ليس تحقيقاً وإنما حوار أصدقاء ، رجال الشاباك يتبادلون الأحاديث الودية مع معتقلي التنظيم اليهودي يتحدث كارمي جيلون بوضوح, في هذه الحلقة عن أن وصول اليمين الإسرائيلي للحكم في تل أبيب, بصعود مناحم بيجن لسدة الحكم في انتخابات مايو ,1977 أعطى دفعة قوية لأزدهار اليمين المتطرف, خلافاً لما توقعه (الشاباك) الذي خابت توقعاته, المرة تلو الأخرى, حين اعتقد بأن وجود مناحم بيجن سيكون كافياً للقيام بكل ما يريده المتطرفون من استيطان واسع ملأ الأرض الفلسطينية, ذلك أن قوة اليمين المتطرف وجدت في صعود بيجن للحكم فرصة لمزيد من الضغوط ضد العرب فيما يسمونه (يهودا والسامرة). ويلفت رئيس الشاباك الأسبق الأنظار إلى أن اقتراب تنفيذ اتفاق كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل دفع بالمتطرفين لمزيد من التطرف خاصة مع بدء العمل لتفكيك مستوطنة (ياميت) في سيناء, ولهذا قاموا بأول عملياتهم ضد رؤساء البلديات في تلك الفترة التي سبقت تدمير (المستوطنة). وذلك يؤكد ما ذهبنا إليه أكثر من مرة بأن الانسحاب من سيناء كان يهدف في نظر اليمين الإسرائيلي الحاكم آنذاك إلى تحييد مصر بقوتها العسكرية والاستراتيجية, للاستفراد بالضفة الغربية وقطاع غزة, وملئهما بالمستوطنات, حتى لا يكون هناك ما هو قابل للتفاوض ذات يوم, كما كان يخطط اسحق شامير حين ذهب إلى مؤتمر مدريد للسلام أواخر أكتوبر ,1991 لكن ما يخططون له ليس قدراً بأي حال. أمر ملفت للنظر أن جهازاً مثل الأمن العام الإسرائيلي يعمل لثلاثة أعوام متواصلة قبل أن يكتشف الخيط الذي يبدأ معه تفكيك التنظيم السري اليهودي, ويعمل سبع سنوات قبل أن يتم القاء القبض على زعماء التنظيم وهم شخصيات متطرفة معروفة في الأوساط اليهودية. ذلك يعطي إشارات عدم الجدية في متابعة مثل هذه العصابة المجرمة والتي تريد الحكومة الإسرائيلية, الايحاء فقط انها تعارض أعمالها غير القانونية. وفي المعلومات المنشورة في هذه الحلقة, يقول كارمي جيلون إن الأحكام التي صدرت ضد عدد من أعضاء هذا التنظيم السري كانت مع وقف التنفيذ, وقد أثارت السخرية وخرج المعتقلون من المحكمة وهم ينفجرون من الضحك لسخافة الأحكام, ويقول جيلون إن هؤلاء الأعضاء الذين تم اعتقالهم في نهاية المطاف, وهم بضع عشرات, كانوا يحظون بتحقيق ودي وأخوي و كنا نتبادل معهم الطعام والحلوى, لم يكونوا أعداء وخصوما, كما يقول, وقد كان من المستحيل, حسب المؤلف نفسه, أن نتعامل مع اليسار الصهيوني المتطرف أو اليسار الإسرائيلي المعادي للصهيونية بنفس الطريقة الأخوية, وهو أمر من الضروري الانتباه له, إذ لو كان الأمر يتعلق بالتمرد على القانون وأخذ القانون باليد بعيداً عن الأجهزة الرسمية, كما تدعي إسرائيل, لكان من الضروري التعامل مع الخارجين على القانون بنفس الدرجة ونفس الطريقة. رئيس الشاباك الأسبق يقول بعظمة لسانه في هذا الكتاب أن الأمر لم يكن كذلك على الأطلاق, وإن اليمين الخارج على القانون قد حظي بمعاملة أخوية, خلافاً لليسار الخارج على القانون. والمعروف أن بعض اليساريين الإسرائيليين المعادين للصهيونية يقضون الآن احكاماً طويلة في السجون والمعتقلات بتهمة العلاقة مع المنظمات الفلسطينية اليسارية, فيما خرج كافة أعضاء التنظيم السري اليهودي من المعتقلات, بعد أن قضى البعض منهم أحكاماً محدودة وتم الحصول على عفو رئاسي لهم من رئيس الدولة العبرية الذي يمتلك هذا الحق, فيما امتنع عن استخدام سلطاته الدستورية للعفو عن سجناء عرب من المفروض أنهم يحملون الجنسية الإسرائيلية, ويعتبرون مواطنين ومازال منهم عجوز في الخامسة والسبعين من العمر من منطقة المثلث يقضي أحكاماً بالسجن بتهمة الانتماء لمنظمة فلسطينية مسلحة, وكل ما فعلوه أنهم سمحوا له بالذهاب لعائلته لمدة ثلاثة أيام في الأعياد ثم عادوا به لزنزانته. والأمر المثير للسخرية الإدعاء المتواصل بسيادة القانون, إذ يزعم جيلون أنه تم تأخير إبعاد رؤساء البلديات: محمد ملحم وفهد القواسمة إلى حين صدور قرار من المحكمة العليا, بعد أن تقدموا إليها بالتماس لمنع الأبعاد. لابد من سؤال رئيس الشاباك (الأسبق) كم مرة التمس عشرات المبعدين من الأراضي الفلسطينية المحتلة لمحكمة العدل العليا في إسرائيل وكم مرة حكمت المحكمة بعدم قانونية الابعاد. لم يحدث ذلك إلا في استثناءات محدودة, ربما لتكون نماذج يتحدثون بها أمام الرأي العام العالمي, ولا شيء آخر. يقول المؤلف إن هذا التنظيم السري كان يخطط لنسف (قبة الصخرة), وكان يخطط لنسف جامعة بير زيت وكان أحد زعمائه (عتسيون) يقوم بتخزين أشجار الأرز والصنوبر لإعادة بناء الهيكل ذات يوم. هذا هو الحقد العنصري بصورة واضحة لا تغطيها مساحيق الديمقراطية الزائفة التي تستهدف تجميل الوجه القبيح للاحتلال. قصة التنظيم السري قصة التنظيم السري اليهودي بدأت قبل الكشف عنها بزمن طويل وقبل معرفتنا بوجود هذا التنظيم على أرض الواقع, فقد حدث في الثاني من مايو عام 1980 وعشية السبت أن شهدت منطقة (بيت هداسا) في الخليل مقتل ستة يهود واصابة ستة عشر آخرين بجروح, وفي غضون ساعات معدودة كان تنظيم فتح يعلن مسئوليته عن العملية. هذا الحادث الذي أصاب اليهود في الخليل بصدمة كبرى كان وراء القرار الفوري الذي اتخذه وزير الدفاع عزرا وايزمان بابعاد رئيس بلدية الخليل فهد القواسمة ورئيس بلدية حلحول المجاورة محمد ملحم, فقد تم نقلهما إلى الحدود الأردنية بطائرة مروحية غير أن التماساً مقدماً (للمحكمة العليا) جعل الجيش يعيدهما ثم تمت المصادقة على قانونية الإبعاد فانتهى الأمر بتنفيذه. وعلى اثر الحادث اجتمع مسئولو الاستيطان اليهودي في الخليل وكريات أربع لمناقشة الأمر, وانبثق عن الاجتماع تشكيل هيئة مصغرة اتخذت قراراً بالاتجاه العملي. وبناء على ما قاله في التحقيق كل من مناحم ليفني ومناحم جويبيرجر من أنهما تلقيا أوامر من الحاخامين ليفنجر وفالدمان بتنظيم اعتداء كرد فعل (لكي يتعلم العرب الدرس). كان ليفني مسئول الجمعية لتقدم الاستيطان اليهودي في الخليل, وهو مهندس ورائد احتياط في سلاح الهندسة, يعمل بواقعية وفكر ودونما ضجيج, كما يحظى بالاحترام الكبير في الوسط الاستيطاني. وخلال اجتماع الهيئة المصغرة تم طرح العديد من التصورات للاعتداء على العرب مثل الهجوم على سوق الخليل, لكن الفكرة لم ترق لمناحم ليفني الذي تحدث مع زميله القريب يهودا عتسيون من سكان عوفرا حول تنفيذ عملية اكثر تطوراً تمس تنظيم (لجنة التوجيه الوطني) الذي يعمل في الوسط الفلسطيني, ويضم في عضويته رؤساء البلديات في الضفة الغربية وبعض الشخصيات المهمة. حتى أن ليفني وعتسيون حددا الأعضاء المستهدفين, وقررا منذ البداية العمل على عدم القتل وانما اصابتهم للحيلولة دون قيامهم بواجباتهم وتوجيه رسالة ردع للذين يعملون على قتل اليهود. وبدأت الاستعدادات المكثفة لتنفيذ العملية واستغرقت شهراً إذ قام ليفني وعتسيون بتجنيد المطلوبين وتوزيعهم على مجموعات, وكان ليفني المئول عن الوسائل القتالية وتدريب الأفراد بينما يعمل عتسيون على جمع الوسائل القتالية واعمال المراقبة مع المشاركة في التدريب, وتم توزيع المجندين على خمس مجموعات: مجموعة بيت لحم وضمت زئيف فريدمان المدعو (زمبيش) واوري مئير ومناحم جويبيرجر, ومجموعة القدس وضمت يتسحاق (أكالي) جنيرام, وحاييم بن دافيد وجلعاد بلائى, وكان المسئول عن هاتين المجموعتين مناحم ليفني. وفي الثاني من يونيو 1980 وبعد مرور شهر على حادث بيت هداسا انفجرت ثلاث عبوات ناسفه في المناطق الفلسطينية الأولى في سيارة رئيس بلدية نابلس بسام الشكعة مما أدى إلى بتر ساقيه, والثانية في سيارة رئيس بلدية رام الله كريم خلف, و الثالثة استهدفت سيارة رئيس بلدية البيرة, وفور وقوع هذه التفجيرات ادركوا في جيش الدفاع بأن هناك سلسلة من الاعتداءات التي تستهدف رؤساء البلديات فقاموا بارسال خبير متفجرات إلى منزل إبراهيم الطويل رئيس بلدية البيرة ــ وهنا كان ينبغي على روني جيلا التدخل للحيلولة دون تعريض خبير المتفجرات للخطر, لكنه لم يفعل ــ خشية اتهامه بالمشاركة. ووصل الخبير الدرزي سليمان حرباوي من الجليل إلى منزل الطويل, واعتقد بأن العبوة داخل السيارة كما هي الحالات السابقة, ففتح باب المرآب لتنفجر العبوة في وجهه وتلحق به اصابات خطيرة أدت إلى فقدانه البصر. ومن بين الأمور التي أثارت اشمئزازي فيما بعد وإلى درجة كبيرة هي اللامبالاة التي أبداها اعضاء التنظيم حيال مصيبة حرباوي ــ واعتقد بأن الأمر لو حدث مع خبير يهودي لعذبهم ضميرهم حتى اليوم. ولكن بما ان الضحية درزي ليس (حليفاً) بالمعنى الديني والشرعي فقد تحدثوا عن الأسف والخسارة فقط. وسائل الاعلام أطلقت على الاعتداءات الثلاثة اسماً جماعياً هو (الاعتداء على رؤساء البلديات) في حين دخل الشاباك حلبة العمل وقد تجلت له الصورة فان ما وقع هو عمل انتقامي نفذه يهود, ومن هنا تبدأ القضية وتنتهي أيضاً ولم يكن لدى الشاباك في الواقع قبل ذلك أي عمل واضح في إطار اليمين المتطرف, ولم تكن لديه اسباب فعلية للتركيز على نشاطه في أوساطهم. القتل بدم بارد في السابع من يوليو 1983 تم في الخليل قتل طالب المعهد الديني اهرون جروس مما أحدث ضجة في أوساط المستوطنين وفوضى داخل سوق الخليل. واعتقدنا في الشاباك استخلاصاً من عملية الاعتداء على رؤساء البلديات بأن العمل الانتقامي سيكون في مناسبة اليوم الثلاثين لمقتله, لكنهم ضللونا فبعد تسعة عشر يوماً على وقوع الحادث أي في السادس والعشرين من يوليو, اقتحم ثلاثة مسلحين ساحة الكلية الإسلامية في الخليل واطلقوا النار في كل اتجاه, مما أدى الى مقتل ثلاثة عرب وأصابة ثلاثة وثلاثين آخرين بجراح. وانصبت تقديرات الشاباك بما هو أقرب إلى الاعتقاد بأن جماعة كاهانا نفذت العملية كرد فعل انتقامي, غير ان التحقيق في هذا الاتجاه لم يحرز نتيجة. وكانت تحقيقاتنا في موضوع التنظيم اليهودي سرية حتى وقوع حادث الكلية الذي أدى إلى ظهورنا العلني وفي ذلك فوائد عديدة فقد تدفقت علينا المعلومات, وتوجه طاقم منا إلى الميدان حيث استجوبنا شهود عيان وقمنا بمقارنة المعطيات وفحص الجثث عن قرب. وقد تبين لنا بأن المنفذين ارتدوا الأقنعة على وجوههم بحيث كان من الصعب التعرف على ملامحهم. ولو بقينا عند هذا الحد لكان من الصعب علينا التقدم خطوة, غير ان قسم الكشف الجنائي في الشرطة جمع بعض المعطيات الميدانية القيمة بينما لم نتمكن من ذلك في حادثة الاعتداء على رؤساء البلديات. وكان المفتاح المهم جداً في هذه التحقيقات قد تمثل في شهادة شهود العيان من أن الجناة استخدموا سيارة بيجو 504 ستيشن بيضاء وبرقم غير واضح, وقد أخبرنا احد الشهود ويعمل حداداً بأنه لاحظ عدم وجود خطوط لامعة عاكسة خلف السيارة وأن لون طميون السيارة أسود, ولم يكن بامكان شخص لا يعمل في مجال السيارات أن يلاحظ هذين الأمرين. ومن هذه الشهادة وبعض المعطيات الأخرى انطلقنا ليكون أمر العثور على السيارة هو المهمة الأولى, وتبين لنا أولاً بان لمناحم ليفني سيارة من هذا النوع لكنها مزودة بخطوط لامعة وطميونها ليس اسود. ولم يكن سهلاً علينا التصديق بأن شخصاً في مستواه يسمح باستخدام سيارته في مثل هذا الأمر, لكن احساسي الشخصي أوحى لي بأن له ضلعاً في الحادث. وكنا نعرف أن ليفني شخصية مهمة في صفوف المستوطنين لا سيما في الخليل وكريات أربع, وكان مسئولاً عن جمعية تقدم الاستيطان اليهودي في الخليل وكان نشطاً في هذا الاطار داخل الكنيست وبشكل قانوني. لكن إذا ما ثبت لنا بأن للمستوطنين دوراً في الحادث فإن مشاركة ليفني تصبح أمراً معقولاً إلى حد كبير. وكانت الخطوة الأولى في وضع الغلاف الاستخباري حول ليفني والذي يشمل تفعيل العملاء والمراقبة والمتابعة بشكل دائم ومكثف. وكنا في ذلك الوقت منشغلين بانفجار السيارات المفخخة في لبنان والعمل على إفشال العمليات الارهابية في الضفة وجوش قطيف. وزاد حادث الكلية الإسلامية من همومنا العملية, ونحن في غمرة الانشغال بحادثة مقتل اميل جريقتسثايج, وهذا يستوجب تخصيص موارد كثيرة بما في ذلك الطاقات البشرية وأصبحت التهمة الخاصة بالقسم الذي ترأسته هي متابعة اليمين المتطرف. ومن سير التحقيقات اتضح لنا وجود علاقة بين ليفني وشاؤول نير, والأخير يعمل باسم الجمعية التي يترأسها على شراء البيوت في الخليل وفي إطار قانوني, لكن شكل العلاقة بين الاثنين هو الذي يثير الشك.وفي هذه الأثناء نشط العرب في رشق سيارات المستوطنين بالحجارة والزجاجات الحارقة مما استدعى اليهود في الخليل أن يقيموا دورية على الطرق لحل المشكلات الأمنية وعندها اقترح كل من افيتوعام كاتريئيلي ضابط وسائل قتالية في قيادة ضباط المظليين وسلاح المشاة الرئيسي ودافيد هاندلير قائد سابق في احدى وحدات النخبة, اقترحا وسائل لضمان الأمن على الطرق - فقمنا بمتابعتهما على اعتبار أنهما مشبوهان محتملان في حادث الكلية الإسلامية, فصار لدينا خط ثان في التحقيق. وبعد سلسلة من عمليات التفتيش المكثفة عثرنا على السيارة في مستوطنة رامات مجشيميم في الجولان وتعود ملكيتها للمستوطنة ويكثر من استعمالها عضو الكيبوتس يتسحاق (إكلا) جنيرام, وتربطه علاقات بليفني ويهودا عتسيون الذي كان نشيطاً رئيسياً في كل ما يتعلق بالمسجد الأقصى ويقع ضمن إطار مراقبة الشاباك. واكتشفنا بأن السيارة وفي يوم الحادث قد تزودت بالوقود من محطة (شمشون) بالقرب من بيت شيمش وبواسطة قسائم مستوطنة رامات مجشيميم, وهنا لا يمكن وصف فرحنا بهذا الإنجاز الذي وصلنا إليه, فقد بدأ الظلام ينقشع وأخذت الصورة تتضح ومن خلال التحقيقات والاعترافات تبين بأن المنفذين اختاروا سيارة منتشرة في المناطق وشوهوا أرقامها, بل وضعوا عليها كم قميص أزرق كما نفذوا العملية وهم يغطون وجوههم بكوفيات ويرتدون القفازات, وبعد ذلك قاموا بحرق الملابس والاسلحة في منطقة بيت جبرين وتوجهوا إلى محطة شمشون ليستقلوا سيارة أخرى كانت بانتظارهم, أما جنيرام وهو من سكان رامات مجشيميم فقد وصل متأخراً وعاد بالسيارة إلى الجولان, خطة متقنة لقتلة محترفين. ضوء أخضر بدأنا الحديث ولأول مرة عن تنظيم سري (والتعريف القانوني هو تنظيم ارهابي ــ وهذا ما تحدد من خلال المحاكمة- أما وصف التنظيم السري اليهودي فقد استخدمته وسائل الأعلام). وباكتشاف مستودع عتسيون قررنا التوقف عن العمل وإعادة النظر, فالشاباك جهاز صغير ويعمل بشكل عام ضمن خطوط قيادة قصيرة وسريعة, كما ان الجهاز برمته كان غارقاً في لبنان خلال عامي 83 و84 والمسئولون الاستخباريون والمحققون يوجدون في صور وصيدا والنبطية وليس في تل أبيب والقدس. وبما أن افروم اضطر إلى تكريس معظم وقته لموضوع لبنان فقد نقل جميع الصلاحيات في قضية التنظيم السري اليهودي لمساعده رؤفين حازاك, الذي شكل هيئة تحت الرمز السري (ضوء أخضر) لأجل مناقشة كل ما له صلة بالتنظيم السري اليهودي. وأذكر أن زوجتي تعاطفت مع تقرير بثه برنامج اخباري تلفزيوني عن اعتقال أوري مئير عضو رامات مجشيميم, حيث كانت زوجته تشكو عملية اعتقاله فقلت لها دون انفعال أو غررو: (أنا المسئول عن اعتقاله). وكان الجو الذي تجري فيه التحقيقات استثنائياً وليس مثلما هو بين خصمين عدوين, هذه الحقيقة كانت تشوبنا دون إرادة منا وتتغلغل في اللاشعور. فقد كنا نتبادل الأحاديث معهم حول الجوانب العقائدية المحضة, ونتناول معهم الخبز والكعك المنزلي والنبيذ. هذا الجو وهذه العلاقة اختصرتا الزمن المطلوب لاجراء تحقيق من هذا النوع. كما كان وراء اتباع اسلوب لم يكن متبعاً مع معتقلين عاديين, ومثل هذه العلاقة لم تكن لتنشأ مع أعضاء تنظيم يساري متطرف مناهض للصهيونية, بينما هي ممكنة مع اليمين المتطرف بسبب المواقف الأساسية تجاه الدولة والصهيونية. ومع ذلك فإن رجال الشاباك حافظوا على موقفهم المهني الحاد والواضح من حيث استنفاد الحقيقة من المعتقلين قبل تسليمهم للشرطة والنيابة العامة لعرضهم على القضاء, خاصة وأن التحقيق لم يكن صعباً فقد تم القبض على ثلاثة منهم متلبسين كما أن الآخرين ادركوا بان الصورة معروفة لدينا.