد هذه الطرق بقدر الامكان, او على الاقل لتقويم ما يقال في سياق محاولات الاصلاح الراهنة, اي حتى نعرف هل هي محاولات صادقة حقا, ام انها مجرد طريقة اخرى لامتصاص الاحتجاجات الشعبية المتزايدة التي تتردد في اللحظة الراهنة. ذلك ان العلاقة بين المال والانتخابات, او بالاحرى بين المال والسياسة, لا تقبل المقارنة بقضايا الاغتصاب التي نسمع بها كل يوم في الولايات المتحدة انها لا تتم بالاكراه, او بتهديد السلاح. انها ــ باختصار ــ متعة متبادلة, فائدة يحققها كل جانب من الجانبين, بل ويسعى اليها سعيا رغم كل ما يوضع في الطريق من عقبات. والمشكلة تتلخص في ان (رغبة) كل طرف من الطرفين في ( الاختلاء) بالطرف الآخر تزداد قوة مع تعاظم المصالح المتبادلة, وحين تصل هذه المصالح الى مستويات كالتي نراها الآن فإن هذه الرغبة تتحول الى تيار جارف يهدد من يواجهه بالسحق .. فاذا كانت الشركات الامريكية تدير اعمالا بمئات المليارات, واذا كان وجود شخص معين في البيت الابيض سيزيد ارباحها الصافية من مليار دولار ــ مثلا ــ الى مليارين, فلماذا لاتدعم هذه الشركة ذلك الشخص بعشرة ملايين, او عشرين او اكثر (الحسبة) معقولة فهو (استثمار) مجز ومضمون. وفي المقابل فإن هذا التزايد الفلكي في سعر الحملة الانتخابية يجعل منه مستحيلا للفقراء, ومخاطرة واضحة للاغنياء يتحتم الحصول على فلوس الشركات حتى يمكن دفع فاتورة الحملة, وبامكان الشركات ان تمول شخصا فقيرا, شرط ان يكون حاملا لبرنامج يحقق مصالح هذه الشركات, وشرط ان يكون دعمه استثمارا معقولا ايضا, اي شرط ان يكون هذا المرشح (قابلا للنجاح) لقد مولت كبيرات شركات هوليوود الرئيس بيل كلينتون رغم انه ليس ثريا, ولكنه تعهد بحماية هذه الشركات من مطالب اليمين الديني بفرض معايير رقابية على انتاجها . كما مولت شركات صناعة السلام رونالد ريجان عام ,1980 وتقول الارقام الرسمية ان ريجان لم يدفع سنتا واحدا من جيبه الخاص على حملته الانتخابية, بل ان جورج بوش وآل جور لم ينفقا من مالهما الخاص دولارا واحدا على هذه الحملة. ولأن العلاقة بين الجانبين, الفلوس والساسة, لا تحتاج الى ذكاء خاص لادراكها, فقد فهمها الامريكيون بسرعة, وفي وقت مبكر, ففي العام 1907 اتخذ الكونجرس قرارا يمنع الشركات الامريكية من تقديم اي دعم مالي لاي مرشح سياسي بالمرة. وفي العام 1947 تم تعديل هذا القانون فشمل اتحادات العمال والاتحادات النقابية ايضا. اذ قال مرشحو اليمين: لماذا تمنعون عنا دعم الشركات فيما لا تزال اتحادات العمال تدعم خصومنا؟ وبعد قانون 1907 اصدر الكونجرس قانونا آخر يرغم المرشحين على الكشف عن مصدر كل دولار انفقوه في حملتهم الانتخابية, وذلك لسد ثغرة واضحة, فقد كان بامكان اي مرشح ان يحصل على دعم من الشركات على نحو خفي, طالما تعهدت الشركات الا تتكلم, وحيث ان المرشح لو كشف الامر فسوف يوضع في السجن طبقا لقانون ,1907 وفي 1911 سن الكونجرس قانونا جديدا يقضي بوضع حد اقصى لما ينفقه المرشحون, ويرغمهم على الكشف عن اوضاعهم المالية قبل الانتخابات بعام, وبعدها بعام, ولكن الساسة ذهبوا الى المحكمة العليا, وطالبوا باسقاط القانون, واسقطت المحكمة بنودا كثيرة منه وذلك استنادا على (حق الارتباط) الوارد في الدستور, وهكذا تبلور قانون معدل يسمى (القانون الفيدرالي لمكافحة ممارسات الفساد), وقد تم بمقتضى هذا القانون تحجيم تبرعات الشركات للمرشحين. ولكن المرشحين التفوا بسرعة على هذا القانون ايضا فحيث ان الممنوع هو تبرع الشركات بمبالغ كبيرة, فما هي المشكلة في تبرع اصحاب هذه الشركات؟ لقد كان قانون 1925 ينص صراحة على تحجيم تبرع الشركات, ولكنه لم يذكر تبرع الافراد, وهكذا تدفقت تبرعات الشركات ليس عن طريق الاقتطاع من ميزانيتها, ولكن عن طريق الحسابات المالية الشخصية لاصحابها. وهكذا اتخذت الامور مسارا يشبه (لعبة القط والفأر) كلما ارتفعت شكوى الرأي العام من فساد العملية الانتخابية, حيث تم تعديلها على نحو ما بدعوى وقف الجاذبية القاتلة التي يتبادلها الساسة من جهة والفلوس من الجهة الاخرى وتم تعديل القانون مرارا حتى استقر على هيئته الراهنة, فما هي هذه الهيئة بالضبط؟ وكيف يتم اختراقها؟ ثم كيف التف حولها المرشحون في هذه الانتخابات الاخيرة؟ سقف الدعم المخترق فيما يتعلق بحملة الرئاسة ينص القانون الحالي على دعم المرشح حكوميا بهذا الدعم الموازي والمساوي لما يجمعه مما اشرنا اليه سابقا, وذلك في الانتخابات التمهيدية وذلك بشرط قدرة المرشح ــ خلال هذه الانتخابات التمهيدية على جمع ما لا يقل عن خمسة آلاف دولار على هيئة تبرعات فردية لا تزيد قيمة اي منها على مئتين وخمسين دولارا. هذا الشرط التافه يبدو للمرء احيانا نوعا من المزاح الثقيل اذ يستدعي الامر عشرين مؤيدا, كل منهم على استعداد لدفع مئتين وخمسين دولارا فقط, وذلك للتقدم الى لجنة الدعم العام بطلب الحصول على دولار مقابل كل دولار يجمعه المرشح من تلك اللحظة فصاعدا, شرط الا يتجاوز الدعم الحكومي سقفا معينا (كان هذا السقف يبلغ نحو ثمانية وعشرين مليون دولار في العام 1992). بعد ذلك تقدم الحكومة خمسة وخمسين مليون دولار ــ بأرقام 1992 ـ لكل مرشح من مرشحي الحزبين الرئيسيين اما المرشحون المستقلون بوسعهم الحصول على دعم حكومي محدود ايضا, وايضا مرشحو الاحزاب الصغيرة الناشئة ولكن ايا من هؤلاء لا يصبح مدرجا على قائمة الخمسة والخمسين مليون دولار اذا لم يكن حزبه الصغير الناشىء قد حصل على خمسة ملايين صوت انتخابي في دورة انتخابية سابقة. وفي آخر تعديلات القانون الانتخابي تم اعتماد مبلغ الألف دولار كحد اقصى للتبرع الفردي او غير الفردي (اي من الشركات) لاي مرشح, وتم اعتماد سقف الخمسة آلاف دولار من اللجان الانتخابية كحد اعلى لدعم المرشح, ثم اجازت المحكمة العليا قانونا يجيز قيام هذه اللجان بالترويج لرسالة اي مرشح شرط الا يحدث ذلك بالاتفاق معه او مع من يمثله كما اسلفنا, وبدون اي سقف بالمرة. ما المانع اذن ان يشكل انصار اسرائيل مثلا ثلاثمئة لجنة سياسية في ولاية معينة, يجوز لكل منها تقديم خمسة الاف دولار لاي مرشح؟ المبلغ الناتج هو مليون ونصف مليون دولار .. من ولاية واحدة, كيف اذن يكثر التشدق بأن الحد الاقصى للتبرع هو الف دولار؟ ثم ما الذي يمنع كل لجنة من هذه اللجان السياسية ان تضع عشرة اعلانات تلفزيونية تأييدا لاسرائيل ولاكثر المرشحين قربا من اجندتها في الولايات المتحدة؟ النتيجة هي ثلاثة آلاف اعلان تلفزيوني كانت ستكلف هذا المرشح (الاسرائيلي) ملايين الدولارات الاضافية .. الاجابه هي: لا يوجد ما يمنع هذا في القوانين الحالية في الولايات المتحدة. فضلا عن هذا فإن القانون لا يمنع التبرع للاحزاب السياسية بدون حدود .. صحيح انه يضع حدودا للتبرع لحملات الانتخابية, ولكن هذا القانون لم يقل (للاحزاب السياسية) وفي مواجهة اي تساؤل برىء حول ان هذه الاحزاب هي التي تدير تلك الحملات يكون الرد عادة: مالنا نحن وهذا .. العبرة بالنص, والنص لم يمنع التبرع للاحزاب, ولم يمنع التبرع للجان السياسية التي لتشكلها هذه الاحزاب. احدى اللجان التابعة للحزب الديمقراطي مثلا طلبت من النجمة السينمائية السابقة جين فوندا زوجة صاحب شبكة سي. ان. ان الآن, تبرعا لدعم برنامج الحزب فاخرجت السيدة فورا دفتر شيكاتها من جيبها وحررت شيكا بمبلغ اثني عشر مليون دولار, واعطته لممثلة اللجنة التي وقفت تحدق فيه مذهولة. القانون لا يمنع .. فالتبرع غير موجه ــ بالاسم ــ لحملة آل جور الانتخابية وذلك على الرغم من انه متجه لاصحاب هذه الحملة .. اي للحزب الديمقراطي. اما ما حدث في الانتخابات الحالية فانه امر مذهل بحق, اذ لم يسبق ان انفق الساسة مالا بهذا الحجم من فلوس الشركات, يعني هذا ان العلاقة بين الجانبين وصلت الى مستويات (اعمق) مما وصلته في اي مرحلة سابقة . كما ان الدعم الحكومي لآل جور زاد بسبب انخفاض حجم التبرعات التي حصل عليها من الافراد, كما ان كلا من جورج بوش وآل جور لم ينفقا بالفعل فلسا واحدا من مالهما الخاص, رغم انهما معا انفقا قرابة الثلاثمئة مليون دولار. الا ان اهمية مساهمات القطاعات الاقتصادية المختارة في عملية الانتخابات تتجاوز اية دلالة عابرة. ذلك ان آل جور لم يتفوق على جورج بوش في اي قطاع من هذه القطاعات باستثناء قطاع واحد فقط, هو قطاع السينما والترفيه (تفوق جور يضاف في تبرعات قطاع اتحادات العمال التي لم ترد بسبب ضآلة حجمها). ولكن يتحتم هنا ملاحظة ان (الأموال الأمينة) اياها غير محسوبة في نفقات المرشحين, ويعتقد بعض المراقبين ان هذا البند منح كل مرشح من المرشحين نحو مئة وخمسين مليون دولار اضافية, اي ان الكلفة الاجمالية لحملتي جورج بوش وآل جور قد تكون تجاوزت حدود المئة مليون دولار وهي حسب المتابعين تكلفة انتخابات الكونجرس التي جرت في نفس وقت انتخابات الرئاسة فإن الفاتورة الاجمالية وصلت الى ثلاثة مليارات دولار. المؤكد ان الانتخابات الامريكية تحولت ــ بصورة كاملة تقريبا الى تجارة. لدينا اذن حدث سياسي ضخم, بهذا الحجم القادر على ان يؤثر في مجريات الامور في العالم, يكتسب ملامح يجب ان تتحول الى محل نقاش ليس في الولايات المتحدة وحدها, ولكن بين صفوف من يدركون تأثير واشنطن في مجريات الامور في العالم فضلا عن ان هذه الانتخابات تحولت الى مهرجان ملون تلعب فيه وسائل الاعلام دورا حاسما, وليس صادقا باي حال, فانها ايضا اصبحت اسيرة مقيدة تماما لقوة المال ولنفوذ الشركات واللجان و (الاموال المأمونة) وهي ملامح منفرة .. باستخدام تعبير مهذب. واشنطن ــ عصام عبدالعزيز

طباعة Email
تعليقات

تعليقات