بعودة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في صحة جيدة بعد العملية التي اجراها في الولايات المتحدة سيجد قلوب الناس تتدفق نحوه بالغبطة والانشراح, وتحمد الله سبحانه وتعالى على سلامته، وعلى عودة العافية اليه بعد غياب طويل مفروض, ويشارك شعب الامارات كل أهل الخليج فرحتهم وسعادتهم, ولا يمكن الخروج من اطار المعقول اذا قلت بأن جميع شعوب الامة العربية, والأمة الاسلامية وشعوب كثيرة من سكان هذا الكون ستأخذهم مشاعر الفرح بعودة الرجل الفذ الى اهله, ليقود مسيرة غير عادية بدأت منذ ثلاثة عقود, وأتت بانجازات تشبه قصص الاساطير. صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان رجل غير عادي, بإنجاز غير عادي, اقول ذلك من رصد لمسيرة الشيخ زايد, منذ بدأت فكرة اتحاد الامارات العربية التساعي (دولة الامارات + قطر والبحرين) وبذلت الكويت مساعيها الحميدة لدعم ذلك التوجه. كنت ضمن وفد الكويت الذي يرأسه الشيخ صباح الاحمد الجابر, النائب الاول لرئيس الوزراء ووزير الخارجية, وكان ضمن الوفد السفير بدر خالد البدر, ومعنا الخبير القانوني البارز المرحوم د. وحيد رأفت, احد الفقهاء المعروفين في القانون الدولي وكان لا يدانيه في عمله الا علو أخلاقه. وصلنا الى ابوظبي في طائرة عسكرية, كان ذلك في الفترة ما بين 1968 ــ ,1971 حيث ترددنا كثيرا على المنطقة قبل قيام الاتحاد في ,1971 لم يكن هناك في أبوظبي ما يلفت النظر, سوى حضور الشيخ زايد. كانت المدينة كثبان رمال وبيوتا متناثرة من طين ولم يكن فيها ما يبقى في خزانة الذاكرة سوى كما قلت, الشيخ زايد, الذي كان مؤيدا ومحركا ومبادرا ومعطاء لفكرة الاتحاد. لم تكن هناك مفاوضات صعبة ولا تعقيدات معطلة ولا تحفظات وراءها سعي لمكاسب, كان الشيخ زايد مدركا حتمية الاتحاد, سواء بالاتحاد التساعي او السباعي لأنه رأى حتمية المنطق, فلا يعقل ان تدعو كل امارة الى استقلالها, ولا يمكن ان تشيد منظومة امنية وافية, دون تعاون كل الامارات في اطار موحد. لفت نظري في تلك المرحلة بأنه صاحب نظرة ثاقبة, يفهم الابعاد الاستراتيجية لقضايا الامن, ولفت نظري كرمه في السعي الجدي نحو الاتحاد, وحرصه على الاسهام في ازالة العقبات. ولفت نظري بساطته وحواره المباشر, وترفعه عن الصغائر وايثاره حقوق الغير قبل البحث عن حقوقه. خلال تلك الفترة التي كنا نتردد فيها على امارات الخليج, كما كنا نسميها لم تتبدل مواقف الشيخ زايد ولم يفقد الامل في بناء الاتحاد, حتى بعد ان اتضحت التوجهات الاستقلالية لدى قطر والبحرين وظل الشيخ زايد وفيا لمفهوم الاتحاد وواعيا للمكاسب التي تعود على الجميع من اتفاق الكلمة. في ديسمبر ,1971 انضمت دولة الامارات العربية المتحدة عضوا في الامم المتحدة, وكنت من اوائل المتكلمين بالترحيب, وكنت اشعر بأن السياسة الخارجية لدولة الامارات اقرب الى المسار الكويتي, وان توجهاتها محاذية للتوجه الكويتي. وقد كتبت مقالا منذ ثلاثة اسابيع عن السياسة الخارجية لدولة الامارات كما رسمها الشيخ زايد وهي بإيجاز البحث عن صداقة الجميع, والاسهام لصالح الاسرة الدولية, والتجمل بالعقل, واعتلاء الاعتدال, وتثبيت المصداقية وعدم الدخول في مجادلات عقيمة. وصارت الامارات عضوا في مجلس الامن وهي ثاني دولة خليجية بعد الكويت تدخل مجلس الامن, وبالطبع فإن الثوابت الدبلوماسية للامارات والتي تنبع من سلوكيات الشيخ زايد, اسهمت الى حد كبير في بروز دور الامارات في مجلس الامن. في مايو ,1981 ذهبت الى أبوظبي لحضور القمة الاولى لقادة دول مجلس التعاون, وفي يوم 25 مايو وقع القادة على النظام الاساسي لمجلس التعاون, تحت رئاسة صاحب السمو الشيخ زايد. وفي رعايته قام مجلس التعاون, وتم اختياري اول امين عام للمجلس, وكان اول عمل اقوم به هو التنسيق مع سمو الشيخ زايد في الجلسة التي عقدها الرؤساء في جناح الشيخ زايد في فندق الانتر. كان الشيخ زايد مدركا للقيمة التاريخية لذلك الانجاز, ويعبر عن هذا الادراك بطريقة بسيطة وعفوية مثل الاشادة بحزمة العصا التي تظل اقوى من الطوق الواحد, وكان الشيخ زايد لطيفا في انسانيته, ورقيقا في معاشرته, يمزج الجد بالابتسامة. وابتدع في ادائه الاول اسلوب التآخي النقي المعبر عن المصير الواحد. ولقد لفت نظري درجة المعرفة والعلم والاهتمام بالشباب ونزعته نحو الدفع بنشر التعليم وتبني ابناء الامارات وكأنهم ابناؤه, وهو ما نسميه علاقة الاحتضان. في مسيرة مجلس التعاون التي عايشتها من 1981 الى ,1993 شاهدته في ثلاثة عشرة قمة, وكان ترتيب الامارات اول الدول, ويجلس الامين العام عادة على شمال رئيس دولة الامارات. ومعنى ذلك الاستفادة من عوائد جغرافية المقعد لنتبادل الحديث بهدوء خلال وقف المداولات. لا اتذكر انه اعترض على قرار, ولا جادل لتحسين موقع, يأخذ بالرأي الجماعي, ويدعو بخطوات الترسيخ والتقريب. تأثر كثيرا بمأساة الكويت بعد الغزو, وسخر كل ما تملكه الامارات لتحرير الكويت, ولإنقاذ شعبها ولاستضافة المشردين من اهلها, ودخل في الائتلاف الدولي شريكا مؤثرا, فعل كل ذلك بكل وقار والتزام اسلوب العفة الذي يميزه. شاهدته متأثرا من محنة الكويت, لكنه جمع التأثر بالعزم على الاسهام في تحريرها, وشاهدت الشيخ زايد حزينا في اعقاب هجوم سياسي واعلامي من بغداد على الامارات خلال الحرب العراقية ـ الايرانية وانفلات الاعصاب في بغداد, ثم البدء في هجوم غوغائي. زرته في احدى الامسيات في ابوظبي وقت اشتداد الحملة, وكان حزينا على ما صدر من اعلام بغداد ورأيته يشفق على القيادة بدون غضب, فقد كان يعرف بأنها سهام العاجزين وانه اكبر من الاتهامات وانه عملاق تتحرش به الاقزام. في ديسمبر ,1992 انفجر الخلاف بين قطر والمملكة العربية السعودية, وكنا على ابواب القمة في ابوظبي, ولم نكن نعرف مدى مشاركة قطر في القمة, ذهبت الى الشيخ زايد لبحث الموضوع, وتكلم مع الشيخ خليفة بن حمد امير دولة قطر الذي كان في الخارج آنذاك, وحثه على ممارسة الحلم والمشاركة وحل الموضوع بهدوء. المهم ان الشيخ خليفة بن حمد سافر الى المملكة وهناك التقى مع خادم الحرمين الشريفين بحضور الرئيس حسني مبارك قبل يوم من القمة, وفي المساء استلمت الامانة العامة اشعارا من دولة قطر بمشاركة اميرها في القمة. ونجحت القمة بإسهامات من ضمنها اسهامات الشيخ زايد وحكمته. في شهر ديسمبر ,1996 ذهبت الى ابوظبي بمعية الشيخ صباح الاحمد النائب الاول وزير الخارجية, واجتمع الشيخ زايد مع الشيخ صباح, وكنت من ضمن الحاضرين. كانت المهمة هي استجلاء بعض النقاط حول دعوة صاحب السمو الشيخ زايد لعقد قمة عربية جامعة, وقد ارادت الكويت الوقوف على بعض الايضاحات. كان الشيخ زايد انسانا عريقا بأخلاقه واصالته ولأنه كبير فقد كانت مواقفه كبيرة, وتوضيحاته كبيرة, ورجعنا الى الكويت عارفين ومقدرين. يكون الرجل كبيرا عندما يكون انجازه كبيرا, ويكون كبيرا عندما تشاهد العين انجازات بمستوى الاحلام. الشيخ زايد موسوعة اخلاقية انسانية, خيرية جامعة. تستقبله الابتسامات والفرحات من الذين يعرفونه, ومن الذين لا يعرفونه لكنه احتضنهم في همومهم وفي احلامهم. الشيخ زايد وفي للفقراء, وسعيد للأغنياء, وعاشق للخيرين المحبين للانسانية. * رئيس المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية