الملف السياسي ، ثمة أعمال تضع أصحابها في منزلة العظماء بمعيار الناس ومفهوم صناعة التاريخ, وتضعهم في منزلة الصالحين بميزان الخالق سبحانه وتعالى. وعلى خلفية ما تسجله حركة التاريخ, التي لا تأخذ اتجاها احاديا او خطا منتظما في صعودها الى الاعلى في كل الاحوال, فإن هذه الاعمال لا يمكن اغفالها عندما تعرض منجزات العصور المختلفة والازمان المتعاقبة كحقائق تاريخية تقترن بجهد الانسان في تعمير الارض باعتباره (الخليفة) الذي كرمه الله بهذه التسمية. وقيام دولة الامارات العربية المتحدة وبناؤها وتعميرها على النحو الذي يجعل منها منجزا تاريخيا, في الزمان والمكان اللذين تحقق فيهما هذا المنجز, هو حقيقة من حقائق هذا العصر, يضع بانيه ومؤسسه في منزلة العظماء والصالحين معا. ولا يمكن ان يذكر هذا المنجز في التاريخ الا مقترنا باسم بانيه صاحب السمو الشيخ زايد, تماما مثلما تقترن المنجزات التاريخية بأسماء صانعيها. ودلالة ذلك ان ما يعتبر منجزا في التاريخ انما تقف وراءه ارادة واعية بأهدافها ومثابرة على تحقيقها في ظروف معاكسة, يشكل التغلب عليها المغزى الحقيقي من وراء تسميته منجزا بمعنى انه لكي يكون منجزا فإنه لابد ان يولد من داخل تحديات تشكل في الاساس نقيضه الموضوعي, وتكمن عظمته في قوة هذا النقيض الذي يصبح تطويعه لاستيلاد المعجزة في داخله برهانا على قوة الارادة وحنكتها في انجاز المهمة. وربما كنت ممن سمحت لهم الظروف والوقت لدراسة هذا المنجز عن قرب والتفكير فيه من جوانب عديدة بهدف معرفة الاسباب والعوامل الكامنة وراءه, ولو على سبيل المحاولة للرد على الاسئلة التي يطرحها بعض المفكرين في علمي الاجتماع والاقتصاد حول الاسباب التي تجعل عمليتي ممكنتين التنمية والتطور ممكنة في بلد لا تتوفر فيه شروطهما الكافية, وغير ممكنة في بلد آخر تتوفر فيه هذه الشروط. وللوقوف على حقيقة ما يدور من جدل حول هذه القضية لن يكون لزاما علينا التفريق بين مفهومي التنمية والتطور لما يحمله كل منهما من مضامين خاصة تذهب به الى حد الاختلاف عن رديفه, فسنستخدمهما في سياق الحديث كمفهومين متلازمين بمضمون واحد بغض النظر عما يتضمنه الاول من دلالة كمية وما يحمله الثاني من مضامين كيفية, على اعتبار ان الحالة التي امامنا هنا ما زالت تتحرك في الاطار الكمي ولكن دون اهمال للبعد الاستراتيجي الذي يكسب التنمية مفهوم التطور, وهو ما يجعل قضية التطور مرادفة لعملية التنمية الجارية. الاختيار صعب كانت هذه البقعة من الارض هي من الاماكن التي يرى هؤلاء او كثير منهم انها طاردة لعناصر التنمية والتطور معا لقساوة الطبيعة وجلافة الانسان, فعلى مدار العصور لم تسجل اي استقرار بشري حضري على تربتها الا في صور تجمعات صغيرة موزعة بين الكثبان الرملية وفي الواحات المنتشرة عند اطراف وداخل صحراء قاحلة شديدة القساوة, أو تكون قد استقرت في سواحل متباعدة, أو في شعاب تحيط بها الجبال الجرداء والهضاب الممتدة ضمن سلسلة جبلية لا تخطىء العين معرفة ما لحق بها من دمار الطبيعة. وكلها توحي بقسوة الطبيعة والمناخ ومعهما صلابة الانسان التي تولدها مثل هذه الظروف, وهي العامل الوحيد الذي خاض به هذا الانسان صراعه من اجل البقاء, والعامل الوحيد الذي لوح به في وجه تلك القسوة, وحاول ان يشق به طريقه الى المستقبل. والقسوة من هذا النوع تولد معادلها من الصلابة, والذي يصبح فيما بعد نقيضها الذي يقهرها حينما يتوفر له قدر من الشروط للقيام بذلك. صراع النقائض من اجل الحياة غالبا ما يشكل عملية بالغة التعقيد, وهي لا تقف عند حدود, ولا تأخذ شكلا احاديا, فعندما تكون هناك ارادة وعزم على قهر هذه القسوة وعناصرها الطاردة للحياة, فإنها تأخذ مكانها في دورة الحياة المتجددة كعملية مركبة بمستويات متعددة من المحاولات التي لا تفقد الثقة في عطاء الارض عند الاخفاق, ولا تستهين بعنادها عندما يلوح شيء من النجاح في الافق. ولكي لا تخور الارادة فلابد من امل يجدد تصميمها على مواصلة السير, ويعيد صياغة هدفها بعناية, وكذا بناء عناصرها المقهورة والمنهكة, والأمل في مثل هذه الظروف انما هو الوجه الآخر للإيمان بالله حيث السعي في مناكب الارض بحثا عما تخبئه في جوفها من خيرات ينقل هذا الايمان الى المنزلة التي يتوافق فيها احترام الانسان لذاته مع ذلك التكريم الذي خص الله به الانسان (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) صدق الله العظيم. هذا ما كانت تقدمه الطبيعة للانسان على سطح الارض, وهو ما كانت تختبر به صلابته, أما ما كانت تحفظه في باطنها فقد ارادته ان يكون ثمن نجاحه في هذا الاختبار بما في ذلك حبه للأرض وارتباطه بها. ولم يكن بالإمكان للأرض ان تبادل الحب بالقسوة الى ما لا نهاية. وكما تختبر العلاقة بين الانسان والانسان في المحن والشدائد, فإن العلاقة بين الارض والانسان كثيرا ما تختبر في ظروف مماثلة. وربما كانت اكثر وضوحا في نتائجها من علاقة الانسان بالانسان لما يتجسد فيها من ارتباط مصيري. وعندما يجتاز الانسان هذا الاختبار بنجاح فإن الارض لا تبخل عليه بما تختزنه من خيرات. وعلى هذه القاعدة يمكن القول ان الشرط الاول قد تحقق على ايدي الرواد الاوائل ممن عفروا وجوههم بتراب الارض وغسلوها بعرقهم بحثا عن امل للحياة بين ركام اليأس, وقلبوا الارض بأيديهم ليخلصوها مما تراكم فيها من قسوة, ليبدأ باطن الارض يكشف عن مخزونه من الخير بعد ان توطدت العلاقة بين الارض والانسان في سنوات الشدة. الاطار المؤسسي وكان يقف على رأس هؤلاء وفي مقدمتهم رجل لم يقتصر دوره على اعطاء الاوامر, ولم يكتف بإصدار التوجيهات او المواعظ بل عمل بيديه اللتين شققتهما قسوة الارض, وقد علمته الحكمة التي امتلك ناصيتها ان اقناع الناس بالصبر على المكاره لا يتم بالنصيحة فقط وإنما بتقديم النموذج في ميدان العمل, وان مشاركة الناس زرع فسيلة ورعايتها حتى تصير نخلة خير من مخاطبتهم فقط وحثهم على زراعتها, فالأرض تمتلك من الاحساس ما يكفي للتمييز بين اليد التي ترعاها واليد التي تعبث بها او تتأفف من تربتها, وأن الله خلق القول وخلق الفعل, وفضل الفعل على القول, وجعله في المقام الذي تكتمل به شخصية الانسان المميز عن ذلك الذي يمقته الله لتخلف فعله عن قوله. وكان عمله في ميدان تقديم النموذج هو المحرك الاساسي الذي جعل هذه العلاقة السرية بين الارض والانسان تغدو الشرط الاول في تسوية وتنظيم معادلة الرخاء والقسوة وتصالح النقائض لوضع الجهد الانساني على الطريق المفضي الى بناء دولة حديثة تخرج من قلب الصحراء على نحو يشبه المعجزة, وهو ما تعجز اقلام هؤلاء المفكرين عن تحليله عند اهمال هذه الحقيقة التي تجلت في العلاقة السرية بين الارض والانسان واسلوب تنظيمها بتلك الصورة. ثنائية القسوة والخير, هذه التي تميزت بها الارض اعادت انتاج نفسها في هذه الشخصية التي خرجت من جوفها كتعبير عن حاجتها الى من يفهم سكونها تماما مثلما يفهم حركتها. يفهم اين تنتهي قسوتها وأين يبدأ رخاؤها, وبأي شروط. لم تكن تحتاج الى خبير اجنبي بقدر ما كانت تحتاج الى من يكتشف هذه العلاقة السرية بينها وبين الانسان, هذه العلاقة الخالدة التي انتظرت طويلا من يضعها الى مكانها الصحيح بين الشروط الاخرى لتعمير الارض وبنائها وتحقيق التطور المنشود. ان وراء كل مشهد حضاري في التاريخ قائد ماهر يكتشف هذه العلاقة ويعيد صياغتها في ظروف وخصائص بيئته, ويعمل على خلق وتأهيل الشروط الاخرى, ويضعها في مكانها الصحيح بين هذه الشروط لانتاج هذا المشهد. وفي الامارات هناك مشهد حضاري ذو طابع فريد, لم يأت من خارج التاريخ, فهو على صلة عميقة به اذا نظر للمسألة من زاوية التقاط الفرصة التاريخية لتحقيق هذا المنجز بالاستناد على موروث حضاري ظل كامنا في صورة تلك العلاقة الفريدة بين الارض والانسان. هذا الكمون الحضاري هو الذي سهل اخراج هذه العلاقة من حالة السكون, التي كانت فيها قسوة الطبيعة لا تنتج غير صلابة الانسان وقوة التمسك بالأرض, الى حالة موضوعية متحركة انتجت هذا المنجز ومعه شروط نموه وتجدده على قاعدة اوسع من مقومات النهوض, ومن ضمنها بناء الاطار المؤسسي للزعامة التاريخية التي قادت هذا النهوض في زمن قياسي, ثم الانتقال بهذه العلاقة لتصبح معطى في السلوك الاجتماعي والانساني وجزءا من نظام القيم الاخلاقية. وهو ما يعني انها تتجه الى ان توسع القاعدة الاجتماعية المسئولة عن ترسيخ هذا المنجز بحيث لا تقف المسئولية عند الرواد الاوائل بل تمتد الى الاجيال المتعاقبة والتي عليها ان تتمسك بهذه العلاقة كضرورة اذا ما أرادت ان تواصل منجزات هذا المشهد الحضاري بشروطه المتغيرة, وظروفه المتقلبة, ومراحله المختلفة, فمهما كانت هذه المتغيرات التي تصاحب هذه العملية التاريخية المعقدة, فإن المهم هو ان يبقى عقرب القوصلة متجها نحو هذه العلاقة الضرورة, وأن تصبح جزءا من نظام القيم الاجتماعية والمخزون الثقافي للشعب ليأخذ هذا الانتقال مداه داخل عملية شاملة من التطور بجوانبه العمرانية والثقافية والعلمية والمعرفية. بناء الانسان ولكي يكون بناء الانسان احد المخرجات الاساسية في هذه العملية, فلابد من ان تكون (الفكرة) المستندة على روح هذه العلاقة مقدمة على (المنشأة) او على الاقل غير متخلفة عنها كثيرا, حتى لا تفرض عليه (المنشأة) بتأثيراتها المظهرية, حالة من الغرابة, يسود معها نظام للقيم يتراجع عن تمسكه بهذه العلاقة ــ الضرورة بين الارض والانسان بسبب نمط الحياة الذي يتمدد مع جموح الثروة, والعلاقات الانتاجية المحكومة بأساليب رسملة الثروة التي تنحو الى مصانعة المزاج الاستهلاكي, وتسيد مفهوم احادي لدولة الرفاه الاجتماعي في المخيلة الاجتماعية يعفيه من مسئولية تجديد هذه العلاقة ــ كما رسمها الرواد الاوائل ــ كقيمة اجتماعية شديدة الحساسية تجاه المتغيرات التي تولدها انماط الانتاج السائدة التي تحول الثروة بواسطتها الى رأسمال. وإذا كان بناء الانسان هو اهم عنصر في هذا (الرأسمال) الذي يعاد انتاج الثروة بواسطته, فإنه بمعيار تفاعل (الفكرة) و(المنشأة) في مجرى عملية التطور ورسملة الثروة, يعد اهم حلقة في عملية اعادة بناء المخيلة الاجتماعية تجاه مفهوم دولة الرفاه. والملاحظ ان بناء الانسان يسير او يجب ان يسير بمستويين متلازمين من الاعداد: المستوى الاول اعداده بالاستناد الى روح ومضمون هذه العلاقة التي يبرز فيه العمل كقيمة اجتماعية مميزة في مواصلة الامساك بناصية المبادرة التاريخية للرواد الاوائل, والتي عرفت بتطويع البيئة القاسية والمصالحة معها والنظر الى الثروة باعتبارها محصلة عادلة لكفاح طويل, لا مجرد صدفة, وهذا من شأنه ان يضخم قيمة الانتاج والعمل في السلوك الاجتماعي على حساب القيم الاخرى, بمعنى ان الهرم سيقف على قاعدته الصحيحة, وأن معادلة القسوة والخير ستظل محكومة بهذا السلوك مهما بدا ان البلد قد خرج منها بسبب فائض الثروة, وهذه عملية تربوية يجسدها تاريخ طويل من الكفاح والعرق وتجارب ماثلة امام هذه الاجيال على نحو يبقيها حاضرة في الوعي كقيمة ترمز الى الكفاح الذي وراء هذا المنجز ــ الحلم وكجزء من الثقافة, ولا يكتفي باستدعائها من داخل الذاكرة وقت الحاجة لضرب المثال. اما المستوى الثاني فيتضمن اعداده علميا ومعرفيا وتقنيا, وهو ما يمكن ملاحظته بصورة لا تخطئها العين حينما تكون المقارنة مع حالات اخرى محط اهتمام الباحث في هذا الميدان. هذا الاعداد المركب للانسان من خلال الجمع بين الثقافي والمعرفي في صياغة الشخصية لن تجعله ملحقا بالثروة تقرر مصير مستقبله, بل ستمكنه من الامساك بزمام الحركة لتصبح هذه الثروة ملحقة بالحاجة التي تقررها صورة المستقبل الذي يريد. وهذا ما تحدث عنه صاحب السمو الشيخ زايد في اكثر من مناسبة, وخاطب به شعبه في اكثر من فعالية. ومن يرصد هذا الخطاب يمكن ان يلمس وجاهة المنطق الذي يفرد لتجارب الماضي وعلاقة الانسان بالأرض وحب العمل حيزا مهما في كل كلمة يوجهها الى الناس, انها الحكمة التي ترى في حركة التاريخ حركة تواصل بين الاجيال, قاسمها المشترك حب الارض التي لا تبخل على من يحبها ويرعاها بيديه.