الامارات في ظل زايـد.. الانجاز والاعجـاز ، بقلم: محمد جربوعة

الملف السياسي : الحب ليس اخضر اللون في كل الحياة.. فنيرون, عشق روما فأحرقها لكن الجنرال شارل ديجول كان يرى ان فرنسا لا تأخذ صورتها التي خلقها الله عليها إلا حين تكون عظيمة, ولم يحرق ديجول مدينته المطلة بوجهها على نهر (السين), رغم انه كان يحبها.. وهاهنا قد يكون الحب اخضر. ولصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مع دولة الامارات ملحمة اخرى, وبالإمكان ان يأخذ الانسان صورة قديمة ترجع الى ثلاثين سنة مضت لامارات الدولة, وان يقارنها بامارات اليوم ليستطيع الاجابة عن السؤال المطروح ماذا فعل زايد بالامارات؟!! الانجاز الاهم اكاد احصي الآن عشرات المشاريع الوحدوية التي وضعت في الوطن العربي إنْ في مواجهة ما كان يسمى بالامبريالية والهيمنة الاستعمارية السياسية او العسكرية الغربية وان في وجه التكتلات الاقتصادية العالمية الكبرى كالاتحاد الاوروبي والنافتا والمركوسور والآلادي وغيرها. وقد استطاعت الامارات في ظل قيادة صاحب السمو الشيخ زايد ان تحافظ على وحدتها اذ لم يكن المشكل مشكل توحد, بقدر ما كان مشكل محافظة على هذا التوحد امام التحديات, ولعل الشيخ زايد قد استطاع ان يوجد واقعا معاشا في ظل الوحدة كان المؤدي الى قناعة الشارع وحكامه وهيئاته ان الوحدة خير. ان المشاريع الوحدوية العربية التي لم تستطع ان تثبت امام الهزات الداخلية والخارجية, انما كانت مساوئها في كونها لم تستطع ان تتحول من عبء الى راحة ذلك لان الالتزام العبئي يتزايد ثقله والزهد فيه مع الزمن بعكس الالتزام الذي يحمل سمة الارتقاء والازدهار, والذي ينقل الامة من الضعف الى القوة, ومن الفقر الى الغنى, ومن التخلف الى التطور ومن الركود الى الازدهار. ان الآلية التي حافظت بها الامارات على وحدتها تكمن في دعم ميكانزمات التكامل الاقتصادي في وقت اصبح الاقتصاد يمثل فيه محور الكيانات العالمية, ثم ان الوحدة التي لا يرى المواطن فائدتها في مأكله ومشربه وملبسه ومسكنه, ستكون مجرد ديماغوجية شعاراتية ستدور دواليب التاريخ في غير صالحها وليس من السهل الحديث عن تجربة الوحدة الاماراتية التي ولدت في ظل حركية تاريخية سائرة بالعالم نحو التفكك والانفصال, ولئن كانت ايتيان باليبار تقول عن القومية انها قد تكون نتيجة ايديولوجية سياسية للطابع الامبريالي للامم فإن الشيخ زايد قد طرح الوحدة الاماراتية, والوحدة القومية في اطارها الحضاري البعيد عن تغليب (الشعار) و(الدعاية) على بناء الانسان بعيدا عن الطابع الامبريالي المزايد بقوميته مزايدة خطابية بعيدة عن البناء والابداع. دولة الامن يعيش العالم مرحلة التفكك التاريخي التي تعقب مرحلة اعادة التركيب. وهي عملية تقتضيها دورة الزمان (وتتسم هذه المرحلة بعدم الاستقرار كما تميزها الانفجارات الاثنية والاقليمية بين الجماعات والدول والكيانات ويقال ان ما بين 3421 سنة من تاريخ البشرية هناك فقط 268 سنة سادها السلام غير ان الفوضى كانت على الدوام بعيدة عن كونها ظاهرة عالمية موحدة التوقيت, إلا في حالات التفكك التاريخي التي ذكرناها, فآنذاك تتعرض نسبة كبرى من الدول والمناطق للانفجارات متعددة الخلفيات. ان اعظم البنى تتعرض اليوم لهزات متباينة الوقع والخطورة من تفكك الاتحاد السوفييتي, الذي يرى (نايزبيت) في نظريته ان ما حدث له انما هو صورة مصغرة ومبكرة لما سيحدث للعالم بعد ثلاثين سنة من انفصالات وتمزقات وظهور مئات الدول الجديدة, الى عنف المدارس الذي يهز امريكا والذي يرى لوبي الاسلحة النارية انه نتيجة (غياب الله لا حضور السلاح في المدارس)... ان جيسكار ديستان الرئيس الفرنسي السابق حينما يتحدث عن الديمقراطية في فرنسا يرى ان اسباب نهوض الامم وارتقائها وأمنها, ثلاثة أمور, أحدها الرفاه, وحينما نتحدث عن الرفاه فإننا نتحدث عن التوزيع العادل للثروة, اذ لا يعود الناتج الفردي مجرد رقم يقرأه المواطن دون ان يلمسه, ان العدل اساس الملك, كما قيل, لذلك لما رأى صاحب كسرى عمر بن الخطاب رضي الله عنه نائما في ظل شجرة ودون حارس قال قولته الشهيرة: (عدلت فأمنت). الشعبية العفوية حينما يتحدث الدارسون عن القائد الشعبي فإنهم يذكرون من صفاته انه (يعيش مع شعبه) لكن العيش مع الشعب قد يكون مجرد (بروتوكول) تغطيه القنوات والمصورون ــ وتبقى المعايشة الحقيقية منعدمة, لكن الذين يعرفون الشيخ زايد عن كثب يؤكدون انه واحد من الشعب فعلا, ببساطته الفطرية انه ذلك المزارع المفتون بالارض وبفلاحتها, كما انه ذلك الوالد الذي يناديه الاطفال بـ (بابا) وذلك العربي الذي لم يقتل البروتوكول عنده عشق الصيد وتدريب الصقور. ان مانديلا , وغاندي, وماو وغيرهم قد خلدوا في الذاكرة الشعبية, لأنهم خرجوا عن الطرح الشعاراتي للشعبية الى تجسيدها العقلي الذي لا يعني مراقبة آلام الشعب من الاعلى او الاطلال على مباهجه من الابراج بقدر ما يعني مقاسمة الشعب ألمه وأمله, ودمعته وبسمته. ويظهر من خلال التقرير الصادر عن البرنامج الانمائي للأمم المتحدة حول التنمية البشرية لعام 1999 ان ترتيب الامارات في هذا المجال يأتي في المركز (43) بعدما كانت في العام الذي سبقه في المركز (48) ويبرز التباين القفزة الجيدة التي حققتها هذه الدولة في سنة. وتهدف الدولة في سياستها التنموية في هذا المجال الى توطين التكنولوجيا وترقية الموارد البشرية وتكوين الاطارات التي تعد الحضن الرئيسي للاستقطاب التكنولوجي وتطويره, وهو امر او سياسة تدل على مدى الوعي لدى القيادة السياسية للامارات بالتحديات التي يفرضها واقع العولمة المحتكمة الى القوة التكنولوجية (المادية) وما ينجم عنها من التدافع الذي يلقي بظلاله على الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي وحتى الامني, اذ لم يعد المعول على العدد البشري كما كان من قبل, بقدر ما صارت النوعية هي المطلوبة وطبعا فالنوعية في التكنولوجيا لا تنتجها ولا تتحكم فيها الا نوعية بشرية تناسبها, وتتحدث بعض الجهات عن وجود (34) مركز تدريب خاص في مدينة ابوظبي وحدها هذا مع ما تقدمه جامعة الامارات التي تأسست عام 1979 والتي خرجت الى اليوم قرابة 19200 اطار.. وقد آتت هذه الاهتمامات بالتنمية التكنولوجية ووسطها ثمارها, فوفقا لمؤشرات التنمية الصادرة عن البنك الدولي في شهر يوليو 2000م تبوأت دولة الامارات المرتبة الاولى عربيا من ناحية استخدام الكمبيوتر والانترنت وحسب احصاءات سنة 1998 فإنه يوجد 106 أجهزة كمبيوتر لكل 1000 نسمة هذا طبقا لاحصاءات البنك الدولي. ان الاهتمام بهذا الجانب الاستثماري للطاقات البشرية سيؤهل دولة الامارات فعلا لايجاد الحلقة التي يراها الكثير من علماء الاجتماع ضائعة بين امارات ما قبل النفط, وامارات الاقتصاد النفطي, وهي حلقة ستستغل العائد النفطي في بناء قاعدة اقتصادية تجارية (تدويرية) وصناعية دائمة.. تكون صمام أمان لمرحلة ما بعد النفط). المواقف المشرفة العالم قرية واحدة, لهذا فهو يتفاعل بكليته مع اي حركة تحدث فيه كمجال تفاعل او كمجال صدى, لذلك لا تستطيع اي دولة نتيجة لارتباطاتها, ومواقفها, وانتمائها, ومصالحها ان تقف جامدة او تلزم الصمت في كل ما يحدث, وامام تنامي روح المصلحية المادية التي اصبحت سمة العصر تتناقص روح الولاء القيمي, وتضطرب موازين الرؤية والتقدير والموقف تبعا لذلك. لكن الملاحظ بصدق ان دور الامارات بقيادة صاحب السمو الشيخ زايد كان دورا متوازنا حتى في أصعب وأنكى الاحداث حتى اصبحت تفاعلاتها مؤشرا لما يجب ان يكون عليه الموقف العربي او الاسلامي العام, وليس من السهل المحافظة على العلاقات مع الفرقاء اذا زادت مشاحناتهم البينية, ورغم ذلك فقد كانت الامارات لعقود حلقة الوصل التي يلتقي عندها الاضداد, كما ان مواقف الشيخ زايد الداعمة للقضايا المصيرية للأمة تعد نارا على علم خاصة فيما يخص قضية فلسطين ــ وكان آخر ذلك التأييد المطلق للشيخ زايد للدعوة الى عقد قمة عربية في ظل الواقع المتأزم في فلسطين, في وقت سعت فيه العديد من الاطراف الى وضع (العصي في العجلات) للحيلولة دون انعقاد القمة او لافشالها. ان ارضاء الناس غاية لا تدرك, لكن فرغم ذلك يعد الشيخ زايد فعلا رجل اجماع عربي, ويكفي الرجل فخرا انه استطاع ان يكسر عقدة الدونية فيجعل من دولته نموذجا عصريا مستوعبا لأصالة القيم, ولتطلعات الانسان في ظل سياسة قائمة على احترام المواطن وتخليصه من القيود التي تقعده عن الابداع. إنها معجزة الامارات في ظل زايد.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات